تميز الوعي السّلفي للقضية الشيعية
الخميس 10 مارس 2016

 

 عبد العزيز بن صالح المحمود – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

يعد المنهج السلفي أقدم المناهج الإسلامية الموجودة في العالم الإسلامي عبر التاريخ، وهو توجه قديم حديث، يستمد عقيدته من فهم السلف الصالح وهم الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان، وتمدد عبر التاريخ وعرف باسم أهل الحديث وخاصة بين أتباع الإمام أحمد بن حنبل، ثم برز شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته كأكبر منظر للمنهج السلفي، ومن ثم واصل مسيرته لزمن الناس هذا.

هذا العمق التاريخي والعلمي لهذا التيار وهذه الدعوة أعطتها عمقاً وتفرداً في طريقة التفكير بسبب التصاقها بمقولات السلف في الأمور العقدية وأمور الفرق التي ظهرت في العالم الإسلامي عبر تاريخه.

لقد جاءت الصحوة الإسلامية المعاصرة بعد 250 سنة من الخمول والجمود والضعف التي عمت العالم الإسلامي بشكل واضح، فقد هيمن التصوف والخرافة والتخلف عليها وهيمنت مظاهر الشرك بين أبناء العالم الإسلامي غالباً، وكانت الدولة العثمانية -في هذه الحقبة خصوصاً- فضلا عن ضعفها تحمل صبغة عسكرية بعيدة عن الفكر والعلم، ومتأثرة بالتصوف بشكل كبير.

لذا شكلت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية في منتصف القرن الثاني عشر الهجري (القرن الثامن عشر الميلادي) المنطلق الأول لتغيير واقع الأمة تغيراً امتدّت آثاره ليومنا هذا، ومع إرهاصات سقوط الخلافة العثمانية بدأت تظهر الحركات الإصلاحية في أرجاء العالم الإسلامي والمتأثرة بالشيخ محمد عبد الوهاب كبديل فكري للمجتمع المسلم المقاوم للاستعمار والتغريب.

لكن مع بدايات القرن العشرين الميلادي حلت في العالم الإسلامي توجهات فكرية جديدة بعيدة نسبياً عن المنهج السلفي.

التوجهات الإسلامية الجديدة والتشيع

غالب هذه التوجهات كحركة الإخوان وحزب التحرير أو جماعة التبليغ، وغيرها من الحركات هي حركات معاصرة تولدت كردة فعل على إسقاط الدولة/ الخلافة العثمانية على يد أعداء الأمة، ونتيجة إبعاد المجتمع المسلم عن دينه قسراً تحت ضغط العلمانية المستوردة على يد بعض أبنائها، فعملت هذه التوجهات المعاصرة على محاولة الرجوع بالأمة إلى دينها إلا أنها سلكت سبلا متنوعة لمعالجة المشكلة، كلٌّ حسب نظرته وتحليله؛ فمِن باحث عن عودة الحكم ورأس الهرم، ومن باحث عن عودة الآصرة الإسلامية للمجتمع، ومن معالج لبعض الأسباب التي أدّت إلى تغريب المجتمع المسلم.

لذلك ركّزت الحركات الإسلامية على مقاومة البعد الغربي؛ من استشراق أو ماسونية، أو محاولات صليبية، أو محاولات لنشر العلمانية، والليبرالية، أو الشيوعية والإلحاد، وغفلت عن مقاومة الأسباب الداخلية التي حطمت حصوننا من الداخل وسهلت عمل الأعداء من الخارج.

وتباينت طرائق ووسائل هذه التوجهات في التغيير بين الإصلاح التدريجي أو الانقلاب الكلي المباشر؛ لذا ضاع التفكير في مقاومة مخاطر دسائس الفرق الإسلامية المنحرفة التي نخرت كيان الأمة من داخلها، لأسباب من أهمها:

·        اندثار كثير من هذه الفرق وظهور فرق معاصرة كالبهائية والقاديانية.

·        عاطفة توحيد المسلمين بعامة في مقابل تكالب الكفر والهجمة الغربية، فرفعت شعار الأخوة والوحدة الإسلامية بغض النظر عن أي خيانات ومؤامرات قامت بها الفرق الضالة.

·        اقتناع البعض أن أحد أسباب ضعف الأمة هو التناحر بين فرقها.

·        الهجمة الشيوعية العاتية التي ضربت الأمة في خمسينيات القرن الماضي، مما استدعى تضافر الجهود بين الإسلاميين والفرق الضالة لمحاربته، بل تم التعاون حتى مع غير المسلمين كالنصارى لمواجهة موجة الإلحاد.

كل هذا جعل إهمال معالجة خطر الفرق الإسلامية الضالة، وعلى رأسها الشيعة، أمرًا شائعًا بين الحركات الإسلامية المعاصرة من غير السلفيين، بل واستنكر غالب هذه التوجهات الإسلامية حديث السلفيين عن هذه النحلة وعُدّ عندهم من موارد التفرق والاختلاف حتى حورب السلفيون بسبب هذا الفكر الرافض لتسلل التشيع بين المسلمين بمختلف الصور، وعدّه البعض من الإسلاميين ظلماً وزوراً نعرة استعمارية غربية لتفريق الأمة.

وفي حين غاب هذا الوعي بالخطر الشيعي عن هذه الحركات الإسلامية السنية، فإن الوعي بضرورة نشر التشيع في العالم الإسلامي خاصة لم يغب عن الشيعة وعلمائهم ومخططاتهم، ولولا أنّ المجتمع الشيعي شأنه شأن العالم العربي يروج فيه الجهل والخرافة ومتأثر بالعلمانية الوافدة مع الاستعمار، لكان المخطط الشيعي قد وصل إلى أبعد ممّا نراه اليوم، وأصبح واضحا للعيان، لكن الله لطف بالأمة برحمته.

لقد ساهمت هذه التوجهات الإسلامية – من حيث لا تدري- في تغييب الوعي عن معرفة خطر التشيع.

الوعي العام قديماً بخطر التشيع:

الوعي بخطر التشيع كان قديماً سائداً بين الأمة بمختلف مكوناتها من الأشعرية، والماتريدية، والمعتزلة، والمتصوفة، وعلماء المذاهب الفقهية السنية؛ الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، نعم هذا الوعي كان يتفاوت إلا أنّه متفق عليه بينهم.

ورغم أنّ ابن خلدون أشار في مقدمته إلى وجود صلة بين التصوف والتشيع باعتباره مدخلا له، إلا أن كثيرًا من المتصوفة ساهم في مقارعة التشيع قديما([1])  لكن هذا الوعي بخطر التشيع تراجع مع سقوط الخلافة، وتغيرت أنماط التفكير عند الإسلاميين كما مرّ بيانه. 

لكن المنهج السلفي بقي ثابتا على ذلك الوعي بخطر التشيع وسابقاً بوعيه بقيت التوجهات الإسلامية، مستشرفا كثيرًا من الأحداث، متفهما لحقيقة كثير من السلوكيات التي تمارسها التوجهات الشيعية وإلى أبعاد ما ترمي إليه عبر عقيدة التقية الشيعية، كاشفا لها من جهة ومعالجا لها من جانب آخر، وقد تسبب ذلك في خلافات ومشاكل للتيار السلفي مع بقية التيارات الإسلامية، بل اتهم المنهج السلفي ودعاته – في بعض الأحيان- بالعمالة للغرب واليهود بسبب التحذير الدائم من خطر التشيع.

سبب تجذر وسبق الوعي السلفي بخطر التشيع

إن من أهم أسباب الوعي السلفي بأن التشيع أحد أخطر الفرق الضالة على أمة الإسلام([2]) هو اعتمادهم على كتب السلف الغنية بمقولات التحذير والكشف عن حقيقة معتقد التشيع، والتي لبست على الناس حقيقتها لتلبّسها بالكذب (التقية) والباطنية، ومن أهم كتب السلفية في فضح المعتقد الشيعي كتاب "منهاج السنة النبوية" لشيخ الإسلام ابن تيمية([3]).

كما أن كتب السلف سطّرت بوضوح التاريخ الأسود والواقع المر لهذه الفرقة حيث دونت المخاطر التي تسببت بها على أمة الإسلام منذ القرن الثالث الهجري، يوم أن سيطر البويهيون (شيعة زيدية جارودية) على الخلافة العباسية، والفاطميون/ العبيديون (وهم شيعة إسماعيليون) على المغرب العربي ومصر، وفي نفس الوقت كان القرامطة الذين أبطنوا التشيع يسيطرون على بعض أرض الجزيرة وسرقوا الحجر الأسود أكثر من 20 سنة خارج الكعبة وقتلوا آلاف الحجيج في يوم التروية، إضافة لخيانتهم للمسلمين بالتعاون الواضح مع التتار في تدمير بغداد، ومعاونة الصليبيين في أرض الشام، ثم تعاونهم زمن الدولة الصفوية (القرن العاشر الهجري) مع البرتغاليين والفرنسيين والإنكليز ضد الأمة الإسلامية.

لهذا أدرك أتباع المنهج السلفي مخاطر التشيع المعاصر بكل وضوح ويسر، بسبب وعي الموروث السلفي بذلك في جانب الفكر والعقيدة الشيعية المنحرفة والباطنية أو في جانب السلوك والتاريخ الشيعي الحاقد.

بينما تغيب هذه الآثار السلفية في التحذير من التشيع عن مصادر ثقافة وفكر بقية الجماعات الإسلامية، مما سهل خداعهم والتغرير بهم.

وأمر آخر مكّن أصحاب المنهج السلفي من الوعي الدائم بخطر الفرق الضالة وخاصة التشيع، وهو أن الرؤية السلفية لمعالجة قضية الإصلاح تبدأ من داخل الجسم المسلم وليس من خارجه، (قل هو من عند أنفسكم)، وتعتمد في معالجة الداخل مبدأ تصفية ما علق بالعقيدة الإسلامية والمفاهيم والعبادات والسلوك والأخلاق من الأفكار المنحرفة والضالة من البدع والشركيات والخرافات وما ليس من الإسلام في البداية، لتتمكن من التصدي للعدو الخارجي بصف نقي ومتين.

وحين نطبق هذا المنهج السلفي في الإصلاح ستكون مقاومة التشيع الخطوة الأولى كما أثبتت الأحداث اليوم في عدد من بلاد المسلمين.

وقد اعترف بسبق السلفيين بالوعي بخطر التشيع بجرأة كبيرة يشكر عليها الدكتور يوسف القرضاوي حين قال في سنة 2013: "مشايخ السعودية كانوا أنضج مني وأبصر مني - في حزب الله- لأنهم عرفوا حقيقة هؤلاء".

كيف خُدعت الجماعات الإسلامية المعاصرة بالتشيع؟

كما سبق بيانه من أن تركيز الجماعات الإسلامية على مقاومة الأخطار الخارجية جعلها تغفل عن الأخطار الداخلية، ولذلك كان من السهولة بمكان تقبل مقولة زائفة لا أصل لها ولا حظ لها من الواقع والحقيقة وهي: "أن شيعة الأمس غير شيعة اليوم"، وهذا خطأ مشترك عند كافة التوجهات الإسلامية بخلاف دعاة المنهج السلفي.

وتطور هذا الخطر مع الاحتكاك بالشيعة، هذا الاحتكاك المغلف بالتقية للقبول مرة أخرى بفرية شيعية خطيرة وهي: "التشيع والرفض والغلو غير موجودة في عصرنا"؛ لذلك تعاملوا مع الشيعة كمكوّن إسلامي أصيل وجزء من الأمة مهدد من قبل الغرب، ولذلك كانت صدمتهم –بعضهم- ضخمة بخيانات الشيعة وجرائمهم بحق مئات الآلاف من الأبرياء في العراق وسوريا واليمن ولبنان وغيرها.

من جهود السلفيين في هذا العصر في مقاومة التشيع والتحذير من خطره

من أهم جهود العلماء السلفيين في مطلع القرن الماضي في التحذير من التشيع وفضح حقيقة باطله وضلاله جهود العلامة محمود شكري الألوسي (1273-1342هـ) من علماء العراق، والذي له عدة مؤلفات حول الشيعة؛ منها ما لخصه من مؤلفات علماء الهند([4]) وكان دائم التحذير من تشيع عشائر جنوب العراق واقترح عدة حلول لذلك، لكن الحكومة العثمانية – ومع الأسف- لم تصغِ لكلمات هذا العلامة الواعي مبكراً لهذا الخطر.

ومن الجهود السلفية المبكّرة المتميزة جهود الشيخ محمد رشيد رضا (1282-1354هـ) اللبناني الأصل والمقيم بمصر وهو صاحب مجلة (المنار) المشهورة، وقد حاول جادا التعاون مع الشيعة لكنهم أبوا وانتهى إلى أنهم عدو للأمة، ولم يكتف بالتحذير منهم في مجلته بل أرسل كاتبا لبنانيا واعيا (كامل الرافعي) لمعرفة سبب تشيع عشائر جنوب العراق، فكتب تقريراً حول ذلك نشر في مجلة المنار سنة 1326هـ في أول المجلد 16.

ثم لا تغيب عنّا جهود المفكر السوري محب الدين الخطيب (1303-1389هـ) الذي وقف بالمرصاد لقضية التقريب والتشيّع بعد أن كشف زيفها وباطلها في مجلتيه (الفتح) و(الأزهر) وكتابه "الخطوط العريضة لدين الشيعة"، وكشف حقيقة مراجع إيران مبكرًا.

وللأسف أن الأستاذ حسن البنا برغم قربه من رشيد رضا ومحب الدين الخطيب ومعرفته بتجربتهما واعترافه بفضلهما إلا أنه خالفهم بدون حجة أو مبرر مقبول، وفتح باب التقريب والوحدة مع الشيعة بمشاركته في تأسيس دار التقريب بالقاهرة سنة 1947م.

وهذه الجهود السلفية المبكرة في عصرنا الحاضر كانت تستشرف المشكلة الشيعية في وقت لم يكن الخطر الشيعي ظاهرًا، وهي بمثابة حجة على الجماعات الإسلامية التي أهملت مقاومة التشيع بل بالعكس تعاطفت معه ودعت للتقريب معه.



([1]) وقد حاولت نشر بعض تلك المؤلفات، فنشرت للفيروز أبادي (ت: 817هـ)، وهو من الصوفية المؤمنين بوحدة الوجود! كتاب "الرد على الرافضة أو القضاب المشتهر على رقاب ابن المطهر". وكتاب أبي الهدى البندنيجي (ت: 1283هـ)، وهو من علماء الصوفية في العراق كتاب "الأجوبة البندنيجية على الأسئلة اللاهورية". ونشرت كذلك كتاب "الاعتقاد في الصحابة وبيان فرق الشيعة ومشابهتهم لليهود"، للشيخ عبد القادر الكيلاني (ت: 561هـ)، كلّها في مكتبة الإمام البخاري بمصر.

([2]) من تلك الفرق الضالة والخطرة كذلك: الخوارج، والمرجئة، والقدرية، والجهمية، ولا تزال مقاومة فرقة الخوارج من أهم ميادين عمل السلفية بعد تصديهم للرافضة.   

([3]) هو تحت التحقيق لراقم هذه السطور، وقد كنت كتبت في مقدمته أن الشيعة في العراق كانوا يوصون مرضاهم بشراء كتاب المنهاج وحرقه من أجل طلب الشفاء، وقد رأيت في سوق السراي امرأة كبيرة في السن في السبعينيات من القرن المنصرم تفعل ذلك.

وهذا السفر ساهم بنشره وتحقيقه اثنان من علماء السلفية: فأول من نشره علامة العراق محمود شكري الألوسي (1273-1342هـ)، وحققه فيما بعد المحقق السلفي البارع محمد رشاد سالم (1346-1407هـ).

([4]) كان الألوسي نتيجة تأثره بشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم متيقظًا لخطر التشيع وانتشاره في العراق وقد بيّن ذلك في مقدمة كتابه "السيوف المشرقة"1301هـ، ومن مؤلفاته كذلك "مختصر التحفة الإثني عشرية"، وأكمل كتاب جدّه (أبي الثناء) في نقد الشيعة "نهج السلامة إلى مباحث الإمامة" مُضيفًا له كتاب "النفحات القدسية في الرد على الإمامية" الذي لم يكمله جده كذلك، ومن مؤلفاته "صبّ العذاب على من سبّ الأصحاب" وذلك سنة 1304هـ. ثم كتب رسالة بديعة "سعادة الدارين في شرح حديث الثقلين"، وهو من تحقيقاتي في دار الإمام البخاري، ورسالة تناولت رده على حصون العاملي، بتحقيق إياد القيسي.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق