تقاطعات الدور الإيراني والإسرائيلي في دارفور... قراءة في الواقع والمستقبل
الخميس 10 مارس 2016

 

 د. محمد خليفة صديق - كاتب سوداني

 

خاص بالراصد

مقدمة:

دارفور هي إقليم يقع في الجزء الغربي من السودان على الحدود مع دول الجوار الغربي، تحدها شمالا ليبيا، وغربا تشاد، ومن الجنوب الغربي أفريقيا الوسطى، مساحتها تقريبا 196.404 ميلا مربعا، وعدد السكان حسب آخر تعداد سكاني في عام 2008م (7.5 مليون نسمة)، تغطيها السافنا الفقيرة فى أغلب الأجزاء عدا الأطراف الجنوبية التي تتميز بالسافنا الغنية، وتقل معدلات الأمطار كلما اتجهنا شمالا، أما منطقة جبل مرة فيسودها مناخ البحر الأبيض المتوسط لارتفاعها الكبير عن سطح البحر.

وتقطن دارفور عدة قبائل منها: (الزغاوة/ الميدوب/ الزيادية/ الرزيقات/ البني حسين) في الشمال، وامتهنوا الرعي والتجارة. بينما تشكلت مجموعات أخرى في غرب وجنوب دارفور أهمها: (الفور/ الرزيقات / الهبانية/ التعايشة/ البرتي/ السلامات/ المعاليا/ البني هلبة/ الفلاتة) واهتموا بالزراعة وتربية الماشية.

هناك عوامل كثيرة ساهمت في زيادة معدلات النزاع في دارفور منها الصراع على الموارد، وتعثر مشاريع التنمية، والجفاف والتصحر والنزوح بأعداد كبيرة في مرحلة غابت فيها الضوابط الملزمة والروح المتسامحة التي عرف بها أهل دارفور، إضافةً إلى ضعف السلطات المحلية وانتشار البطالة وسهولة الحصول على السلاح ليصبح النهب المسلح أفضل الوسائل وأضمنها للحصول على المال بعد أن تجرد من يمارسه من القيم والمثل والأخلاق.

أزمة دارفور لها جذور قبلية واجتماعية وأخرى اقتصادية وسياسية، فهي صراع قديم متجدد؛ فكانت وميض نار تحت الرماد منذ زمن بعيد، ولم يكن هناك أحد يخشى أن تضرم، وهو ما يعرف بالصراع القبلي التقليدي الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من مكونات الأزمة الحالية، وما صاحبها من تداعيات سياسية وإعلامية. وقراءة أزمة دارفور يجب أن تنطلق من تشخيص حالة السودان عامة، ونقرأ من تاريخه ما نستنتج منه بعض الإسقاطات على أزمة دارفور، فالسودان بمساحته الشاسعة وثرواته وإمكانياته الوافرة التي حباه الله بها لابد أن يكون محل أطماع لكثير من البلدان القريبة والبعيدة، فهو علاوة على الإمكانات الضخمة يحتل موقعا استراتيجيا في أفريقيا والعالم العربي، ويجري خلاله أطول أنهار العالم، والذي يعتبر مصدرا مهما لمياه الشرب العذبة ومخزونا ضخما للطاقة المتجددة؛ فالسودان كان دائما محط أنظار الدول الاستعمارية منذ العهد التركي الذي حكم السودان، وأعقبته حقبة استعمارية تحت راية الحكم الثنائي الإنجليزي المصري، كما أن السودان يقع في دائرة مصالح الاستعمار الغربي الحديث التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، وهو على مرمى حجر من الدولة اليهودية التي لها مطامع معلنة في حوض النيل، أما البعد الخارجي لمشاكل السودان، فالسودان يعتبر أفريقيا مصغرة، وذلك للتنوع القبلي والتمازج الثقافي الذي انداح فيه من كل أفريقيا، ولكن السودان لم يستفد كثيرا من هذا التنوع الذي كان من الممكن أن يوظف في صالحه ويكون سببا في ازدهاره وتطوره، بل هذا التنوع أضحى نقمة عليه.

إسرائيل ودارفور .. محاولة للفهم:

أظهرت إسرائيل، على مر السنين، اهتماماً غير عادي بالموقف الإنساني في دارفور. ففي عام 2007، أعلنت، على غير عادتها، التبرع بنحو خمسة ملايين دولار للمشردين في الإقليم. ثم أعقبت ذلك، في العام نفسه، بالإعلان عن رغبتها في منح الجنسية الإسرائيلية لنحو 600 من لاجئي دارفور، الذين سمحت لهم بالاستقرار داخل حدودها، كما نشرت جريدة هاآرتس الإسرائيلية تقريراً عن زيارة عبد الواحد محمد نور، مؤسس حركة تحرير السودان المتمردة وزعيمها، لإسرائيل مطلع فبراير (2009)؛ لبحث الموقف في السودان مع مسؤول كبير في الجيش الإسرائيلي. بل إن عبد الواحد نور أعلن أن حركته كانت تعمل حينها على فتح مكتب لها في تل أبيب، وهو ما حدث بالفعل بعد ذلك، وهو ما وصفه الدكتور نافع علي نافع مساعد الرئيس السوداني المسؤول عن ملف دارفور آنذاك بأنه دليل مادي على أن قضية دارفور تحركها أيادٍ أجنبية ولوبي يهودي، ووصف الزعيمُ السوداني الصادق المهدي الكيان الصهيوني بأنه يستخدم عبد الواحد كمخلب قط لتفكيك البلاد.

وهذا يجعلنا نفسر اهتمام الجماعات اليهودية في أميركا، وتأسيس صندوق إنقاذ دارفور عام 2004، وما قاله من قبل أوري ليبراني مستشار ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء إسرائيلي بأن على تل أبيب تقديم الدعم للإثنيات، والأقليات في العالم العربي من العراق ولبنان وحركات التمرد في السودان، فقد دعمت إسرائيل بالفعل حركة الأناينا في جنوب السودان بالتدريب والسلاح في الستينيات، ودعمت بعدها أيضا الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة العقيد جون قرنق، وقد سمع الكثيرون مقولة إرييه مايكل قنصل إسرائيل في نيويورك عام 2004 إن حكومته لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما يجري في دارفور.

وقد تسبب الدعم الإسرائيلي للجماعات المتمردة في دارفور في تعقيد غير مرغوب فيه لأزمة عسيرة التسوية أصلاً. في هذا الصدد، تعتقد إسرائيل أن حكومة السودان تتحالف مع قوى أصولية أخرى بالمنطقة تمثل تهديداً لوجودها. ولذلك، ترغب إسرائيل في زعزعة استقرار النظام السوداني والذي يتعجب جوناثان شانزر، الخبير بمركز السياسات اليهودية، من تحالفه الوثيق مع إيران، على الرغم من الهوة بين السنة والشيعة. وتنظر إسرائيل، مع ما يحركها دائماً من إحساس عال بجنون العظمة، إلى السودان على أنه يحتشد مع عصابة من ألد أعداء الدولة الصهيونية؛ لإمداد حركة حماس بالأسلحة، تلكم القذائف غير المؤثرة، التي تطلقها حركة المقاومة باستمرار عبر حدود قطاع غزة.

وزعم تقرير، صدر في 19 يناير 2009 عن موقع المخابرات العسكرية الإسرائيلي (ديبكافايل)، أن كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل ومصر تشترك في شن حرب سرية لإغلاق طرق إيران البحرية عبر البحر الأحمر والسويس، والتي تستخدمها الأخيرة لإنعاش ترسانة حماس المستنزفة. في هذا الخصوص، يزعم التقرير أيضاً أن من الدول والجهات الأخرى، الداعمة لتهريب الأسلحة المزعومة من إيران إلى حماس عبر طريق البحر الأحمر، القراصنة الصوماليون، وعصابات التهريب في سيناء المصرية، والسودان. علاوة على ذلك، تذهب بعض مصادر الاستخبارات الغربية إلى أنه بالإضافة إلى تمهيد الطريق للأسلحة الإيرانية، فإن السودان نفسه يعد مصدراً رئيساً للأسلحة التي تصل إلى الجماعات الفلسطينية، مثل حماس وحركة الجهاد الإسلامي وميليشيا حركة فتح. وهذه الأسلحة السودانية، التي تصل عبر مصر، أرخص من الأسلحة المهربة من أماكن أخرى؛ نظراً لقدومها أساساً من الفائض العسكري في دارفور.

لذلك سعت إسرائيل وحلفاؤها للتصدي لقضية تهريب الأسلحة من السودان بكل الطرق، ومنها التدخل المدمر في الشأن السوداني؛ بما "يزعزع" استقرار نظام الحكم فيه، باستغلال أزمة دارفور المشتعلة فعلاً، ووصل الأمر لتوجيه ضربات عسكرية مباشرة لمصانع ومخازن سلاح في قلب العاصمة الخرطوم كما حدث قبل سنوات.

إيران ودارفور.. الدخول من بوابة الاقتصاد:

لم يكن مصادفة أن تورد صحيفة “الانتقاد” التابعة لـ “حزب الله” اللبناني خبراً في الصفحة الأولى لها، أن مرشدهم علي خامنئي اجتمع بـ 300 شاب سوداني يدرسون في حوزة تحمل اسم الخميني في مدينة قُم الإيرانية، وهو ما عبر حقيقة عن نشاط علني لولاية الفقيه في السودان كان يسير بلا توقف قبل سنوات، قبل أن يقصم ظهره بإغلاق المستشارية الثقافية الإيرانية بالخرطوم وجميع المراكز الثقافية، ثم تبعه إغلاق السفارة الايرانية قبل أشهر.

في تلك الفترة وردت بعض الأخبار المسربة عبر وثائق دبلوماسية تشير في أكثر من مكان إلى علاقة وثيقة ومتشعبة بين السودان وإيران، حيث تشير المصادر السياسية إلى أن الدولتين حافظتا على علاقات دبلوماسية وعسكرية وثيقة، منذ تسلم الرئيس عمر البشير السلطة في السودان عام 1989، ويستدل المراقبون على صحة هذه المعلومة بزيارة الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني في ديسمبر 1991، والزيارة الرسمية إلى الخرطوم رافقه خلالها أكثر من 150 مسؤولاً إيرانياً، وفي تلك الزيارة تعهدت إيران بدفع مبلغ 17 مليون دولار على شكل مساعدات مالية للسودان، وأجرت ترتيبات للمساعدة في دفع مبلغ إضافي بقيمة 300 مليون دولار ثمن أسلحة صينية يتم إرسالها إلى الحكومة في الخرطوم، وتعهدت إيران كذلك بتقديم مليون طن من النفط سنوياً كمساعدات اقتصادية.

سعت إيران للبحث عن موطئ قدم لها في دارفور، وقامت بمحاولة للعب أدوار اقتصادية فيها، حيث رصدت إيران – كما قيل حينها- مبلغ 30 مليون دولار لدعم وتنفيذ عدد من المشروعات التنموية في ولايات دارفور الثلاث، وتركزت المشروعات في مجالات الطاقة الشمسية والكهرباء وحصاد المياه والخزانات والسدود والصحة والتعليم والتدريب المهني، واتفق الجانبان السوداني والإيراني في مباحثات جرت بالنادي الدبلوماسي بالخرطوم في 2010م على تشكيل لجنة للتوقيع على اتفاقية التعاون المشترك بين الجانبين، وشارك في المباحثات من الجانب السوداني مفوضية تعويضات دارفور برئاسة المهندس أبو القاسم أحمد أبو القاسم، ومن الجانب الإيراني وكيل وزارة الطاقة الإيرانية جواد مبيدي، والسفير الإيراني بالخرطوم جواد تركبادي، وأوضح رئيس مفوضية تعويضات دارفور المهندس أبو القاسم أحمد أبو القاسم أن إقامة مشروعات التنمية بدارفور ستسهم في العودة الطوعية وتمثل بنيات تحتية لإقامة مشروعات أخرى، وقال إن إيران تسعى بجدية للمساهمة في إعمار دارفور بعد استقرار الأوضاع الأمنية هناك، مشيرا للعلاقات التي تربط المفوضية بالعديد من المؤسسات بدولة إيران.

ودعا أبو القاسم مسؤولي ولايات دارفور لتحديد أولوياتهم الخدمية وإجراء الدراسات اللازمة للمشروعات ذات الأهمية، ولفت إلى أن الدور الإيراني سيدفع بالعملية الإنسانية والاقتصادية بدارفور ويدعم خيار التعويض الجماعي الذي أمن عليه أهل الإقليم، وهو عين ما تسعى له إيران لبسط نفوذها وتعظيم وجودها في مثل هذه المناطق.

وقال إن من بين هذه المشروعات الإيرانية إنشاء مسلخ بنيالا لتصدير اللحوم إلى أوربا ودول الخليج وأفريقيا تنفذه إيران بجانب مصانع للألبان وتعبئة الفواكه وتدريب الفاقد التربوي في مدارس حرفية على معدات لإنتاج الزيوت ومنتجات الألبان.

وقال سفير إيران بالخرطوم آنذاك جواد تركبادي في تصريحات صحفية قبيل زيارة مساعد الرئيس الإيراني سعيد لو للسودان، إن الوفد الإيراني يتكون من 48 فردا من جميع القطاعات الاقتصادية بإيران «الشركات، البنك المركزي، الزراعة، الصناعة، سكة الحديد، النفط، التدريب المهني، الصحة، الأدوية وإيران خدرو للسيارات»، وأكد جواد أن زيارة مساعد الرئيس الإيراني للسودان تأتي في إطار تعزيز وتطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين وسبل تفعيلها، بجانب تحريك ملفات اللجنة الوزارية المشتركة بين البلدين، وإجراء مزيد من التشاور، والاتفاق في العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وقال السفير إن إيران أبدت استعدادها لتنفيذ مشروعات خدمية بدارفور في مجالات حصاد المياه والطاقة الشمسية والتعليم يتم تمويلها بواسطة مفوضية التعويضات بالسلطة الانتقالية للإقليم، مشيرا إلى أن إنفاذ المشروعات يأتي لدعم الإقليم، وأكد سعي إيران للمشاركة في الإعمار، وأشاد بالسلام الذي تنعم به دارفور، واعتبر المشروعات تهدف لتجاوز محنة الإقليم، وأكد أن إيران تبحث عن تحقيق الاكتفاء من الإنتاج الزراعي بالسودان.

كما أعلنت مفوضية التعويضات بالسلطة الانتقالية لإقليم دارفور عن عزمها تنفيذ عدة مشاريع تنموية بولايات دارفور الثلاث في مجال المياه والكهرباء والصحة بتمويل من إيران بتكلفة قدرها ثلاثة ملايين دولار كدعم فوري. وقد وقف وفد وزارة الطاقة ومصادر المياه الإيراني الذي زار الإقليم على الأوضاع على أرض الواقع قبل أن يدخل الجانبان في مباحثات بالخرطوم برئاسة رئيس المفوضية وبحضور مدير إدارة الشؤون الآسيوية بوزارة الخارجية وممثل لوزارتي الكهرباء والسدود والتعاون الدولي بغية تحديد بدء التنفيذ ورسم خطة عملية، وتم تشكيل لجنة مشتركة للمتابعة على أن توقع في وقت لاحق اتفاقيات تعاون مشترك، وستخصص التمويل لاستصلاح مصادر المياه وإنشاء حفائر وسدود وتأهيل مستشفيي نيالا والجنينة ليصبحا مستشفيين تخصصيين.

وتعهد السفير الإيراني بنقل التجربة الإيرانية في المجال الزراعي لولاية جنوب دارفور بعد أن تفقد نموذجا لمزرعة إكثار البذور، ودعا والي الولاية آنذاك عبد الحميد موسى كاشا إلى دخول الاستثمارات الإيرانية، معلنا عن تسهيلات بمنح الأرض مجانا لقيام مصانع للسجاد الإيراني. وقال إن دارفور مفتوحة للاستثمارات الإيرانية، وقال أيضا إن الولاية تحتاج للدعم في قطاع الثروة الحيوانية وتطوير الزراعة وترقية الخدمات، ونوه وزير البنى التحتية بجنوب دارفور حسن اتيم إلى أن هناك اتجاها لتشغيل الطاقات البديلة (الرياح، الطاقة الشمسية) وقدر المتوفر من المياه بـ (40) مليون متر مكعب بينما الاستهلاك السنوي يتجاوز الـ 100 مليون متر مكعب.

السلاح والوجود العسكري الإيراني في دارفور:

أما على الجانب العسكري، ووفقاً لمصادر سياسية مختلفة من ضمنها موقع “ويكيليكس”، فإن إيران تقدم المساعدة المباشرة للجيش السوداني في الحرب الدائرة في إقليم دارفور. وفي عام 2008 وقّعت الحكومتان الإيرانية والسودانية على اتفاق سري في مجال التعاون الأمني، الاتفاق – كما قيل- يمنح الحرس الثوري الإيراني الحق في امتلاك معسكرات تدريب تستخدم لتدريب الجماعات “المسلحة”. وبعد انهيار نظام الزعيم الليبي معمر القذافي في ليبيا، أشارت مصادر في الاستخبارات الغربية إلى أن قوات الحرس الثوري الإيراني استولت على عشرات من صواريخ “أرض جو” المتطورة روسية الصنع من ليبيا، وقامت بتهريبها عبر الحدود إلى السودان، وقد استولت على هذه الأسلحة وحدات تابعة لفيلق القدس الذي يعتبر جيش النخبة في قوات الحرس الثوري الإيراني، أثناء سفرها إلى ليبيا من قاعدتها المتمركزة جنوب السودان.

هذه التسريبات تزامنت مع تصريحات الحركة الشعبية لتحرير السودان (قطاع الشمال) بشأن مشاركة أفراد من قوات الحرس الثوري الإيراني وصلت إلى السودان، للقتال إلى جانب الجيش الحكومي في النزاع المسلح الدائر في ولاية جنوب كردفان، وقد أعلنت القيادة الموحدة لمجموعة متمردي دارفور وما يسمى بجيش تحرير السودان حينها أنها أسقطت طائرة إيرانية دون طيار من طراز “أبابيل – 111” من المحتمل أنها كانت تحت سيطرة تقنيين إيرانيين، وهذه التسريبات تشير لعلاقة محتملة بين إيران ودولة جنوب السودان الوليدة، وهي قد تكون مكاناً ملائماً جداً للوجود العسكري الإيراني الطامع في التوسع إفريقيًا، لأن دولة جنوب السودان في حاجة إلى كل شيء تقريباً، ولا يوجد نظام يدفع بسخاء من أجل توسيع نفوذه مثل النظام الإيراني.

ومنذ بداية أزمة درافور، بدأ الحديث يتزايد عن وجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني وعناصر من حزب الله في دارفور، وتصاعدت أيضا الاتهامات للحرس الثوري الإيراني بالتدخل والمساهمة في القتال من خلال عناصر تشارك على الأرض في عمليات القصف الجوي والتصنيع الحربي, لكن الحديث عن هذا التدخل الإيراني عسكريًا ولوجستيًا لا يستند إلى أدلة قطعية.

يقول أحد مقاتلي حركات دارفور المسلحة: إن قوات النظام والمليشيات الأجنبية التابعة للنظام لا تضم في صفوفها إيرانيين, معتبرا أن "الإيرانيين كأفراد عسكريين لا وجود لهم ولو كانوا موجودين بشكل فنيين عسكريين في مصانع الأسلحة والذخيرة وكطياريين حربيين". ولكن هذا المقاتل يؤكد أن عدم الاستعانة بعسكر إيرانيين أو عناصر أمنية لا يأتي من تمتع النظام السوداني أو حتى الحكومة الإيرانية "بالحس الأخلاقي", وإنما يأتي ممّا تفرضه الحاجة من الاستعانة بعناصر من الحرس الثوري الإيراني فهو غير ضروري ما عدا الدعم الفني العسكري, مضيفاً أن عدم الوجود العسكري الإيراني على الأرض لقمع الثورة في السودان لا يعني أن الإيرانيين لا يدعمون النظام "إيران تدعم النظام بكل ما أوتيت من إمكانات, فالطيارون, والفنيون العسكريون الإيرانيون موجودون في السودان ويمثلون إضافة معتبرة للنظام".

من أحدث أنواع الدعم الذي قيل إن إيران قدمته للحكومة السودانية لمساعدتها في دارفور أجهزة لمكافحة هواتف "الثريا", (التي تعمل عبر الأقمار الصناعية). ووفقا للمقاتل السوداني الذي فضل عدم ذكر اسمه فإن إيران زودت الحكومة برادارات متحركة محمولة على سيارات فانها يُمكن أن تتنصت وتحدد إحداثيات مستخدمي الثريا بدقة في مدة لا تتجاوز الدقيقتين وتقوم بالتشويش عليها وقطع الاتصال.

وقد كشف أستاذ الاقتصاد والسياسة بالجامعة الأمريكية في القاهرة الدكتور حامد محمد، المنحدر من دارفور أنه بفحص الأرقام المتسلسلة للأسلحة الموجودة في دارفور نجدها دخلت السودان عن طريق الصين وإيران وروسيا، وهي الدول التي تمد الحكومة بالسلاح في دارفور، ويرى أن الوضع في جنوب كردفان كان وراءه بعض القادة العسكريين الذين سلّحوا المواطنين في أيام الحرب الأولى بحجة أنهم يسكنون في مناطق التماس.

وكشف تقرير صادر عن مجلس الخبراء بالأمم المتحدة عن تورط إيرانيين في تزويد الحكومة السودانية بأجهزة مراقبة متقدمة تعمل بنظام الفيديو ويتم تركيبها على طائرات بدون طيار في سماء إقليم دارفور‏,‏ مما يشكل خرقا خطيرا لقرار لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن بحظر تصدير السلاح إلى الإقليم‏، وحوى التقرير الذي يتكون من ‏94‏ صفحة تفاصيل عن انتهاكات تتعلق بالسلاح من كل أطراف النزاع في دارفور، وصور ثابتة تم التقاطها بتقنية الفيديو المثبتة في طائرات بدون طيار فوق دارفور كإشارة إلى تجاهل الحكومة السودانية للحظر.

الوجود الإيراني في دارفور دعا صحيفة الإندبيندنت البريطانية للتعليق على وصول السفن الحربية الإيرانية ميناء بور سودان بعد أسبوع واحد من اتهام إسرائيل بقصف مصنع للأسلحة في العاصمة السودانية الخرطوم، بأنه خطوة تمثل تصعيدا محتملا لحرب بالوكالة بين إيران وإسرائيل في السودانين الشمالي والجنوبي، ورأت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية تفجير إسرائيل لمخزن اليرموك السوداني أعمق وأكثر أهمية من مجرد تدمير مخزن أسلحة شاركت في بنائه إيران أو يتم دعم حركات المقاومة الفلسطينية بالأسلحة المصنعة بها، في حين يرى آخرون أن ضربة إسرائيل للسودان تعتبر "بروفة" لأخرى محتملة ضد إيران، أو تحذير لإيران، ففي الحدث قدر من استعراض القوة لتخويف إيران وحثها على التعاون في المفاوضات النووية آنذاك.

وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن الاستخبارات الإسرائيلية تعتقد أن مصنع اليرموك بالخرطوم والذي قصفته إسرائيل هو أحد مصنعين للأسلحة من ضمن المصانع المملوكة للدولة، ومصدر رئيسي للصواريخ التي تستخدمها حركة حماس المقاوِمة للكيان الصهيوني، وفقا لمسؤولين أمنيين في كينيا وأوغندا، وقد نفت الخارجية السودانية أي علاقة لطهران بمصنع اليرموك الذي قصفته إسرائيل، ورفضت الدولة العبرية الإدلاء بأي تعليقات رسمية حول اتهامات الخرطوم لها.

وحتى قُبيل إغلاق المستشارية الثقافية الإيرانية بالخرطوم وتوابعها كان السودان يمثل نقطة الانطلاق في اهتمامها بالقارة الأفريقية، حيث ارتبط الانفتاح الإيراني على أفريقيا في عهد الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني الذي حطت طائرته في عام 1991 للمرة الأولى في السّودان الذي كان يعيش عامه الثاني في ظل نظام الإنقاذ، وكان وليد فارس – الأمين العام المشترك للمجموعة التشريعية الأميركية العابرة للأطلسي لمكافحة الإرهاب – قال في شهادته أمام اللجنة الخاصة بأفريقيا والتابعة للجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس، إنه لوحظ تزايد النشاط الإيراني في وحول ميناء بور تسودان، ويشمل ذلك البحرية الإيرانية والوجود العسكري الإيراني، إضافة إلى تهريب السلاح الإيراني.

مستقبل التشابك الإسرائيلي الإيراني في دارفور:

في ظل وجود علاقات بين حركات دارفور المسلحة المتمردة، ووجود جالية دارفورية في إسرائيل، يتوقع أن يظل المخلب الإسرائيلي يلعب في دارفور لتعميق الأزمة والحيلولة دون وصولها لحل نهائي، وسيخدم المصالح الصهيونية في المنطقة، وقد يتقاطع هذا الدور الصهيوني أو يتكامل مع الدور الإيراني في دارفور، والذى تأثر سلبا بقطع العلاقات مع السودان أخيرا.

ويتوقع أن يتواصل الدور الإيراني في دارفور عبر الخلايا النائمة التي زرعتها إيران طوال وجودها السابق في المنطقة، كما يمكن أن يكون هناك دور للشيعة الموجودين في ولاية شمال كردفان المجاورة، سيما منطقة (أم دم حاج أحمد) في دعم الوجود الشيعي والإيراني في دارفور، وقد يؤثر الوجود الإيراني في دولة تشاد المجاورة لدارفور أيضا في دعم هذا الوجود لإيران في دارفور، مما يستدعي الحذر الشديد من الحكومة السودانية والسلطات المحلية في دارفور.

مراجع:

1-   تدخل إيراني في حرب دارفور!، مقال منشور بصحيفة الراكوبة الإلكترونية، بتاريخ: 02-08-2015م، على الرابط: http://www.alrakoba.net/articles-action-show-id-58270.htm

2-  محمد العرب، ماذا تفعل إيران في السودان؟، مقال منشور بصحيفة الراكوبة الإلكترونية، على الرابط: http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-69963.htm

3-  عادل الرشيد، التدخل الإسرائيلي في دارفور: هل يخدم البشير؟، مقال منشور بموقع مركز الإمارات للدراسات الإستراتيجية، بتاريخ: 10 مارس 2009م، على الرابط: http://www.ecssr.ac.ae/ECSSR/print/ft.jsp?lang=ar&ftId=/FeatureTopic/Adil_Rasheed/FeatureTopic_0880.xml

4-  تورط إيرانيين في تزويد الخرطوم بطائرات بدون طيار لاستخدامها بدارفور، مقال منشور بصحيفة المصري اليوم، بتاريخ: 09  نوفمبر 2009م، على الرابط:  http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=232473

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق