داعش واحدة أم دواعش متعددة؟
الثلاثاء 9 فبراير 2016

  صباح العجاج – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

تمهيد:

لا يختلف أحد ممّن يراقب الساحة العراقية أنّ (داعش) هي امتداد وتطور لمجموعة الزرقاوي، وأن داعش تمثل النسخة العراقية لتنظيم القاعدة (عرقنة القاعدة)؛ لذلك فإنّ أصل داعش هو القاعدة وأخواتها بنفس الأفكار مع تطور معين فيما يخص إنشاء دولة إسلامية (خلافة) فلا زالت القاعدة ترفض مآلات الفكرة وطريقة تنفيذها.

لكن الجميع يتّفق على أنّ ثمة تناقضا واضحا في سلوك داعش بين سوريا والعراق؛ فبينما هي تتناغم في سوريا مع مخططات النظام السوري وإيران وروسيا ضد جميع فصائل الثوار، نجد في العراق صدام وصراع مع الحكومة العراقية الشيعية وميلشيات الحشد الشعبي الشيعية في جبهات معينة دون غيرها، بمعنى آخر هي ضد المحور الإيراني في العراق نوعاً ما لكنها معه في سوريا، وهذا هو التناقض الأول.

أما التناقض الثاني فيتمثل في اختلاف المنتمين لداعش، فدواعش العراق هم: شباب (جهادي) يحمل فكرا متطرفا، من جميع دول العالم، مع ضباط سابقين من الجيش العراقي من ذوي الفكر القومي والبعثي، مع أبناء بعض العشائر المعارضين للتوجهات الإيرانية، مع بعض أفراد فصائل المقاومة العراقية التي تركت فصائلها وانتمت لداعش. بينما داعش في سوريا أكثر تجانسًا تقريباً في الفكر، فهُم من الشباب الجهادي الأكثر تطرفاً، ولربما يتكرر هذا في داعش ليبيا التي هي قيد التشكل.

سهولة الاختراق:

القاعدة وأخواتها منذ زمن تأسيسها وهي مكونات منفتحة على كل المقبلين عليها، وهي تعتمد على الترويج الإعلامي في نشر فكرها، وساعد هذا على سهولة اختراقها على مستوى الأفراد وقياداتها، ولعل قصة أبي القعقاع السوري مثال بارز لذلك.

وحصل هذا في الجزائر قديماً وفي العراق وغيرهما، فقد استطاعت المخابرات والأجهزة الأمنية لقوى عالمية وإقليمية ومحلية أن تخترق القاعدة وتزرع رجالها داخل هذا المكوّن، وأن تتعرف على القاعدة وهذه الجماعات عن كثب، بل وقيادتها لأجندات تخدم سياسة هذه الدول، وتجربة الجزائر وسوريا قبل الثورة أكبر شاهد على ذلك! وداعش ليست استثناء من ذلك، بل داعش أعدمت علنًا عدد من قادتها بتهمة العمالة لمخابرات دولية ومحلية.

براغماتية القاعدة وداعش:

تدعي القاعدة وداعش أنهما تحملان عقيدة الولاء والبراء النقية، لكن المراقب لتصرفات القاعدة يجدها بعيدة كل البعد عن ذلك؛ فهي تتناقض مع طروحاتها بشكل مستمر؛ وتتعامل بكل أريحية مع كل التوجهات المعادية للإسلام إذا تماشى ذلك مع مصالحها الخاصة؛ لذا فهي تتعامل بإيجابية مع القوى الشيعية والإيرانية كما تبين من ردود القاعدة وداعش على بعضهما البعض مع أنهما تكفّرانها في أدبياتها، وتتعامل مع الغرب روسيا وإيران وأجهزتها الأمنية مع أنهما تفجّرهم وتكفرهم، وقد اعترف الأمريكان عدة مرات بإنزال أسلحة ومعدات بالخطأ في مناطق داعش! أما عقد الهدن والتفاوض مع النظام السوري فلا تعد، وغير ذلك كثير.

كل هذه التناقضات الواضحة مع سهولة الاختراق سهّل الأمر لمن يخطط ضد الأمة أن يستعمل هذه الجماعات لخدمة مصالحه، لكن الجديد في الأمر -وهو الواقع- معرفة ماذا يحصل لو اختُرقت داعش من أكثر من جهة أو جهاز أمني وتكونت عدة توجّهات متناقضة المصالح داخل داعش؟ وهذا هو عمود مقالنا.

دور حجي بكر في هذا الأمر:

شخصية حجي بكر الذي قتل باشتباك مع المعارضة السورية في كانون الثاني من سنة 2014،   والذي كان مستقرا في منطقة تل رفعت في سوريا (شمال حلب)؛ هو ضابط (عقيد طيار) سابق في المخابرات العراقية اسمه (سمير عبد محمد الخليفاوي)([1])، وهو القائد العسكري الحقيقي لداعش وقد عمل في المقاومة العراقية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وألقي القبض عليه وسجن في سجني بوكا وأبو غريب (2006-2008م) وبعد خروجه انتمى لدولة العراق الإسلامية، وتدرّج فيها وأصبح من أهم القيادات داخل داعش، ثم عمل داخل النصرة في ثورة سوريا وبدأ يخطط لتكوين داعش للسيطرة على العراق.

حجي بكر هو أحد المخططين لتشكيل نظام محكم للسيطرة لصالح داعش، عبر تجنيد العشرات للتجسس والرصد وتنفيذ الاغتيالات وكان يجند ضباط المخابرات العراقية والسورية وحتى الأطفال، وهذا الأمر سهل على أفراد الأجهزة الأمنية التي تعمل كشخصيات مزدوجة الولاء.

وهذه الخلفية الأمنية تمثلت في خطط حجي بكر الذكية والمذهلة في تأسيس داعش وانتشارها، والتلاعب في بناء العلاقات المتناقضة.

  فحجي بكر كان يتصرّف داخل سوريا بخلاف تصرفه داخل العراق، لاختلاف طبيعة الشعبين وظرفهما، واختلاف قضيتهما، فالقضية في سورية ثورة سورية بحتة محلية الهدف، أما في العراق فأمرها مختلف، فهي موجهة ضد الاستبداد الشيعي وإيران بصورة مباشرة.

كما أن حجي بكر عرف أن للنظام السوري رغبة في التخلّص من المعارضة لذلك نسّق معهم لتوسعة داعش هناك وسهل له النظام ذلك، عبر ضرب مناطق المعارضة جوا، وتسهيل سيطرة داعش على الأرض وتوسيع رقعتها.

التناقض في علاقات داعش:

سعى حجي بكر والضباط العراقيون السابقون في الجيش العراقي لتوظيف داعش في خدمة مصالحهم الخاصة، التي كان من أهمها ضرب إيران والأحزاب الشيعية في العراق ضمن بُعد قومي وليس دينيا مع استخدام البعد الديني الجهادي!

لكن هذه الرغبة للعسكريين الدواعش اصطدمت بموقف بعض الجهاديين الدواعش الرافضين لذلك اتباعا لمنهج القاعدة العام الذي ينحاز للهدنة مع إيران والشيعة بسبب مصالح القاعدة بتوفير ممر عبور واستراحة لهم فضلاً عن تواجد كثير من عوائل قادة القاعدة في إيران والذين هم بمثابة ورقة ضمان بيد طهران من عمليات القاعدة، واعترف بذلك أبو عطية الليبي([2]) وهو موقف الظواهري المشهور.

وانعكس هذا التضارب في مواقف وسياسة داعش في العراق من خلال مهاجمة داعش أو جناح منها للأحزاب الشيعية في العراق، لكن داعش أو أجنحة منها أيضا امتنعت عن إسقاط النظام الشيعي بعد سيطرتها على الموصل، حيث لم تهاجم بغداد رغم قدرتها على ذلك في مطلع 2014، ويتناغم مع هذا الموقف المهادن للشيعة التزام داعش بتصريح وزير الدفاع الإيراني بعدم الاقتراب من الحدود الإيرانية لمسافة 40 كم! مما يلمح لجناح داعشي يحابي الشيعة وإيران في العراق وسوريا.

بالمقابل فإن التدقيق بمواقف داعش العراق على جبهات القتال يكشف عن تباينات كبيرة في أحوال الحرب والهدنة؛ فمعلوم أن ديالى سلمتها داعش للمليشيات الشيعية بصفقة قوامها 2 مليار دولار سلمها هادي العامري لداعش! وقد علمت بذلك القيادات الكردية ورئيس البرلمان سليم الجبوري فيما بعد.

كما أن داعش تتناغم في كثير من الجبهات وخاصة جبهة مدينة تكريت مع الأمريكان، فعندما حاول الحشد الشعبي دخول تكريت صدّته داعش، وعندما قرر الأمريكان التدخّل سقطت المدينة بكل سهولة ويسر، بل انسحبت داعش بسلام ولم يعثر لها على أثر!

وهذا ما تكرر حصوله في الرمادي حيث حاول الحشد دخولها منذ ثمانية أشهر ففشلوا، ولما أرادت أمريكا فرض الجيش العراقي والعشائر السنية بدلاً من مليشيات الحشد الشيعي تحررت الرمادي!

ولعل رسالة أمريكا من ذلك أن هزيمة داعش منوطة بها وأن الحشد الشيعي مهما حاول فداعش أقوى منه، وهذا يؤكد أنّ تحركات داعش / داعشات تتناغم مع مصالحها من جانب، كما أنها تتناغم مع جغرافية المنطقة ومصالح الجهات المختلفة في المنطقة.

 

 

في الآونة الأخيرة جرت محاولات روسية بوساطة كردية لاختراق داعش من خلال القيادات (العفرية) التي تنتمي إلى مدينة تلّعفر، وتتميز بالتطرف والغلو في التكفير، لإيجاد موطئ قدم للروس في القيادة، لكن الأمر كشف، وجرت تصفيات أمريكية للقيادات الروسية من داعش في إنزالات الحويجة المتتابعة!

 



[1] - ليس حجي بكر هو الضابط الوحيد الذي ينتمي للنظام السابق في داعش، بل أكثر القيادات الفاعلة في داعش منهم، مثل: وليد جاسم العلواني، العميد محمد ندى الجبوري، وأبو فيصل الزيدي، وأبو مهند السويداوي، وعدنان إسماعيل نجم، وغيرهم.

[2] - انظر تفاصيل ذلك في كتاب "الجماعات الإسلامية وإيران"، لسعيد بن حازم السويدي.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق