الاختراق الإيراني لأفريقيا العربية.. مدخل للفهم
الثلاثاء 9 فبراير 2016

 أسامة الهتيمي – كاتب مصري

خاص بالراصد

عُرفت القارة الإفريقية ومنذ قرون بأنها القارة المسلمة بعد أن انتشر فيها الإسلام بشكل سريع منذ السنوات الأولى للدعوة الإسلامية بل إنها تعرفت على هذا الدين الحنيف ووصلتها دعوته قبل أن تصل المدينة المنورة في شبه الجزيرة العربية حيث كانت هجرة المسلمين الأولى – نحو 83 رجلاً فضلا عن النساء والأطفال - إلى الحبشة وهي الهجرة التي كان لها عميق الأثر بالنسبة للجماعة المسلمة في مكة المكرمة.

وظلت القارة الإفريقية طيلة هذه القرون متشبثة بإسلامها الصافي والنقي على الرغم من كل ما تعرضت له من محاولات استهدفت تعكير هذا النقاء، واستغلالها عبر شعارات زائفة لتوريطها في صراع سياسي لتحقيق حلم شعوبيين أبوا إلا أن تكون قيادة الأمة في أيديهم حتى لو كان ذلك على حساب ما يفترض أنه المعنى الحقيقي للدين الإسلامي فنجحت القارة وعبر تاريخ طويل من صراعات ممتدة على أرضها في أن تؤكد مرارا وتكرارا عودتها لتمسكها بصحيح الدين وأنها في تمام اليقظة تجاه محاولات استغفالها بدعاوى حب آل البيت بعد أن تكشف أن ذلك شعار زائف لا يسعى رافعوه إلاّ إلى تحقيق طموحاتهم التوسعية على أنقاض ما بذله أصحاب الدين الحق من تضحيات، فبدا وكأنهم معول هدم، لا بناء أو دعوة.

ولعلنا نجد في كل من الدولة الإدريسية والدولة الفاطمية الشيعيتين ما يؤكد ما ذهبنا إليه فعلى الرغم من تمكن هاتين الدولتين من حكم مناطق عديدة من القارة الأفريقية ولفترات زمنية ليست بالقليلة سعت خلالها الدولتان إلى نشر المذهب الشيعي بين سكان هذه المناطق إلا أن مسلمي هذه البلدان عادوا ليتشبثوا بمذهب أهل السنة والجماعة بل ويشاركوا وبكل قوة في مواجهة محاولات نشر التشيع الذي رأوا فيه الكثير من المخالفات الصريحة والانحراف والبعد عن صحيح الإسلام.

غير أنه وبعد أن انتصرت ثورة الخميني الفارسية على شاه إيران عام 1979م ومن ثم تمكن الخميني وأنصاره من تولي مقاليد الأمور في إيران عادت من جديد أحلام الهيمنة والسيطرة عبر ما أعلنه الخميني نفسه من تصديره لما يسمى بالثورة الإسلامية، لكنها هذه المرة رفعت شعارات الاستقلال من الهيمنة والاستبداد الغربي وتنمية روح المقاومة لدى الشعوب الإسلامية والصمود أمام الولايات المتحدة الأمريكية التي أطلقت عليها لقب "الشيطان الأكبر" وهي شعارات براقة تتفق في كثير منها مع روح الإسلام الذي يرفض الظلم والجور ويسعى إلى تعبيد الناس لله رب العالمين غير أنها لم تكن لدى هؤلاء إلا وسيلة خداع تستهدف الاستقطاب وتقوية معسكر الهيمنة الجديد الذي ما أن وجد في التحالف مع "الشيطان الأكبر" وأنصاره من سبيل حتى سارع إلى سلوكه كما هو الحاصل الآن بعد توقيع الاتفاق النووي.

والحقيقة أن الخطة الخمينية لتحقيق الهدف لم تقصر في بدء التنفيذ منذ العام الأول بعد الإطاحة بالشاه حيث نجحت بشكل كبير في أن تخدع الكثير من النخب الإسلامية -فكرية وتنظيمية- في العديد من البلدان العربية والإسلامية كي تتبنى نفس نهج الخميني وأن تقنع بأن النموذج الإيراني هو النموذج الذي يجب الاحتذاء به إذ أحسن الخميني ورجالاته استغلال الحالة السياسية المزرية التي كانت عليها أغلب البلدان العربية والإسلامية والأوضاع المتردية التي تعانيها الحركة الإسلامية في هذه البلدان ومعاناة رجالاتها الأمر الذي  كان له انعكاسه السريع فيما يتعلق بالتمهيد لأن تحدث الكثير من الاختراقات الإيرانية في البلدان المحيطة لنشر الأفكار الخمينية والشيعية.

ولولا الجهود الكبيرة التي بذلتها بعض الشخصيات والمؤسسات الواعية من أجل فضح حقيقة النيات الإيرانية في محيط البلدان المجاورة لإيران  فضلا عن انكشاف سياساتها الطائفية القميئة لتواصلت حالة الاستقطاب داخل الصف السني إذ أدركت قطاعات كبيرة من المخدوعين أن الأمر ليس كما تصوره طهران وأن لافتات المقاومة والممانعة أكذوبة كبرى ما ترتب عليه أن تركز طهران على أطراف العالم الإسلامي ومنها القارة الأفريقية لتحدث اختراقات في بلدانها مستغلة الأوضاع الاقتصادية السيئة وحالة السيولة السياسية في بعض البلدان وهو ما سنحاول أن نرصد بعض مظاهره في عدد من البلدان الأفريقية العربية.

المغرب:

تنطلق إيران في تعاطيها مع منطقة المغرب العربي بجملته على اعتبار أنها منطقة شيعية وأن المذهب الشيعي كان راسخا متجذرا فيها وهو الأمر الذي يتعارض مع واقع المغرب وشعبه إذ أنه ووفق أعلى التقديرات العددية التي تناولتها وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها حول الحريات الدينية في العالم والتي أقرها عصام الحسني أحميدان أحد أهم قيادات الشيعة المغاربة فإن هذا العدد لا يتجاوز ثمانية آلاف شيعي وهي بالطبع نسبة ضئيلة للغاية مقارنة بعدد المغاربة بجملتهم التي تفوق 33 مليون مغربي!

غير أن الشيعة في المغرب – أيا كان عددهم –  يحاولون أن يشكلوا "لوبي ضغط" ينتزع لهم حقوقا خاصة ليست منحصرة في الحقوق السياسية المتعارف عليها باعتبارهم مواطنين، فالدستور والقانون يكفلان للمواطنين أن يمارسوا حرياتهم وحقوقهم غير أن الحرية المقصودة هنا هي الظهور بهوية معينة والسماح لفئة بعينها للعمل على نشر أفكار خاصة دون أية عوائق تحت دعوى الحرية وهي الثغرة التي يستغلها الكثيرون –للأسف- لنشر أفكارهم وأطروحاتهم غاضين الطرف عن أن مثل هذه الدعوة يمكن أن تؤدي إلى تهديد الأمن القومي لأي بلد وتحدث حالة من عدم الاستقرار.

وما أشرنا إليه ليس من باب التجني على شيعة المغرب إذ تشير الكثير من تصريحات وتحركات قادتهم إلى أن العمل قائم على قدم وساق بهدف السماح لهم بوجود كيان سياسي أو ثقافي خاص يمكنهم من خلاله العمل وبشكل فيه "تمييز" لتحقيق مآربهم الخاصة وبما يتعارض مع الدستور والقانون.

ففي حوار لحميدان الحسني القيادي البارز في مؤسسة الخط الرسالي لصحيفة "هسبريس" المغربية قال: "نعتبر أنفسنا عناصر تنوير في المجتمع لمواجهة الطائفية والتطرف ومعنيين بكل القضايا التي تعني الوطن والمواطنين" مضيفا أنه سبق أن شكلوا لجنة حوار سياسي التقت بالدكتور محمد ضريف قبل المؤتمر التأسيسي لحزب الديمقراطيين الجدد غير أنهم لم يلتحقوا بالحزب" ومشيرا إلى أنه بعد اللقاء بدأت بعض النخب الحزبية تتواصل معهم بشكل غير رسمي وأنهم في انتظار أن تتشكل لديهم قناعة بالجهة الحزبية التي يرونها مدافعة بحق عن المواطنة وعدم التمييز على أساس المعتقد وقيم التعايش والتسامح.

وكشف الحسني أيضا عن أن لجنة تمثل مؤسسة الخط الرسالي التقت الأمين العام لحزب الديمقراطيين الجدد في المغرب دون أن ينضموا إلى هذه الهيئة السياسية فيما ظهر قبل أسابيع من هذه التصريحات إدريس هاني أحد أشهر وجوه الشيعة بالمغرب في مؤتمر لحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية.

والشاهد في كلام الحسنى هو أن الرجل يتحدث عن مجموع الشيعة باعتبارهم كيانا واحدا وأن انضمامهم لحزب من الأحزاب إنما سيأتي بشكل جماعي وهو بالطبع تقسيم على أساس طائفي وليس على أساس سياسي لا يعكس إيمان هؤلاء بفكرة الانتماء السياسي على أساس  أيدلوجي كما هو متعارف عليه في الحياة السياسية في البلدان العربية والتي تدور انتماءاتها حول ثلاثة مدارات " إسلامية – ليبرالية – يسارية" وإنما يعكس رغبة في الحصول على أكبر قدر من الامتيازات التي تسمح لهم باعتبارهم مجموعة طائفية بالتحرك وتشكيل ورقة ضغط لانتزاع حقوق خاصة ومتميزة حتى لو كان ذلك عبر ابتزاز الكيانات السياسية الموجودة بالفعل، فلا يشغل هؤلاء توجه هذا الكيان أو ذاك بقدر ما يشغلهم تحقيق المراد.

وهو ما أكده الحسني في حوار آخر مع موقع "بديل" حيث يقول: إن الشيعة يوجدون داخل جميع الأحزاب المغربية بما فيها أحزاب "النهج الديمقراطي" و"العدالة والتنمية" و"الحزب الاشتراكي الموحد" وداخل جماعة "العدل والإحسان".

ولا تمنع محاولات بعض الكيانات السياسة المغربية استرضاء شيعة المغرب من أن يواصلوا العمل على أن يكون لهم كيان خاص فوفق المثل الشعبي "زيادة الخير خيرين" إذ هم أيضا نجحوا في الحصول على رخصة للعمل من خلال مؤسسة عرفت باسم مؤسسة "الخط الرسالي للدراسات والأبحاث" والتي يعلم الكل أنها شيعية وهي الرخصة التي كانت امتنعت عن إصدارها وزارة الداخلية مرارا فيما أصدرتها المحكمة التجارية هناك.

ورفعت المؤسسة شعارات "التنوير، التغيير، التحرير" فيما أكدت أن من مبادئها احترام وحدة المذهب السني المالكي كاختيار عام وعدم الإضرار به والدعوة لحيادية واستقلالية المؤسسة الدينية الرسمية عن كل الحركات والأحزاب والجماعات وعدم السماح لأفراد التيارات الدينية والسياسية باختراق الحقل الديني الرسمي وتوظيفه لفائدة طرف ضد آخر، وفي نفس الوقت التأكيد على ضرورة احترام حرية المعتقد وضمانه لكافة المواطنين.

وترى المؤسسة أن المذهب حالة فردية وليس مشروعا مجتمعيا يفتت المجتمع عصبيا وطائفيا وبالتالي فلا ينبغي تحويل "الدين" و"المذهب" إلى محددات للهوية الجماعية وقاعدة للعمل المدني والسياسي، والعمل من داخل المجتمع المدني والسياسي بالمغرب حق دستوري وقانوني لكل مواطن مغربي وممارسة العمل المدني والسياسي يتم من خلال المشروع المجتمعي على قاعدة المواطنة لا من خلال الهوية الدينية أو العرقية أو القبلية وهو مثبت في قانون الجمعيات والأحزاب السياسية بالمغرب.

وبالطبع إعلان هذه المبادئ وكما هو واضح يستهدف أمرين:

الأول: إرسال رسالة طمأنة للمجتمع المغربي بأن الهدف ليس طائفيا.

والآخر هو تحقيق حالة من السيولة السياسية التي تسمح لهؤلاء بحرية الحركة ليس لممارسة نشاط سياسي مجرد فحسب بل وللدعوة للمذهب الجديد حتى يتحقق ما يريدون ثم لكل مقام حديث.

ويجدر بنا أن نشير كذلك إلى أن شيعة المغرب يرون في إيران القدوة والنموذج، إذ يقول الحسني: إننا نعتبر إيران تجربة إسلامية رائدة في مجال التحرر والأصالة الإسلامية والاستقلال الحضاري عن الشرق والغرب، وبناء على ذلك فإننا ننظر بكثير من الاحترام لهذه التجربة التي تمثل سندا للحركات التحررية ولقضيتنا المركزية "القضية الفلسطينية" ولا يمكن إلا أن نحترم هذه الدولة.

وهي تصريحات مثيرة ومستفزة ذلك أنها جاءت على الرغم من تكشف الكثير من السياسات الإيرانية التي تتعارض مع الشعارات المرفوعة التي تؤكد أن إيران بعيدة تماما عما يحقق مصلحة الأمة العليا، وأن كل تحركاتها طائفية قحة تثير القلاقل والبلبلة في العراق وسوريا واليمن والبحرين والمملكة العربية السعودية وما خفي كان أعظم. بل إنها تتعارض مع المبادئ المعلنة للمؤسسة نفسها إذ أن مثل هذا القول لا ينسجم مع ما كان قد ذهب إليه العاهل المغربي عندما دعا رابطة علماء المغرب عام 1980 لبحث موضوع الخميني حيث أصدرت الرابطة فتوى نارية في حقه تكفره فيها وتدعوه إلى التوبة بعدما خرج بتصريح أثار ضجة في العالم الإسلامي بقوله: «إن الأنبياء جميعا جاؤوا من أجل إرساء قواعد العدالة في العالم، لكنهم لم ينجحوا وحتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء الذي جاء لإصلاح البشرية وتنفيذ العدالة لم ينجح في ذلك وإن الشخص الذي سينجح في ذلك ويرسي قواعد العدالة في جميع أنحاء العالم ويقوّم الانحرافات هو الإمام المهدي المنتظر».

تونس:

أما رصد الحالة التونسية فإنه يكشف عن أمر في غاية الخطورة فعملية الاختراق الشيعي لتونس لم تنحصر فحسب في الحياة السياسية أو الثقافية، مع أهمية ذلك، لكنها امتدت إلى ما يعد كارثة أمنية تنذر إن صدقت أقوال شهودها بأن البلاد يمكن أن تدخل أتون صراع عسكري في أية لحظة.

ففي تصريحات صحفية قال عادل العلمي رئيس جمعية الوسطية للإصلاح والتنمية إنه وأعضاء جمعيته قد اخترقوا جمعية تونسية شيعية متواجدة في ولاية قابس على أساس الانتماء إليها وسافروا معها إلى دولة إيران فاكتشفوا أن أبرز نشاطاتهم تتمثل في التدرب على استعمال السلاح فقاموا بتوثيق هذه العمليات.

وأكد العلمي تصريحاته قائلا: إن الجمعيات والأحزاب التي تنتسب إلى الشيعة كثيرة في تونس وتقوم بتظاهرات ورحلات إلى دول أجنبية للتدرب على استعمال السلاح متخفية بالتراخيص الحزبية والجمعياتية.

وفي تصريحات أخرى لفت العلمي إلى أنه تقدم بمذكرة تفصيلة حول ما أشار إليه من اتهامات صريحة وموثقة لكل من وزارة الداخليّة ورئاسة الحكومة ومع ذلك فإن أحدا لم يهتم بالأمر ولم يتم التحقيق فيها وهو ما يشي بأن النفوذ الشيعي في تونس ليس بسيطا بل إنه وصل إلى حد أنه نجح في التغطية على قضية بمثل هذا الحجم والتي كانت تستدعي أن تتحرك الدولة التونسية وعلى أعلى مستوياتها للتحقيق فيها والتأكد من صحة بياناتها.

ربما ووفق الإحصائيات التي أشارت إليها الكثير من المصادر ما زال عدد المتشيعين التوانسة قليلا إلا أن النفوذ الشيعي في تونس فوق قدرات هذا العدد حتى لو افترضنا جدلا صحة ما يدعيه القيادي الشيعي التونسي الدكتور محمد التيجاني السماوي الذي يقول إن أعدادهم تقدر بمئات الآلاف فإن هذا العدد لا يحول على الإطلاق أن يتم غض الطرف عن هذه القضية.

أما فيما يخص العمل السياسي فإن شيعة تونس كغيرهم يسعون إلى التواجد السياسي وإحداث التأثير بشتى الطرق وهم لا ينكرون ذلك بل إن بعضهم لا يتردد في أن يعرب عن استيائه من أن ذلك لم يحدث بعد ومن ذلك ما عبر عنه زعيم الشيعة في تونس مبارك بعداش حيث أشار إلى أنهم يعيشون تشتتا بين مختلف ولايات الجمهورية الأمر الذي جعلهم غير موحدين ولم يتمكن تيار الشيعة من توحيد صفوفه وقراراته فيما يتعلق بمستقبله السياسي في البلاد.

ولا ينكر بعداش أيضا أن الشيعة في تونس يتحركون وكأنهم كتلة موحدة إذ أوضح أنه وصَلته منذ شهرين مطالب للتحالف مع بعض الأحزاب أو تأمين أصواتهم لحزب معين في الانتخابات القادمة الأمر الذي يعني أنهم يتحركون بشكل جماعي ما يعد تحديا صارخا للدستور والقانون الذي يرفض التمييز على أساس ديني أو مذهبي أو عرقي فيما يخص التكوينات والتنظيمات السياسية.

بل إنه وبلهجة حاسمة عقّب على ذلك مؤكدا أنهم كتيار للشيعة لن ينضموا إلى أي حزب وهمّهم الوحيد هو جمع شملهم ومن ثم سيفكرون في المشاركة في الانتخابات.

وكعادة الشيعة في العديد من البلدان في تقسيم الأدوار ففي حين يؤكد التيجاني أنه ليس للشيعة مطالب في تونس فلا هم يريدون مسجدا أو حسينية أوصحيفة يرى السيد عماد الدين الحمروني غير ذلك إذ يرى أن شيعة تونس يهمهم الشأن الوطني ويتدخلون فيه بل يشير إلى أن التونسيين المنتمين إلى مدرسة أهل البيت ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي متواجدون على الساحة الوطنية وشاركوا مشاركة فاعلة في إسقاط النظام البورقيبي.

لكن وبعد تأمل سريع لموقف الدكتور التيجاني تكشف أن الرجل يصرح بما صرح به لسببين أساسيين يتسقا مع منهج الشيعة إذ يرى التيجاني أنه ليس معقولا أن تطرح كل مطالب الشيعة الآن فالأمور وحسب قوله تجري رويداً رويداً وأنه لا يتدخل في شؤون الحكم والحكام حيث لديه مهمة أسمى من ذلك بكثير ألا وهي تقديم النصيحة وكشف الحقيقة فضلا عن أن التيجاني يعتقد – وفق ما لديه من معلومات - أنه ليس هناك أي عائق يعترض التشيع في تونس على شرط أن تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وأن يتم تجنب التعرض للنظام القائم ولا يتم التآمر عليه.

وما عبر عنه التيجاني من مبررات ربما يصدقه الواقع ذلك أنه معلوم لدى الجميع تلك العلاقة الوثيقة بين حركة النهضة التونسية وبين إيران حتى أن الحركة أيّدت وبشكل كامل الاتفاق الذي وقعته وزيرة السياحة التونسية مع الجانب الإيراني وهو الذي أبدت الكثير من الأطراف التونسية تخوفها منه على اعتبار أنه تهديد للأمن القومي التونسي.

لكن وبعيدا عن تصريحات المتشيعين أنفسهم فقد كشف العديد من المتابعين والمراقبين التونسيين عن أن إيران وفي أعقاب الثورة التونسية عام 2011 صعّدت من نشاطها لنشر التشيع وأن المركز الثّقافي الإيراني في تونس هو الجهة المسؤولة عن تمويل وتنظيم هذا المدّ حيث توجد بعض الجمعيّات والأحزاب والصّحف الشيعيّة المندسّة في المجتمع المدني على غرار الرّابطة التونسية للتّسامح وحزب الوحدة وجريدة الصّحوة.

موريتانيا:

بغض النظر عن اللغط الذي أثير مؤخرا حول انتشار التشيع في موريتانيا ورغبة في عدم الاستجابة لمحاولات التهويل أو التهوين من هذا الانتشار إلا أن الثابت الذي لا يمكن أن ننكره أن إيران بالفعل تتحرك في كل الاتجاهات حتى يكون لها موطئ قدم في كل بلد عربي ومسلم ومن ثم فإن موريتانيا ينطبق عليها ما هو جار على كل البلدان العربية والإسلامية التي اخترقتها الأيادي الفارسية الإيرانية.

وفضلا عن ذلك فإن ثمة شواهد عديدة أشارت إليها مصادر موريتانية تؤكد أنه أصبح يوجد بالفعل العديد من المكونات السياسية الموريتانية التي باتت متأثرة بدرجة كبيرة بإيران تتحرك وفق أهوائها وتدافع عن توجهاتها وذلك عبر طريقين أحدهما الاستقطاب المذهبي والذي نجح في إقناع بعض رجالات الحياة السياسية والثقافية بالتشيع، أما الآخر فعبْر الاستمالة بالمال الكثير.

ولعل ما تناقلته بعض المواقع والصحف العام الماضي حول مصادرة المملكة المغربية لنحو 100 ألف دولار قام بتحويلها القيادي الشيعي الموريتاني الشيخ بكار ولد بكار محمد على أحد بنوكها وذلك خلال زيارته لإيران يؤكد ذلك إذ كان مبرر المخابرات المغربية لسحب المبلغ هو تلقي تمويلات خارجية إرهابية من إيران.

وعلى الرغم من أن بكار لم يقدم مبررا لتلقي هذه الأموال وتحويلها على حسابه الخاص إلا أن بكار لم يعدم أن يجد من يقف بجواره ويدعمه من الأحزاب الموريتانية حيث شكل أربعة أحزاب جبهة للدفاع عن بكار ضمت السياسي الموريتاني المعروف الشبيه ماء العينين وهو نفس التحالف الذي ندد بعملية عاصفة الحزم التي قادتها المملكة العربية السعودية ضد الحوثيين في اليمن وهو الموقف التي يتوافق مع إيران وحلفائها.

ومن الشواهد أيضا تلك الزيارة التي قام بها العام الماضي أيضا الشيعي اللبناني محمد قانصو لموريتانيا والتي اعتبرها الكثير من المراقبين مؤشرا على تطور المد الشيعي بموريتانيا حيث شملت الزيارة لقاءات مع مسؤولي أحزاب سياسية صغيرة معروفة بعلاقتها بالنظام السوري مثل رئيس حزب الوحدوي الديمقراطي الذي يقوده محفوظ ولد اعزيزي فيما أشرف قانصو على تدشين مدرسة قرآنية صغيرة باسم الزعيم الروحي لشيعة غرب أفريقيا عبد المنعم الزين الأمر الذي فجر غضبا كبيرا لدى الأوساط الدينية ما دفع السلطات الأمنية لإجراء تحقيقات مع بعض مستقبلي الشيخ الشيعي.

وتطرح زيارة قانصو ولقاءاته السياسية سؤالا هاما حول أعداد الشيعة ومدى التوغل الشيعي في موريتانيا وهل هم بالفعل كما أشارت بعض المصادر الإعلامية نحو ثلاثين ألف شيعي أم أن هذا الرقم مبالغ فيه وفق ما أكدت وزارة التوجيه الإسلامي الموريتانية أو أشار إليه قانصو نفسه والذي صرح بأن عدد أتباع مذهبه بموريتانيا لا يتجاوز العشرات وأن الحديث عن وجود عشرات الآلاف من الشيعة في موريتانيا "كلام يراد منه التخويف والتهويل".

وعلى كل فإن كلا الرأيين يبدوان غير مطابقين للحقيقة غير أن ما يعنينا هو الإشارة إلى أن ما صرح به قانصو من أن المتشيعين بالعشرات هو من باب التقية للحفاظ على الشيعة هناك وعدم تحرك الدولة الموريتانية لمواجهة هذا المد ومن ثم فإن ما يمكن أن نتوقعه هو أن عمليات المد قائمة بلا توقف وإلا فما الدافع الحقيقي وراء زيارة قانصو لموريتانيا؟

وختاما فإن الحديث عن حق الشيعة في التواجد السياسي ربما يروق للبعض في إطار فهم مغلوط لمعنى الحرية لكننا ولو افترضنا جدلا الاتفاق مع أمثال هؤلاء على ما ينادون به فإننا نرى أنه من حقنا أن نطرح تساؤلين في غاية الأهمية:

الأول: ألا يعد إصرار المتشيعين على العمل المشترك من خلال تنظيم واحد ووفق رؤية موحدة تمييزا يستهدف إحداث تجمع لأصحاب مذهب بعينه وهو ما يتعارض مع القوانين والدساتير التي تسمح لأي مواطن بشكل بديهي أن ينخرط في الحياة السياسية؟

أما الآخر: فيتعلق بحقيقة ولاء هؤلاء المتشيعين وهل يكون لبلادهم أم سيكون لإيران التي تتحدث عن عودة الإمام الغائب وتقود أتباعه؟

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق