إيران: واستراتيجية الأحلاف المؤقتة مع العلمانيين واليساريين والقوميين
الثلاثاء 9 فبراير 2016

 

 طلعت رميح – كاتب مصري

 

خاص بالراصد

أخذت تجربة الشعوب العربية مداها مع السياسة الخارجية والدور الإيراني، وبات طبيعيا أن يجري الوصول إلى خلاصات بعد أن جرى اختبار تلك السياسة وهذا الدور الإيراني في دول كثيرة من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن والبحرين، خاصة وقد جرى هذا الاختبار عبر أعمال قتل وتهجير وحروب أهلية دموية كانت إيران هي الفاعل الرئيسي فيها.

لقد اختبرت إيران في العراق عبر سنوات طويلة من الحرب بين دولتين ومن بعد تعمق هذا الاختبار خلال مشاركة إيران في أعمال غزو واحتلال العراق وهو اختبار تواصل عبر تشكيل إيران ميلشيات طائفية قتلت وشردت ودمرت وما تزال تفعل، وانتقل الاختبار إلى سوريا فوقفت إيران وميلشياتها في صف نظام قاتِل وتولت هي قيادة أعمال القتل والتهجير وقادت المذابح وحروب التجويع، وهكذا تواصلت تجارب الدول العربية وامتدت وما تزال حالة الاعتداء الإيراني بكافة جوانبها متواصلة بل هي في تصاعد شرس.

وخلاصة تلك التجارب أن جمهور المسلمين بات موقناً أن إيران وقفت ضد حرية الشعوب المضطهدة وهي تعادي ثورات الشعوب نحو الحرية والكرامة بالقتال والحرب وليس بالدعاية والسياسة فقط.

وظهر لجمهور المسلمين أن إيران لا تعادي الولايات المتحدة ولا الكيان الصهيوني، وأن كل دعاياتها بخصوص هذا العداء، لم تكن إلا غطاء لتوافقات وتقاطع مصالح مع هؤلاء الغزاة المستعمرين، بل جددت إيران تعاونا وتحالفا مع روسيا خلال ممارسة نزعتها الاستعمارية بشراسة غير مسبوقة ضد شعوب ودول المنطقة.

وفي أفضل الأحوال كانت علاقة إيران مع المستعمرين هي علاقة خلاف على اقتسام الغنائم وضغوط ومناورات ومناوشات، هدفها الوصول إلى مساومات تحقق مصالح أفضل لإيران على حساب جيرانها الآخرين في المنطقة.

وظهر لجمهور المسلمين في منطقتنا والعالم أن إيران لا تعمل إلا لأجل إنفاذ مشروعها المعادي للمسلمين، وهو مبني على أسس استعمارية استيطانية، ولذلك أقامت العديد من التحالفات مع القوى والتيارات اليسارية والعلمانية والقومية في المنطقة! كما أقامت تحالفات خارجية مع القوى اليسارية والقومية في العالم بحجة مواجهة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.

انتهى الأمر فى المنطقة إلى الوضوح واليقين لدى الجمهور العام من المسلمين والعرب بكذب إيران، وقريباً سيدرك العالم أجمع هذه القناعة وتصل رسالة الوعي المكتسبة بتجارب الدم والقتل والتشريد في المنطقة إلى مختلف مناطق العالم التى لا تزال في وضعية الخديعة التي عاشها العرب والمسلمون من قبل وتخلصوا من آثارها اليوم؟

ثلاث شعارات .. والهدف الخداعي واحد

توجه الخميني بخطابه لخارج إيران بثلاثة شعارات يمكن القول بأنها كانت مكوناً رئيسياً في استراتيجية وصوله للحكم، وأنها كانت الدافع الرئيس للمساندة الواسعة التي حظي بها الخميني بعد نجاح الثورة ووصوله للحكم.

الشعار الأول: أنه يريد دولة تنصر وتدعم الشيعة، وعمل ذلك على تغيير أفكار شيعة في العالم وربطهم بإيران واستراتيجياتها.

والشعار الثاني: أنه يريد دولة تدعم ثورات الشعوب وتقف مع المستضعفين منهم، وتحت هذا الشعار سعت إيران لتشكيل جبهات واسعة تعضد وتقوي الجماعات التابعة لها في داخل الدول الأخرى.

ولذلك جرى الترويج الواسع لإيران كنصير للقوى السياسية والفئات السكانية المهمشة في المجتمعات الأخرى عربياً وإسلامياً، كما قدمت نفسها محورا للتحالفات مع القوى الرافضة لحكومات دولها، ومن ذلك أبرزت نفسها كدولة حليفة لقوى اليسار العالمي.

والشعار الثالث: أنه يريد دولة معادية للغرب وللكيان الصهيوني ولوضعية الاستعمار أينما كانت، وظهرت بهذا كمحور للتحالف مع القوى القومية والوطنية واليسارية ومع كل مَن كان معادياً للولايات المتحدة والكيان الصهيوني.

كانت تلك هي الشعارات الرئيسية التى توجهت بها إيران في دعاياتها ونشاطها العلني الموجه للخارج عبر أدوات الإعلام والديبلوماسية، وكان الهدف الاستراتيجي لتلك الشعارات هدف واحد هو: خلخلة الحكومات والمجتمعات في الدول المعادية لها، وتوسيع رقعة أنصارها من الدول والقوى الشعبية.

وبلغة أخرى لقد صممت تلك الشعارات لتتناسب مع طبيعة القوى السياسية داخل الدول الأخرى ولتتناسب مع وضعية الصراع الدولي وأهم ملامحه الظاهرة الاستعمارية، من جهة أخرى.

غير أن الأحداث كشفت مدى الخداع الإيراني، فقد كشفت تجارب الشعوب الثائرة في العراق وسوريا واليمن وغيرها، أن إيران هي من تقف ضد إرادة الشعوب وضد حراكها السلمي، وأنها في وضعية تحالف مع كل القوى الاستعمارية.

وانكشفت الدعايات الإيرانية حول العداء مع الغرب والشيطان الأكبر والكيان الصهيوني، وتطور الأمر إلى حد الفضائح السياسية، إذ باتت إيران عارية من غطائها الثاني، بل بات مكشوفاً أنها في تحالف تام وحقيقي مع الغرب وأنها خَدعت الشعوب والقوى السياسية والتيارات الفكرية حين ادعت عداءها للغرب، فيما كانت تلعب اللعبة الخفية.

باتت قطاعات واسعة من الجمهور العام في وضعية الفهم والإدراك بأن إيران الخميني لم تكن إلا بداية إطلاق مشروع تفكيك الدول الأخرى، واحتلالها واحدة تلو الأخرى، وسأل الكثيرون أنفسهم عن تلك الدولة التي تدعي العداء مع الغرب والدفاع عن استقلال الدول، فيما هي تمارس الاحتلال وتخوض ميلشياتها وقواتها غزوا واحتلالا للدول الأضعف تحت غطاء أسلحة الجو الأمريكية والروسية والأوروبية، ضمن عملية استراتيجية يجري خلالها التنسيق العسكري مع الكيان الصهيوني!

لقد اكتشف جمهور الناس لعبة إيران، لا على صعيد المقارنة وإدراك التناقض بين ما يجري الترويج له وما يجري على أرض الواقع، بل أيضا عبر إدراك أن إيران باتت المحور الذي تحتشد حوله وحول دوره وقواته وميلشياته القوى الاستعمارية، لتنفذ هي أخطر الجوانب الاستراتيجية في المشروعين الغربي والصهيوني: تفكيك واحتلال الدول الأخرى.

لكن بقيت التيارات العلمانية والقومية واليسارية الفكرية والسياسية منها في العالم العربي والإسلامي على وضعية التحالف مع إيران وميلشياتها في حروبها الطائفية ووحشيتها البشعة، بل أصبح دورها الدفاع والتبرير لهذه الطائفية والجرائم!!

لقد نجحت إيران في عقد تحالفات وثيقة مع قوى يسارية وقومية وليبرالية برغم العمائم التي على رأسها وبرغم تشددها الشمولي ودعمها سيطرة الجماعات الميلشياوية على الحكم بقوة السلاح، وبرغم أنها لا تؤمن بالدولة المدنية، بل وبرغم أنها قضت على الحزب الشيوعي الإيراني (حزب توده) الذي نافس الملالي على السلطة، وبرغم أنها هي من شن حرباً على القومية العربية وعلى الدول التي رفعت شعارات قومية، مما يكشف عن انتهازية هذه القوى العلمانية واليسارية والقومية ومدى كرهها لدين الأمة وتاريخها.

وأيضاً بقيت حكومات بعض دول أمريكا اللاتينية على تحالفاتها مع إيران، حيث نجحت إيران في نسج تحالفات مع الحكومات اليسارية في أمريكا اللاتينية عبر تقديم نفسها كدولة معادية للولايات المتحدة الضاغطة بالعداء والمؤامرات على تلك الدول.

ويبقى التساؤل: هل يمكن لرسالة الوعي بالكذب والخداع الإيراني أن توقظ هذه التيارات العلمانية واليسارية والقومية في عالمنا العربي والإسلامي أو لدى حكومات اليسار اللاتينية؟ أم أن التحالف بينهم استراتيجي لا تؤثر فيه هذه القضايا بل هي تؤمن بها وتدعمها؟

التشيع والعلمانية: تجربة العراق

تبدو تجربة العراق كاشفة لكذب وخداع إيران والشيعة في مختلف المجالات، فالعامل الأول والأشد بروزا في تجربة التحالفات كان تحالف إيران "الشيعية" (= المذهبية أو الطائفية أو الفارسية أو الصفوية) مع الولايات المتحدة "الديموقراطية" و"العلمانية" في غزو واحتلال العراق، وكيف تعايش نمطان من أنماط الاحتلال بين دولتين إحداهما "دينية شيعية" وبالتالي لا تطرح مشروعا علمانياً أو ديموقراطياً للعراق، مع دولة ادعت أنها قدِمت لتعميم الديموقراطية ووعدت بأن تطبق تجربة كوريا واليابان في العراق!

وإذ صار مفهوما ومعلوماً للجميع أن الولايات المتحدة ببراجماتيتها وخططها الاستعمارية قد وظفت إيران لتحطيم وتخريب العراق ولدعم عوامل التفكيك والتقسيم والحرب الأهلية فيه، فقد صار مفهوما أيضاً أن إيران زيفت الشعارات حول مظلومية شيعة العراق لتحقق مصالحها الاستعمارية فيه، إذ جرى الحديث من بعد حول العراق –بغداد- كتابعة للإمبراطورية الإيرانية الشيعية.

وهنا يبقى السؤال الصامد: كيف جرى تكييف المواقف الإيرانية ليحدث هذا الجمع بين شعارات العداء وهتافات الموت لأمريكا الشيطان الأكبر، وذاك التعاون السياسي والعسكري والاستخباري والشامل معها على أرض العراق وفق صيغة الاحتلال المشترك؟

هنا يمكن القول بأن براجماتية الولايات المتحدة التقت مع التقية الإيرانية، والتي تسمح لها بالتحالف مع الشيطان لتحقيق مصالحها الشيعية العليا بتمكين حكم الولي الفقيه في مقدمة لظهور المهدي الغائب!

وأن إيران كدولة استعمارية "من الحجم المتوسط" أدركت أنها لا تستطيع وحدها القيام باحتلال والسيطرة على بلد أهله ذوو بأس مثل العراق، فرأت في التدخل الأمريكي العسكري سبيلا لتحقق غايتها التي عجزت عن تحقيقها عبر حرب الثماني سنوات.

لقد كانت انتهازية ملالي إيران في التحالف مع الشيطان الأكبر علناً حدثاً ضخماً عبّر عنه الكاتب الأمريكي الشهير توماس فريدمان بقوله: "هذا التحالف هو أهم ما جرى في القرن الواحد والعشرين".

لبنان: التحالف مع الأقليات ضد المسلمين

جرت تجربة ميلشيا نصر الله في لبنان وفق أعقد الاستراتيجيات الخداعية، إذ انتهت قصة الممانعة والمقاومة وبات الفعل والموقف والرؤية الطائفية والعمالة لإيران تحت أقدام ثوار سوريا، الذين كان لهم الفضل فى كشف وإنهاء كل ألاعيب تلك الميلشيا، فقد ظل السؤال الحائر هو: كيف بنت شبكة التحالفات التي نسجتها تلك الميلشيا في لبنان وشكلت لها سياجاً واقياً من الانكشاف، كما شكلت لها إطار حماية عبر جذب الرأي العام؟

وواقع الحال أن الأمور كان فيها جوانب واضحة منذ البداية لمن كان يقيّم هذه المليشيا بعقيدتها وأفكارها وتبعيتها للولي الفقيه الإيراني.

إلا أن الدعاية المكثفة التي كانت تردد أكاذيب المقاومة والممانعة كان لها دور كبير في التغطية على أهداف وجوهر مشروع الحزب، كما يمكن القول بأن الموقف من الوجود الفلسطيني المسلح واللاجئين كان مؤشرا آخر كاشفا على عمق الفكر والمشروع الطائفي لتلك الميلشيا، إذ جاء ميلاد تلك الميلشيا في أواخر الحرب الأهلية اللبنانية على أساس العداء والقتال للوجود المسلح وعلى أساس فكرة العداء للوجود الفلسطيني اللاجىء تحت عنوان عدم السماح بانقلاب ديموغرافي لمصلحة السنة –وهو ما ظهر طوال الوقت وكان آخرها حشد كل القوى الطائفية خلال تدمير مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين- غير أن ديماجوجية الحديث عن المقاومة وعن التعاون مع بعض حركات المقاومة الفلسطينية هو ما تغطى به الحزب لإخفاء جرائمه الطائفية التي خدعت السذج والأغبياء.

وقد اعتمدت ميلشيا نصر الله فى استراتيجيتها في لبنان على فكرة حشد وتعبئة كل القوى الاجتماعية اللبنانية وكل القوى السياسية لمواجهة السنة، وساعد الحزب على ذلك أن الحركة الأكبر سيطرة في تمثيل السنة لم تكن سوى حركة علمانية ولم تمتلك استراتيجية لحشد القوى الأخرى، ولم تمتلك مشروعا سياسيا واضحا ولم يكن لها استراتيجية محددة.

1-التحالف مع القوميين والناصريين:

لقد كان لشعارات العداء للكيان الصهيوني ولطرح دعاية المقاومة دورها في تشكيل جسر للحزب والتحالف مع القوميين والناصريين، ويمكن القول بأن الارتباط بالنظام السوري الذى طرح شعارات بعثيه وقومية كان له دوره في ترتيب تلك التحالفات –حليف حليفي حليفي- وفي الحفاظ عليها لفترة طويلة.

وتبدو أهمية هذا التحالف باعتباره تحالفا عابرا للبنان، إذ كان للتحالف الذي أقامته تلك الميلشيا في داخل لبنان دوره في عبور تلك المليشيا إلى بقية أنحاء العالم العربي، وقد استثمرت إيران ونصر الله حالة انحسار قوة وجماهيرية الحركات القومية أفضل استثمار.

ويمكن القول بأن امتلاك نصر الله أدوات ومفاتيح الدعم المالي الإيراني كان له دوره الفعال، إذ أولت إيران أهمية كبرى لمثل تلك التحالفات إلى درجة تأسيس قناة الميادين الفضائية بإمكانيات هائلة للعمل على رفع هذا التيار ولدعم جماهيريته الممهورة بتوقيع إيران ونصر الله.

2-التحالف مع الشيوعيين:

وقد تحالفت ميلشيا نصر الله مع قطاع كبير من الشيوعيين في لبنان، ومن رفض أو تحرك ضد تلك الميلشيا أو خارج سياقات النشاط والوجود السوري جرى قتله –كما هو حال جورج حاوي رئيس الحزب الشيوعى اللبناني المغدور بعد تحركه رفضا للوجود السوري في لبنان- ولم يخرج هذا التحالف عن فكرة حشد القوى والتغطي بها لإخفاء المشروع الطائفي الاستعماري لإيران، ويمكن القول بأن تأثير التجربة السورية وخبراتها كان واضحاً في هذا التوجه، في تكرار ما قام به حافظ الاسد من تدجين الشيوعيين والقوميين وإدخالهم حظيرة الحكم عبر ما سمي بالجبهة الوطنية التى شكلت غطاء للبعث الذي كان بدوره غطاء للحكم الطائفي العلوى.

ويمكن القول بأن التحالف الروسي الإيراني انعكس بدوره على حالة من ظل على ارتباطه بموسكو بعد انهيار تجربتها السوفيتية، وذلك أمر شائع في تلك الأوساط، التي حافظت على علاقتها بالحزب الشيوعي السوفيتي القائم حاليا.

3- التحالف مع الليبراليين:

غير أن ما كان لافتا أكثر هو تمكن ميلشيا نصر الله من حشد جانب من الليبراليين في لبنان إلى صف مواقفها، وإذا كان حل اللغز يتعلق بفكرة التحالف مع الأقليات -أو حلف الأقليات في المنطقة لمواجهة السنة الذي هو جوهر المشروعين الأمريكي والإيراني ومن قبلهما روسيا– فقد انكشفت اللعبة حين انقسم المسيحيون اللبنانيون حول قيام مثل هذا التحالف، وحين ظهرت الخلفيات الحقيقية لعقد مثل تلك التحالفات.  

4-التحالف-الاختراق للمسلمين (السنة):

مارس نصر الله لعبة اختراق السنة بأدوات وآليات ماهرة، وكان لغياب المشروع السني دور هام في عدم تشكل حالة مواجهة متكافئة، فقد لاحظ المتابعون أن ميلشيا نصر الله قد عملت بجدية بالغة ونجحت فى اجتذاب عناصر سنية إلى صف مواقفها، بل سعت لتشكيل تيارات ومجموعات في داخل السنة، وهو ما لم يقتصر على بعض الدعاة والعلماء أو الساسة، بل تمدد بدوره عبر تشكيل ما سمى بسرايا المقاومة التي سعى من خلالها “حزب الله” لتوسيع نفوذه العسكري ليصبح متمددا في داخل الطوائف الأخرى، ليضمن استمرار سيطرته العسكرية بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان.

لقد بدأ الحزب تلك التجربة بهدف شكلي في البداية إذ أراد إظهار أنه ليس وحده من يقاوم في جنوب لبنان، لكن الأمر تطور مع كشف الوجه الحقيقي للحزب وتحوله للوجه الطائفي السافر، حيث صارت سرايا المقاومة حالة ميلشياوية اختراقيه للطائفة السنية بشكل خاص.

التحالف مع حكومات أمريكا الجنوبية

رفعت إيران شعارات الاستقلال والوقوف في صف المستضعفين والعداء مع الولايات المتحدة وعلى خلفية هذا الشعار قدمت نفسها كحليف للقوى التي تعيش تحت وطأة الضغط الاستعماري الأمريكي في أمريكا اللاتينية بعد وصول اليسار للسلطة في كثير من بلدانها.

وقد حمل التحالف مع حكومات اليسار في أمريكا اللاتينية أبعادا تتعلق بالتنسيق في مجالات إنتاج النفط، وللاستفادة من تلك العلاقات لفك عزلة إيران في إقليمها، غير أن جانباً مهماً من هذا التحالف قد جرى تحت بند السعي الإيراني لبناء امبراطورية ممتدة.

وإذ يتصور البعض أن جوهر فكرة الامبراطورية الإيرانية الشيعية يتعلق بالإقليم العربي، فالعكس هو الصحيح، إذ الرؤية الإيرانية لمشروعها هي رؤية عالمية، تسير بنشاط نحو تشييع كل مسلم في كل مكان، وهي ترمى "لوراثة" كل ما أنجزه الإسلام، ومن هنا تأتي أهمية الخطط الساعية لتوسيع العلاقات مع كل القوى الدولية وإيجاد مساحة واسعة لها في العلاقات الدولية.

وقد استثمرت إيران بقوة غياب الدول السنية عن هذه المناطق من العالم من جهة، كما واصلت استثمار دعم القضية الفلسطينية على الصعيد العالمي –تعد دول أمريكا اللاتينية داعمة للقضية الفلسطينية- بنفس الطريقة التي استثمرت فيها القضية الفلسطينية في العالم الإسلامي، وبذلك ترسخ نفوذ إيران فيها.

أوان نهاية تلك التحالفات:

مطلوب اليوم أن تَبذل الدول والحركات والشعوب العربية جهودا ضخمة لتبعث برسالة إلى مختلف مناطق العالم تكشف فيها حقيقة الكذب والخداع الإيراني بنصرة المستضعفين ودعم قضية فلسطين، وهي الشعارات التي دغدغت بها عواطف الملايين من الناس.

حيث استغلت إيران الغفلة التي كانت وافرة في منطقتنا والعجز عن إدراك مراميها وأهدافها وكان ذلك هو العامل الأساس في تطور المشروع الإيراني في منطقتنا، فقد كانت تلك الغفلة في منطقتنا ذاتها هي ما وفرت لإيران فرص خداع الآخرين في مناطق العالم المختلفة.

وإذ جرت إفاقة في منطقتنا فقد صار مطلوبا أن يجري التحرك لإيضاح الصورة الحقيقية لإيران لدى الآخرين في المنطقة وفي المناطق الأخرى التي وصل إليها النشاط الإيراني.

وواقع الحال أن مقاومة إيران ما تزال منصبة على الإسلاميين والمسلمين، وهو وإن كان أمرا ضرورياً وأساسياً –لا شك في ذلك – إلا أنه بات واجباً أن يتحول ليصبح خططا واعية وذكية تصل إلى الآخرين الذين ما زالوا يعيشون تحت وطأة الخداع، سواء من القوميين أو الناصريين أو العلمانيين في المنطقه العربية أو هناك في الدول الخارجية التي وقعت تحت تأثير الشعارات الإيرانية، خاصة شعارات المقاومة والممانعة أو دعم القضية الفلسطينية.

وفي ذلك ينبغي عدم الاكتفاء بالإعلام، وأن يجري البحث عن وسائل تواصل، ومن أهمها مواجهة سيطرة نصر الله وإيران على المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الإسلامي الذى يضم نخبا لا شك أن لها تأثيرا في هذا المجال.

صار مطلوباً أن تفتح الأبواب المغلقة أمام مثل تلك المؤتمرات ليجري عزل النفوذ والدور الإيراني المستند إلى عدم وجود تواصل بين تلك النخب والدول العربية المعادية لإيران، وكذلك أن تجري أعمال تواصل مباشرة مع مختلف التيارات التي ما تزال على وضعية الارتباط بإيران وميلشياتها، وممارسة الضغوط الإعلامية والجماهيرية عليها.

لقد صار مطلوباً التحرك باتجاه مجتمعات الدول الإسلامية في أفريقيا وآسيا لكشف زيف الشعارات الإيرانية خاصة شعارات الثورة ودعم المستضعفين.

وصار مطلوبا التحرك نحو دول أمريكا اللاتينية لإيضاح خداعية شعارات إيران حول المقاومة الفلسطينية وحول الصراع مع أمريكا.

صحيح أن الدول لا تتحرك إلا وفق مصالحها، غير أن التعامل يجب أن يجري مع الحركات الفكرية والتنظيمات السياسية –لا الحكومات- لكشف أبعاد ما قامت به إيران ضد كل القوى اليسارية بما ذلك تلك الموجوده في إيران، من قتل وسجن وتشريد وتعذيب.  

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق