السلاح الإيراني في إفريقيا ... الواقع وسيناريوهات التصدي
الخميس 7 يناير 2016

 

 محمد خليفة صديق – كاتب سوداني

 

خاص بالراصد

مقدمة:

توجه إيران نحو إفريقيا كان إحدى محاولاتها لفك الحصار العالمي عليها، وكانت إفريقيا الفضاء الأنسب لذلك، باعتبارها ساحة الصراع الثانية عالميًّا والمورد الطبيعي الأكبر للعالم، والعلاقات الإيرانية الإفريقية تعد من العلاقات التى شهدت توسعاً كبيراً خاصة خلال العقدين الماضيين.

ويلاحِظ المتأمل وجود رؤية واضحة حول أولوية أفريقيا في أجندة السياسة الخارجية الإيرانية؛ فعلى سبيل المثال تمتلك إيران سفارات في أكثر من 30 دولة إفريقية، وفي منتصف 2010 عقدت القمة الأفريقية الإيرانية في طهران بمشاركة ممثلين عن 40 دولة أفريقية بينهم رؤساء ووزراء ودبلوماسيون ورجال أعمال، وتتمتع إيران بصفة العضو المراقب في الاتحاد الأفريقي، وتحرص القيادة الإيرانية على مستوى الرئاسة وكبار المسؤولين على زيارة العواصم الإفريقية بشكل دوري، ولعل من أكبر تلك الزيارات زيارة الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد إلى كل من غانا وبنين والنيجر في 2013م، وبما أن نجاد هو أول رئيس إيراني يتجه لأفريقيا بهذا الشكل قبل أن يترك منصبه، فإن من أهم ما ساعده على توثيق العلاقات وتطويرها واستقباله بحفاوة في كل دولة زارها هو رئاسة إيران لحركة عدم الانحياز، الحركة التي تأسست فعليًّا في عام 1955، وتضم الآن 118 دولة عضوة و18 دولة كمراقب و10 منظمات، وجميع دول أفريقيا عضوة فيها باستثناء جنوب السودان المنفصلة حديثاً والتي لم تنضم للحركة حتى الآن.

ويبدو تطور العلاقات الإيرانية الأفريقية جليًا في ما مضي من سنوات، وهي مرشحة للزيادة، وعلى مستوى التمثيل الدبلوماسي يتوقع أن تعيد المغرب علاقتها الدبلوماسية قريبًا مع طهران في تطور جديد، وتعيد إيران فتح سفارتها في الرباط بعد القطيعة الشهيرة بينهما في 2009م حينما اتهم المغربُ إيران بأنها كانت تستغل سفارتها في المغرب من أجل القيام بأنشطة تشييع في المغرب ومالي، والسنغال، وكانت تخطط لتوسيع رقعة النفوذ الشيعي في غرب إفريقيا جنوب الصحراء، وجعل المغرب منطلقا لهذا الهدف، مما دعا المغرب لشن حملة ضد الشيعة للحفاظ على الأمن الروحي للمغاربة.

والنظرة الفاحصة تؤكد أن هناك أبعادا ودلالات أخرى كثيرة وراء هذا التدافع الإيراني الكبير نحو أفريقيا، ورغم أن قراءة الملف الإيراني الأفريقي تعكس تبانيا واضحا في الرؤى والتوجهات، فهناك من يرى أن حدود العلاقة تتوقف عند غاية التبشير ونشر المذهب الشيعي، وهذا وإن كان فيه قدر كبير من الصحة والأولوية إلا أن هناك غايات إيرانية أخرى مكملة يجب أن توضع في الحسبان منها الغاية الاقتصادية والأمنية والعسكرية لإيران في إفريقيا، وسيركز هذا المقال على النشاط العسكري الإيراني سيما نشاط تهريب وتصنيع السلاح في إفريقيا، والتورط الإيراني في صناعة الإرهاب في بلدان إفريقيا.

ماذا تريد إيران من إفريقيا:

بمتابعة النشاط المحموم لإيران في إفريقيا، يلمح الناظر المتفحص أن إيران تريد بنشاطها في أفريقيا أن تبلغ عدة أمور، يمكن تلخيصها في التالي:

أولاً: نشر المذهب الشيعي وتكوين مليشيات عسكرية تابعة لها

استراتيجية إيران في أفريقيا ليست سياسية فقط، بل سعت لتوظيف تأثيرها السياسي من أجل تطويره ليأخذ طابعا دينيا مذهبيا، وهو ما يدخل في إطار نشر المذهب الشيعي بين الجماعات المسلمة في أفريقيا، ولعل أبرز مثال في هذا السياق هو تجربة الحركة الإسلامية في نيجيريا أو "إخوان نيجيريا" بزعامة الشيخ إبراهيم الزكزاكي الذي قام بزيارة مدينة قم الإيرانية منذ بداية جمهورية الخميني وتلقى تمويلا إيرانيا ليحوّل جماعته بعد ذلك إلى جماعة ثورية تحارب الحكومة العلمانية وتسعى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية وفقا للنموذج الإيراني.

وتنتشر جماعة الزكزاكي في ولايات الشمال ولا سيما في كانو وكادونا وخاصة مدينة زاريا التي فيها مقر زكزاكي الذي تم تدميره من قبل الجيش النيجيري بسبب عدوان أتباع زكزاكي على قائد الجيش ومحاولة اغتياله، وتعتمد هذه الجماعة في تجنيد أعضائها على خريجي بعض جامعات الشمال النيجيري المسلم مثل جامعة أحمدو بيلو وعثمان دان فوديو، وهذه الاستراتيجية الإيرانية ترمي إلى تكوين تنظيم/مليشيا محلية موالية لها ذات بعد ديني وسياسي وعسكري.

واستراتيجية نشر المذهب الشيعي لم تطبق فقط في نيجيريا وإنما شملت دولا أخرى مثل السنغال التي شهدت بناء حوزة علمية بجوار جامعة العاصمة داكار، وهي تمنح الطالب شهادة تعادل الثانوية، كما أن هناك المركز الثقافي الإيراني في مالي. ومن الملاحظ أن الجاليات الشيعية اللبنانية تسهم بدور كبير في نشر التشيع بين الأفارقة، كما هو الحال بالنسبة لساحل العاج وغيرها، وسيتم محاولة تكوين تنظيم/مليشيا منها إذا نضجت الظروف الموضوعية لذلك.

ثانياً: اليورانيوم

مشكلة إيران الكبرى التي تتعارض مع طموحها لتكون دولة عظمى أنها دولة فقيرة باليورانيوم، ومخزونها –القديم- على وشك النفاد في الأعوام القادمة (مخزونها حصلت عليه من كيب تاون في 1970)، والولايات المتحدة تضيق الخناق على مصدّري اليورانيوم الأساسيين لطهران (أوزباكستان/ كازخستان/ البرازيل)، ومع برنامج طموح يستهدف بناء ستة عشر مفاعلًا نوويًّا في السنوات التالية سوى السلاح النووي، لذلك تمثل أفريقيا لها كنزًا حقيقيًّا كقارة ترقد على جزء ضخم من الاحتياطي العالمي، حيث احتياطاته عالية جدًا في جنوب أفريقيا والنيجر ومالاوي وناميبيا وزيمبابوي وأوغندا، وهي الدول التي تتجه إليها إيران وتضعها على أولوية سياساتها الخارجية.

في 2006، كشفت إحدى وثائق ويكيليكس المسربة أن الولايات المتحدة تلقت تقريرًا استخباراتيًّا من سفارتها في دار السلام (عاصمة تنزانيا السابقة) أن يورانيوم الكونغو ربما يمر من تنزانيا عن طريق شركتين سويسريتين للشحن ثم يصل إلى إيران، يفسر هذا بعدها الاهتمام الأمريكي الشديد بتوقيع اتفاقية مع الكونغو الديموقراطية تهدف لمنع الاتجار في المواد النووية بهدف قطع الطريق على طهران.

في 2007، تم اكتشاف اليورانيوم في غينيا علي يد الشركة الأسترالية (مورتشيسن يونايتد) وبطبقات سمكها من سبعة أمتار إلى أربعة عشر مترًا وهو سمكٌ ضخم، مما أدى إلى تحولها من دولة هامشية لمحط أنظار الدول النووية، حينها بدأت إيران مباشرة في برنامج للتعاون الاقتصادي مع غينيا، وفي نفس العام زار أحمدي نجاد هراري (عاصمة زيمبابوي) ليعقد اتفاقًا مع روبرت موجابي بموجبه توفر زيمبابوي تموينا لطهران من اليورانيوم الخام تقدر كميته بـ 455 ألف طن على مدار خمس سنوات، في صفقة كانت في حينها تحديًا سافرًا وضربة لجهود الأمم المتحدة في عرقلة البرنامج النووي الإيراني.

ويعطي تطور العلاقات الإيرانية مع غينيا في غرب أفريقيا مؤشرا واضحا حول أهمية متغير اليورانيوم في السياسة الخارجية الإيرانية. فمنذ اكتشاف اليورانيوم في غينيا عام 2007 توطدت علاقات طهران بها، حتى إن التبادل التجاري بين البلدين في العام 2010 قد زاد بنسبة 140%.

ثالثاً: اقتصاد موازٍ وقوة ناعمة

تشير بعض الإحصائيات إلى أن العلاقات التجارية المتبادلة بين إيران وإفريقيا وصلت لأكثر من مليار دولار، الرقم الذي قد لا يبدو ضخمًا هو بشكل ما باب مهم من أبواب الدخول الإيراني لتحقيق أهداف أخرى قد لا تتحقق إلا عن طريق الاستثمار والشراكة التجارية، حيث اتجهت إيران لتعاون مفتوح يضمن ترابطًا اقتصاديًّا في القارة بأكثر مما تفعل الولايات المتحدة وغيرها من الدول الكبرى.

أما جنوب أفريقيا فيكفي ذكر التعاون الوثيق بين إيران وبين عملاق الاتصالات هناك (MTN) حيث تسيطر المجموعة الجنوب أفريقية الآن على 45% من سوق الاتصالات في الجمهورية الإسلامية بعد أن أعطتها طهران ترخيص العمل، كما أن إيران تُولي اهتمامًا خاصًا للصومال، حيث من جهة تدعم بشكل غير مباشر حركة الشباب (فرع تنظيم القاعدة هناك) بالسلاح وبغيره، وهو ما يبدو غريبًا لكنه حاجز جيد لمواجهة النفوذ الأمريكي هناك، فضلًا عن أنها لم تنس الحكومة فتعهدت ببناء مرفق طبي إيراني يماثل تطور العيادة الإيرانية الشاملة في أكرا (غانا)، وهو أيضًا يعتبر تحديًا للنفوذ التركي المتنامي في مقديشو.

رابعاً: قــوة بحريــة وتســليحية

إحدى أقوى مميزات إيران هي حدودها البحرية، فمن الشمال يحدّها بحر قزوين أهم منطقة نفطية مستقبلية على سطح الأرض لما يحتويه تحت قاعه من احتياطات نفطية وغاز طبيعي هائلة، ومن الجنوب الغربي نجد الخليج العربي، وهو يضمن وصولا سريعا ومضمونا لسواحل دول الخليج العربي بالكامل، من الجنوب الشرقي الخليج العماني ثم بحر العرب مما يعطي وصولًا لـ (عمان/ اليمن/ الصومال) وخليج عدن لنصل إلى البحر الأحمر، أو المحيط الهندي بطول ساحل أفريقيا الشرقي أو جزء من الجنوب الغربي الآسيوي، وتتمدد البحرية الإيرانية في أفريقيا بانتظام، منذ أن بدأت تشارك في بعثات مكافحة القراصنة في خليج عدن وترسو على سواحل الصومال، فضلًا عن العلاقات الحميمة مع إريتريا التي تدعم تنظيم القاعدة في الصومال (حركة الشباب).

وفي 2011، عبرت سفينتان حربيتان إيرانيتان قناة السويس وهو الحدث الذي أثار الداخل المصري بعد الثورة، حيث يعتقد أن السفينتين كانتا تحملان أسلحة لصالح النظام السوري ضمن دعم طهران له، وبعدها بأيام قليلة وصلت بوارج حربية إيرانية إلى ميناء بورسودان، وكان ذلك قبل تدهور علاقات السودان وإيران وإغلاق المراكز الإيرانية بالسودان.

التسليح في الاستراتيجية الإيرانية:

الإستراتيجية الإيرانية تتورط في تصدير الأسلحة لمناطق الصراعات الأفريقية بغية تحقيق مصالح سياسية وإستراتيجية. ولا تقتصر الحركة الإيرانية على ما هو سياسي واقتصادي وعسكري فقط في أفريقيا، ولكنها تقوم على رافعة مذهبية وثقافية كي تستطيع من خلالها تثبيت الأقدام بعد كسب نفوس وقلوب الأفارقة، وهذا هو بيت القصيد في الاختراق الإيراني الجديد لأفريقيا الذي يرتدي عباءة المصالح المتبادلة والوقوف في مواجهة قوى الإمبريالية والاستكبار العالمي.

فقد وجدت إيران في المشاكل والاضطرابات التي تعيشها دول القارة منفذا للتغلغل متبعة في ذلك نفس سلوكيات القوى الأخرى التي يفترض أن أفريقيا تعاني من سياساتها وستتحالف إيران مع الأفارقة ضدها. إذ لم تكتفِ إيران بالعلاقات الرسمية مع الحكومات الإفريقية رغم كل المزايا الممنوحة لها من قبلها، وإنما لجأت إلى نفس الأساليب والطرق التي تستعملها في مناطق أخرى، وما اعتادت عليه في سياستها الخارجية من خلال فتح قنوات غير رسمية مع حركات المعارضة لضمان ولائها أو توظيفها في مراحل مختلفة عندما تقتضي الحاجة.

وكشف تقرير ميداني أعده مركز بحوث تسليح الصراع بالتعاون مع العديد من المؤسسات بين سنتي (2006 و2012) عن أنه من بين 14 حالة كشف فيها عن وجود أسلحة إيرانية هناك فقط 4 حالات كانت مع الحكومات والعشر الباقية مع جماعات غير نظامية، حيث كانت تدعم الانفصاليين في منطقة «كاسامانس» في السنغال ومتمردي ساحل العاج، وجامبيا، وفي نيجيريا حركة إبراهيم الزكزاكي، الأمر الذي تسبب لاحقا بقطع حكومات هذه الدول علاقاتها مع إيران.

وكشف بحث ميداني بشأن النزاع في جمهورية أفريقيا الوسطى أنجزه مركز "أبحاث النزاعات المسلحة" البريطاني، أن بنادق مصنوعة في الصين وإيران انتهى بها المطاف في أيادي المتمردين في أفريقيا الوسطى لتسهم في إذكاء الصراع في البلد، وأوضح البحث أن هذه الأسلحة شحنت إلى السودان في بداية الأمر ثم أعيد تجميعها وشحنت في طائرات قبل توزيعها على المتمردين في جمهورية أفريقيا الوسطى.

ويقول الباحث الرئيس، مايك لويس، إن معظم الأسلحة المهربة إلى جمهورية أفريقيا الوسطى تم على نطاق محدود، ومن الصعوبة بمكان وقف هذه التجارة غير القانونية، حيث أن تدفق الأسلحة بشكل غير قانوني على هذه الدولة يؤدي إلى انتشار عدم الاستقرار في المنطقة برمتها بما فيها نيجيريا والكاميرون وجنوب السودان.

وكشفت كذلك شبكة فاكس نيوز عن نشاطات لشبكة تهريب أسلحة تدعى الوحدة 190 وهي تابعة لجيش القدس الإيراني حيث وظفت قرابة 24 شخصا لتهريب الأسلحة إلى المنطقة المضطربة منذ أعوام، وكشف تحقيق شامل عبر البر والجو والبحر أن قوة القدس تزود الحوثيين بالسلاح حالياً، وقد حصلت فاكس نيوز على اسم فرد له دور مفصلي في وحدة 190 عبر أجهزة سرية غربية هو بهنام شهرياري المولود في 1968 في شمال شرقي إيران، وقال المتحدث باسم البنتاغون الأدميرال جون كربي من قبل: إننا نعلم هناك أن علاقة بين الحوثيين وطهران، وأبدينا قلقنا مرات عدة تجاه العلاقات بشكل واضح.

نشاط إيران التسليحي في شرق إفريقيا:

بدأت الاختراقات الإيرانية في أفريقيا منذ وقت مبكر، وحاولت تلك الاختراقات التمدد سياسياً، وعسكرياً، واقتصادياً، ومذهبياً، وهي تشكل خطورة على مجمل أوضاع ومستقبل القارة، ووجود الإسلام السني الصحيح فيها، وقد كشف معهد الدراسات التنموية والدولية العالي بجنيف عن طريق المشروع الاستقصائي (مسح الأسلحة الصغيرة) SAS بتتبع أصول ومصادر توريد الأسلحة في إحدى أكثر المناطق الملتهبة في العالم وهي حدود دولتي (السودان، وجنوب السودان) في عصر ما بعد التقسيم، حيث تنتشر الميليشيات هناك والاقتتال الأهلي، حيث وجد المسح أن جزءًا لا يستهان به من هذه الأسلحة إيرانية الصنع، فإيران من جهة هي المسئولة – حسب مصادر في الأمم المتحدة أعطت المعلومات لـ SAS- بمفردها عن 13% من واردات الأسلحة للسودان بالكامل من 2001 وحتى 2012، وبذلك تجني إيران ثمرة علاقتها الاستراتيجية المتينة بالخرطوم آنذلك، حيث تسمح الخرطوم للبحرية الإيرانية باستخدام مياهها الإقليمية وترسو بوارجها في الموانئ السودانية ، ويمكن كذلك في السياق ذكر دعم طهران للخرطوم بعدد من طائرات الأبابيل الإيرانية بدون طيار للمراقبة.

وتزداد تلك الخطورة في اختراقات إيران لدول إفريقية تقابل سواحل البحر الأحمر وخليج عدن، سيما سواحل اليمن الغربية، حيث تسعى إيران لتوظيف علاقاتها من أجل إمداد الحوثيين ومَن معهم بالأسلحة والذخائر؛ فخط تهريب السلاح والذخيرة للحوثيين في اليمن، يعتمد على البحر أولاً، وكانت شحنات الأسلحة تصل بشكل عادي إلى الحوثيين، وقد اخترقت إيران دولاً أفريقية، وقامت بتجنيد بعضها، من أجل تحويلها إلى منصات تهريب للسلاح الإيراني المرسل إلى الحوثيين عبر البحر الأحمر وخليج عدن.

وتشكل منطقة شرق أفريقيا إحدى المحطات الإستراتيجية المهمة لإيران لتعميق وجودها في البحر الأحمر، ففي أعقاب زيارة الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي لطهران في 2008 تردد أن إيران حصلت على تسهيلات في ميناء عصب على البحر الأحمر، وهو ما يعطيها نقطة ارتكاز تمكنها من القيام بمهام استخبارية ولوجستية في المنطقة لدعم الموالين لها في أفريقيا واليمن، ولعل سعي إيران لتطوير علاقاتها مع دول شرق أفريقيا الأخرى مثل كينيا وتنزانيا وجزر القمر يؤكد هذا المنحى الإستراتيجي في الاختراق الإيراني لأفريقيا.

ولم تتردد إيران في استخدام قوتها وما تملك من قدرات عسكرية من أجل بناء التحالفات والقواعد في أفريقيا، فقد أشار تقرير مهم صدر نهاية العام 2012 عن منظمة "بحث تسليح الصراع" البريطانية إلى توزيع الأسلحة الإيرانية في أفريقيا. وتشمل هذه الأسلحة راجمات الصواريخ وقذائف الهاون والألغام الأرضية، وهي أسلحة أنتجت منذ العام 2002. وكان السودان يمثل أبرز الأمثلة الأفريقية على عمق التعاون العسكري مع إيران حيث يشمل هذا التعاون تصدير أنواع من الأسلحة والذخائر والمعدات الإيرانية للسودان، وذلك قبل تدهور العلاقات بين البلدين وانضمام السودان لتحالف عاصفة الحزم.

وهذا الجهد الإيراني يسعى من أجل تسميم أجواء المنطقة، فهو جهد تخريبي يريد تدمير المنطقة، وتحويلها إلى ساحات اقتتال، ولأن الدول الأفريقية التي تقابل اليمن غرباً، وعبر المناطق البحرية، يتم توظيفها في تهريب السلاح، وتتورط بالتالي في صراعات المنطقة، وتساعد في إيذاء الشعب اليمني، والمنطق يقول إنه لا بد من السعي لوقف هذه الأنشطة بكل الوسائل السياسية، عبر إجراء اتصالات مع هذه الدول، والبحث عن نقاط الاختراق وإغلاقها بكل الوسائل المتاحة، من أجل إيقاف دخول السلاح الإيراني لهذه المنطقة، ومن ثم إنهاء الصراع في اليمن.

كيد إيران يرتد إليها:

شهد نشاط إيران المذهبي والتسليحي في إفريقيا عدة إخفاقات، بسبب سياستها الرعناء، فبتورطها في الصراعات الداخلية وتغذيتها للنزاعات بشكل مباشر خسرت ما حققته من إنجازات، فالجهود الإيرانية في السنغال مُنيت بانتكاسة كبيرة مع اكتشاف شحنة الأسلحة القادمة من إيران باتجاه غامبيا، بهدف تزويد متمردي الجنوب السنغالي بالسلاح. حيث قطعت كل من السنغال وغامبيا علاقاتها مع إيران في 2011، وقبلها في أكتوبر 2010م رصدت السلطات النيجيرية عملية نقل أسلحة قادمة من إيران في طريقها إلى غامبيا، ورداً على هذا الاكتشاف قامت السلطات النيجيرية والغامبية بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران وطردت دبلوماسييها، كما توقف التعاون النيجري الإيراني في مجال التكنولوجيا النووية سنة 2008.

وقد خسرت إيران السودان كذلك، والقراءة الفاحصة لدور إيران العسكري في أفريقيا تكشف أن السودان كان يمثل قلب الاستراتيجية تلك بالنسبة لإيران، وتنبع أهمية السودان الاستراتيجية من موقعه الجيو استراتيجي، فهو قريب من (قلب) العالم العربي، وبخاصة مصر. فهناك اعتماد متبادل بين السودان ومصر، بمعنى أن ما يحدث لأي طرف يتأثَّر به الطرف الآخر، ووقوع السودان بين أهم معبرين للتجارة العالمية والنفط في المنطقة، وهما قناة السويس وباب المندب، حيث تعْبر يومياً نحو مائة سفينة و120 ألف برميل من نفط الخليج، وما يحتويه السودان من ثروات طبيعية كالذهب واليورانيوم، كما يمكن للسودان أن يكون البوابة الخلفية للقارة الإفريقية.

بالإضافة إلى أن صار السودان أرض المعركة الجديدة بين إيران وإسرائيل في صراعهما الخفي، ويرجع ذلك إلى خشية إسرائيل من طبيعة العلاقات السودانية-الإيرانية التي شهدت تقدماً كبيرا في السنوات الأخيرة قبل 2013م، والذي انعكس على مجالات التعاون المختلفة، والذي بات يهدد أمن ومصالح إسرائيل في المنطقة العربية والأفريقية معاً، وفي المستوى العسكري، وقّع البلدان عدة اتفاقيات بهدف ترسيخ التعاون بينهما، والذي تضمن مساعدة إيران للسودان عسكرياً والمساهمة في تحول الجيش السوداني من استخدام السلاح الروسي والصيني إلى استخدام السلاح والذخيرة الإيرانية، وعن طريق السودان كان يتم بيع بعض صفقات الأسلحة الإيرانية إلى المسلحين في القارة الأفريقية، كما يتم تصنيع الأسلحة على الأراضي السودانية، وما قصف إسرائيل لمصنع اليرموك للأسلحة في العاصمة السودانية في منتصف ليل 23 أكتوبر2012 إلا دليل على ذلك. ويرجع أسبابه إلى وجود وثائق إسرائيلية تؤكد أن السودان يمثل حلقة الوصل بين إيران وحماس، وعن طريقه يتم تهريب الأسلحة إلى غزة.

كما سبق أن وجهت إسرائيل أكثر من ضربة لمجموعات سودانية داخل الحدود السودانية، واتهمتهم بأنهم مهربو سلاح إلى قطاع غزة عبر سيناء المصرية، منها في مايو عام 2012 حيث قصفت طائرة إسرائيلية سيارة السوداني ناصر عوض في منطقة بورسودان، والاتهامات للسودان بالتعاون مع إيران بإنتاجه صواريخ أرض- أرض الإيرانية طراز «شهاب»، وللصواريخ الباليستية الإيرانية.

ومعلوم أن إسرائيل تَعتبر السودان البلد العربي الأكثر خطورة بسبب ثرواته وموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر. لذا ساهمت إسرائيل بفعالية في تقسيم السودان، ونجحت في نسج علاقات عسكرية وأمنية واقتصادية مع دولة الجنوب التي تحولت إلى ممر أساسي للإستراتيجية الإسرائيلية نحو إفريقيا جنوب الصحراء.

وقد ساهمت عودة السودان للبيت العربي وابتعاده عن المحور الإيراني في تجفيف نشاط التسليح الإيراني والتوسع الشيعي المتسارع في إفريقيا، ويحتاج السودان لسد فجوة ما كانت تقدمه له إيران في مجالات التعاون التى كانت سائدة بين البلدين، وهو ما يرجو السودان أن يقوم الأشقاء العرب بكل مشتملات ذلك الدور الإيراني المشبوه.

المراجع:

1- تهريب السلاح الإيراني، صحيفة البيان الإماراتية، افتتاحية رأي البيان، 20 أكتوبر 2015م.

2- هيثم قطب، عن التوغل الإيراني في أفريقيا، موقع ساسة بوست، على الرابط:

 http://www.sasapost.com/iranian-incursions-in-africa /

3- حمدي عبد الرحمن، الاختراق الإيراني الناعم لأفريقيا، موقع الجزيرة نت، على الرابط:

 http://www.aljazeera.net/home/print/6c87b8ad-70ec-47d5-b7c4-3aa56fb899e2/5efc2775-dd89-4d7b-90c7-beb59aaa0dfe

4- بوزيدي يحيى، إيران في إفريقيا: اختراقات وإخفاقات، موقع مجلة الراصد، على الرابط:

http://alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=6520

5- إرسال حمولات سلاح سرية إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، موقع منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، على الرابط:  www.mojahedin.org/newsar/4405

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق