كتاب الشهر\العدد مائة وواحد وخمسون - ربيع الثاني 1437 هـ
حركة التصوف في الخليج العربي
الأربعاء 6 يناير 2016

 

 دراسة تحليلية نقدية

 

عرض: أسامة شحادة – كاتب أردني

 

خاص بالراصد

 

هذا الكتاب في الأصل رسالة الدكتوراه للشيخ عبد العزيز بن أحمد البداح، ثم أضاف عليها العديد من الإضافات، وقد طبعت سنة 1436هـ وتقع في 860 صفحة، وكان سبق للدكتور البداح أن نشر رسالته الثانية في الدكتوراه عن حركة التشيع في الخليج العربي، وبذلك يكون قد جمع بين أهم فرقتين معاصرتين في الخليج.

يمكن أن نعد كتابه عن التصوف في الخليج كموسوعة شاملة لإنتاج الصوفية الخليجيين المعاصرين –ويقصد بهم مَن سكن الخليج ولو لم يحمل جنسيتها- وتصنيفها على المواضيع الصوفية.

وبذلك يخرج القارئ للكتاب بمعرفة شاملة للتصوف بذاته ثم موافقة الصوفية في الخليج لهذا التصوف القديم والمنتشر بكل مكان، ولذلك تضخم الكتاب لهذا الحجم.

في هذا الاستعراض سأتوقف مع أهم المحطات التي تتعلق بصوفية الخليج دون التصوف بذاته حتى لا يتشعب بنا الكلام:

تناول المؤلف ظهور التصوف في الخليج من خلال رصد مظاهره المتمثلة في إقامة الموالد وتشييد الأضرحة في دول الخليج باستثاء اليمن لوجود رسالة علمية خاصة بالتصوف باليمن لأمين السعدي، ويخلص المؤلف بعد استعراض هذه المظاهر أنها دخيلة حديثة ووجدت في عهد تبعية الخليج للدولة العثمانية التي شجعت التصوف وتبنّته، ويعزز رأيه هذا أن ابن بطوطة لم يشر في كتاب رحلته لمثل هذه المظاهر بأدنى إشارة.

أما عن أسباب وفود التصوف على الخليج فذكر المؤلف عدة أسباب، هي:

- تأثر الخليج بدايةً بمدارس التصوف بالهند والترك، والشام ومصر والعراق وحضرموت، من خلال بعض الشخصيات الصوفية التي جاءت للخليج إما بسبب المجاورة في مكة والمدينة عقب الحج، أو باستقدام بعض الأمراء لبعض العلماء من خارج الخليج وبعضهم صوفية، أو بسبب مجيء شيخ صوفي بحثاً عن العمل، أو رحلات دعوية لبعض الصوفية على البوادي، أو بسبب هجرات من إيران للخليج نقلت التصوف الفارسي إليه، وقد فصل المؤلف في رجال التصوف من كل بلد الذين جاؤوا للخليج باستعراض كتب التراجم والطبقات وكتب التاريخ.

- تزايد ورود الصوفية للخليج عقب نهضته الاقتصادية وتصاعد ذلك مع السنين، حيث شهد الخليج استقرار بعض زعماء التصوف المعاصر، فتنوعت مدارس ومذاهب الصوفية في الخليج.

- من أسباب وفود التصوف للخليج، استقدام الجامعات الخليجية لبعض الشخصيات الصوفية للتدريس بها، مما نشر الصوفية بين شباب الخليج.

- من أسباب تمكن التصوف بالخليج ترحيب الليبراليين بالصوفية والصوفيين في وجهه أهل السنة وعلمائهم لتمرير مخططاتهم العلمانية.

- وجود شخصيات خليجية ذات نفوذ سياسي أو مالي صوفية أو متعاطفة مع التصوف ما ساعد الصوفية على النفوذ والاختراق للصحافة والإعلام والتعليم، وقد أفرد المؤلف مبحثا لمحمد علوي المالكي كمثال على ذلك.

ويرى المؤلف أن التصوف مرّ بمرحلتين، مرحلة ضعف عقب قيام الدولة السعودية الثالثة قبل 100 عام حيث انتشر التوحيد والسنة وقمع الشرك والبدعة، ولذلك ضعف التصوف واندثرت كثير من الطرق الصوفية في الخليج، حيث انتشرت الدعوة السلفية في المملكة العربية السعودية وانتقل عدد من علماء التوحيد للبلاد المجاورة، ودرس الكثير من طلبة دول الخليج في جامعات المملكة فضلاً عن دور المؤسسات الدعوية بالمملكة في نشر التوحيد والسنة.

لكن منذ عشرين عاما تقريباً لوحظ عودة نشاط التصوف في الخليج ومن مظاهر ذلك:

1- قيام دور نشر تعنى بطباعة ونشر الكتاب الصوفي في جدة ومكة والكويت والإمارات.

2- ظهور شخصيات صوفية نشيطة تشارك في الصحافة والفضائيات.

3- صدور عدد من المؤلفات التي تدافع عن التصوف وتدعو للموالد والبدع.

4- عودة إقامة الموالد والحضرات، والتي تنقلها بعض الفضائيات.

5- تأسيس مواقع الكترونية خليجية تمجد التصوف.

6- إعادة نشر التراث الصوفي.

أما الطرق الصوفية الموجودة اليوم في الخليج فهي: القادرية، النقشبندية، الميرغنية، العلوية، الخلوتية، الأحمدية، السنوسية، السمانية، الشاذلية، الرفاعية، القادرية، وهذه الطرق تختلف في الأذكار والأوراد، لكن عقائدها مشتركة في الجملة، وهناك تعاون بين قادة ورموز هذه الطرق، ولعل السبب في ذلك قلتهم وضعفهم، فيحتاجون للاجتماع حتى يتمكنوا من تجاوز أهل السنة.

والباعث على إحياء التصوف في الخليج في نظر المؤلف هو البحث عن الزعامة والمكانة والمحافظة على نفوذ موروث، ولذلك يميل الصوفية خاصة في الحجاز لقبول فكرة التقسيم والمناطقية التي هي مخطط غربي قديم لتفتيت الوحدة الإسلامية التي قامت عليها الدولة السعودية حيث أن دعوة التوحيد قامت بتوحيد هذه المنطقة الواسعة.

بينما الغرب اليوم يعلن نيّته تفتيت المملكة لعدة إمارات كبقية دول الخليج! وهو مطلب لشيعة السعودية انسياقاً خلف مطامع إيران ويوافقهم عليه صوفية الحجاز كما يظهر ذلك في صفحات مجلتهم (الحجاز) التي تصدر في لندن عمّا يسمى الحركة الوطنية! وهو ما طرحته "مي أحمد زكي يماني" ابنة أحد أبرز الشخصيات الحجازية الصوفية وكان سابقاً وزيراً للبترول!

ويخلص المؤلف إلى أن التصوف في الخليج ليس تجمعا مذهبيا فحسب، بل هو تجمع سياسي اتخذ من التصوف ستارا، ولهذا التجمع السياسي أهدافه ومنطلقاته وارتباطاته الداخلية والخارجية.  

وحول الخطاب الصوفي الخليجي المعاصر منابره وآلياته، بيّن المؤلف أن قناة (إقرأ) تعد أهم هذه المنابر وأقدمها، وعدّد بعض البرامج الصوفية التي قدمت على عدد من الفضائيات مثل: العربية، الحياة المصرية، الكويتية، الرسالة، وقنوات مصرية تستضيف علي الجفري وغيرها.

واستعرض المؤلف المواقع الالكترونية ودور النشر والمجلات والمدارس والمعاهد والمجالس الصوفية التي نشطت مؤخرا حيث رصد كُتابها والمواضيع الصوفية التي اهتمت بها وأبرزتها.

ونبّه على حرص التصوف على اختراق المؤسسات الدينية والتقرب من القادة والحكام وضرب المثال بدبي حيث النشاط المكثف للصوفية هناك بقيادة علي الجفري ومؤسسته (طابة) التي أسسها في أبو ظبي.

لم يفت المؤلف رصد الهجوم الصوفي على أهل السنة واتهامهم بالجهل والتشدد ظلماً وعدواناً، وإنما استجابة لمخططات دولية تعلن عن صلاحية التصوف في خدمة مشروع الإسلام العلماني المدني، وختم كتابه باستعراض جهود علماء السنة في الرد على البدع والضلالات التي يروجها الصوفية. 

ونقل المؤلف نماذج من أقوال صوفية الخليج التي توافق عقائد وضلالات التصوف نقتطف هذه المقولات، لتأكيد أن التصوف في الخليج لم يتجنب المزالق التي حذر منها العلماء والتي تخالف صريح القرآن والسنة:

- يقول محمد علوي المالكي أن الله جمع لنبيه الحكم بالظاهر والباطن معاً، وأنه أوتي علم كل شيء حتي الروح والخمس المغيبات.

- يقول علي الجفري أن الصالحين وفقراء الصوفية يعرفون متى حلول الآجل، وأنهم يتصرفون في الكون.

- قال أحد الصوفية بمولد في المدينة النبوية، إن روح النبي صلى الله عليه وسلم واتحدت مع روح البوصيري.

- يمارس بعض صوفية الخليج طقوس ضرب الشيش ودخول النار على غرار طقوس الهندوس وغيرهم من المشعوذين.   

وفي النهاية فإن الكتاب حوى الكثير الكثير من النقولات عن صوفية الخليج اليوم والتي تبين التطابق مع التصوف القديم المعروف.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق