تنظيم الدولة وإصداره "يا قدس إنا قادمون" تكفير بالجملة وخلل في التأصيل
الجمعة 13 نوفمبر 2015

 

 وليد ملحم – كاتب فلسطيني

 

خاص بالراصد

بدأنا نسمع شنشنة مما يسمى "دولة العراق والشام" أو "دولة الخلافة" أو سمِّ ما شئت، تدندن حول فلسطين والمسجد الأقصى، بعد أن أصدرت تلك الفرقة فيديو بعنوان "يا قدس إنا قادمون"، وبذلك أضحت فلسطين سلعة رائجة يتمسح بها المتسلقون لبلوغ إرْبهمْ وغايتهم، وليستعملوها قنطرة للعبور على ظهرها في سبيل نشر أفكارهم وتحقيق أهدافهم!! فبالأمس كان القوميون والبعثيون وتلاهم الشيعة الرافضة، واليوم خوارج العصر ومن لفّ لفهم، فلفلسطين لَمعان براق وساطع يجذب إليه كل من يريد ترويج بضاعته المزجاة من الفرق والجماعات الضالة والمنحرفة، وهذا يذكرنا بالمثل السائر "قميص عثمان"، وهذه وقفات سريعة مع بعض ما جاء في مقطعهم.

في الفيديو بدأ شاب كلامه بعبارة: "الدم الدم والهدم الهدم"، إن لغة الدم والدماء والأشلاء أصبحت من أدبيات "تنظيم الدولة"، وهي لغة لم يستعملها سلفنا الصالح ولا حتى في عهد النبوة بالرغم من حالة الحرب التي عاشتها المدينة إلى حين فتح مكة، فلا تُستعمل كلمة الدم في تراثنا إلا في التعريف بحكمه من ناحية الشرب والنجاسة أو نقضه للوضوء أو دماء الحيض والنفاس أو حين ذِكْر حُرْمَة سَفكِ الدماء، كذلك ذكِرَ اسم الدم في أجر الشهيد كما في الحديث المتفق عليه: "اللون لون الدم والريح ريح المسك".

إن التركيز على لغة الدم في خطاب "تنظيم الدولة" يذكرنا بصنيع الفرق الضالة من الشيعة الرافضة واهتمامهم بذكر الدم في مناسباتهم.

ونؤكد بأن استفتاح الخُطب بالدماء والأشلاء هذا لم يعرف في عهد النبوة، ومن أراد فليراجع خطب الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (1/ 423): "كذلك كانت خطبته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إنما هي تقرير لأصول الإِيمان من الإِيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائِه، وذكرِ الجنة، والنار، وما أعدَّ الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعدَّ لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب مِن خُطبته إيماناً وتوحيداً، ومعرفة بالله وأيامه، لا كخُطب غيره التي إنما تُفيد أموراً مشتركة بين الخلائق، وهي النَّوح على الحياة، والتخويف بالموت، فإن هذا أمر لا يُحصِّلُ في القلب إيماناً بالله، ولا توحيداً له، ولا معرفة خاصة به، ولا تذكيراً بأيامه، ولا بعثاً للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة، غير أنهم يموتون، وتُقسم أموالهم، ويُبلي الترابُ أجسامهم، فيا ليت شعري أيّ إيمان حصل بهذا؟! وأيِّ توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به؟!".

وقال: "ومن تأمل خطب النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وجدها كفيلة ببيان الهدى، والتوحيد، وذكر صفات الرب -جل جلاله-، وأصول الإيمان الكلية، والدعوة إلى الله، وذكر آلائه –تعالى- التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والأمر بذكره، وشكره الذي يحببهم إليه، فيذكرون من عظمة الله وصفاته، وأسمائه، ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته، وشكره، وذكره ما يحببهم إليه".

ولما ولى عمرُ سعدا حرب فارس قال‏:‏ يا سعد لا يغرنك إن قيل‏:‏ خال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وصاحبه فإنه ليس بين أحد وبين الله نسب إلا الطاعة وإنك تُقدم على أمر شديد فالصبر الصبر على ما أصابك‏. وفي رسالة أخرى قال له‏:‏ أما بعد، فتعاهد قلبك وحادث جندك بالموعظة والصبر الصبر فإن المعونة تأتي من الله على قدر النية، والأجر على قدر الحِسْبَة، وأكثِر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله.

وفي اليرموك عندما قال رجل لخالد: ما أكثرَ الروم وأقل المسلمين! فقال خالد: ما أقلّ الروم وأكثر المسلمين! إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان، لا بعدد الرجال.

هذه ألفاظ قادتنا وكبرائنا في أصعب المواطن وأحلك الظروف، فلم نرَ منهم لا شربا للدماء كما يتحدث الناطق باسم التنظيم ولا دماء وأشلاء، نحن لا ننكر ذكر الدماء وإراقتها في سبيل الله في المرة أو المرتين، لكن التركيز بهذا الشكل المكرر والمركز إنما يدل على نفوس مأزومة بحب الثأر والانتقام.

ثم عقب المتكلم بذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه "بعث بالسيف رحمة للعالمين"، ولعله أخذه من حديث "بعثت بالسيف بين يدي الساعة"، وهذا الحديث مختلف في صحته فقد علقه البخاري في صحيحه بصيغة التمريض، وحسّن إسناده الألباني، أما الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند قال عنه: إسنادُه ضعيف على نَكَارةٍ في بعض ألفاظه.

لكن الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله! ادعُ الله على المشركين. قال: "إني لم أبعث لعّاناً، ولكن بعثت رحمةً"، فشتان بين من يبدأ خطبته بالدم والدماء، وبين هدي رسول الله الذي يُطلب منه أن يدعو على المشركين فيقول صلى الله عليه وسلم: "لم أبعث لعّانا". كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "ولكني بعثت بالحنيفية السمحة"، وهو قطعة من حديث أخرجه أحمد وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ...

ويؤيد هذا قوله تعالى: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ" (التوبة: 33)، وقوله جلّ وعلا: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" (الأنبياء: 107).

فقوله: بعث بالسيف رحمة للعالمين، هو تلفيق سمج، فرحمة الرسول صلى الله عليه وسلم وعفوه تغلب على عقوبته بالسيف، ومن يتتبع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يدرك ذلك، وما عفوه عن مشركي قريش عند فتح مكة إلا دليل من أدلة كثيرة مستفيضة على سجية عفوه ورحمته صلى الله عليه وسلم.

وبعد هذه المقدمة قال المتحدث: "يا أهلنا في فلسطين الحبيبة"، ومعلوم أن أهل فلسطين إما أن يكونوا من السلطة الفلسطينية وحركة فتح أو من الإخوان المسلمين وحركة حماس أو من بقية التنظيمات كالجهاد والشعبية والديموقراطية، ولجان المقاومة، وغيرها ومناصريهم ومؤيديهم، وهؤلاء أنتم تحكمون عليهم بالكفر والردة!! وإما سلفيون وهم عندكم مرجئة عملاء للحكام أو مرتدون وصحوات!!

أما العوام فهم مقسمون بين هذا وذاك، فمن بقي من أهل فلسطين الذين تناشدهم بقولك: يا أهلنا !؟؟ لم يتبقّ إلا مناصري دولتكم، وهم قلة قليلة والنادر لا حكم له!!

هذا يذكرنا بحادثة الخارجي التي رواها الإمام اللالكائي في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)، عن "محمد بن يعقوب بن الأصم" قال: طاف خارجيان بالبيت فقال أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الخلق لن يدخل منهم الجنة أحد إلا أنا وأنت، فقال له صاحبه: جنة عرضها كعرض السماوات والأرض بُنيت لي ولك؟ قال: أجل، قال: هي لك، وترك مذهبه.

وقبل الخوض في قضية تكفير حماس أو غيرها ينبغي ذكر بعض الأمور التي تضبط تطبيق "الحكم الشرعي"، فلدى تنظيم الدولة مفاهيم خاطئة ناتجة عن تطبيق "الحكم الشرعي" على ظاهره دون النظر إلى علله وحِكَمِهِ أو ظروف تطبيقه زمانا ومكانا، وهذه صفة من صفات الخوارج، وهذا مصداق قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم".

قال الإمام النووي معناه: أن قوماً يقرؤون وليس حظهم من القرآن إلا مروره على اللسان، وقال ابن حجر: لا يجاوز حناجرهم، قال الداودي يريد أنهم تعلقوا بشيء منه، قلت: إن كان مراده بالتعلق الحفظ فقط دون العلم بمدلوله فعسى أن يتم له مراده. وتأمل قول ابن حجر الحفظ دون العلم.

فسلفهم ذو الخويصرة التميمي الذي اعترض على قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة، وقال كلمته المشؤومة: "اعدل يا محمد"، بينما الصحابة نظروا إلى حقيقة الفعل والقسمة وهو تأليف القلوب فلم يعترض منهم أحد.

ومن فوائد هذا الحديث: الزجر عن الأخذ بظواهر جميع النصوص القابلة للتأويل والتي يفضي القول بظواهرها إلى مخالفة إجماع السلف، إن نبز الخوارج لمخالفيهم بتهمة الحكم بغير ما أنزل الله قديمة وقد أُتهِمَ بها عليٌّ رضي الله عنه من قبل سلف هؤلاء، فقالوا وقتها: "قد حكّم الرجال في دين الله، إن الحُكم إلا لله"، فقال الفقيه علي رضي الله عنه: "كلمة حق أريد بها باطل"، فليسمع كل مغرر به لم تغبر قدماه في طلب علم ألا يستعجل في تأييد هذه الشعارات فلربما أريد بها باطل ويكون حطبا في نار يستفيد منها عدونا، قال تعالى: "الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا" (الكهف: 104).

ولكشف هذه الشبهة وإزالة اللبس عنها نبدأ باستفهام: هل يقال لمن صلى الظهر مثلا قبل وقتها مصلٍّ، أو من وقف بعرفة في اليوم الخامس من ذي الحجة قد أدى نسكه، بالرغم من أن هذا صلى وذاك وقف؟

بالطبع سيكون الجواب: لا، لأن الوقت شرط في صحة العبادة وهكذا طردا في كل الشريعة، فأحكام الله لا تطبق إلا بوجود شروط وانتفاء موانع، وهذا من الشرع فيجب أن يكون المحل الذي ينزل عليه حكم الله قابلا لتلبس الحكم به.

كذلك فإن الصلاة قائما هي حكم الله وشرط في صحة الصلاة، لكن حين لا يمكن القيام بهذا الحكم لوجود مانع كأن يكون هنالك مرض فتجوز الصلاة قاعداً أو على جنب، ويصبح هذا هو حكم الله، وحينئذ لا يكون حكم الله في حق المكلف الصلاة قائماً بالرغم من أنه شرط في صحة الصلاة، لأنه يؤدي إلى ضرر، والشريعة مبنية على تحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها.

ولنأخذ مثالا آخر قد يكون أكثر وضوحاً، المنافقون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كفروا بالله وطعنوا في عِرض النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا عليه هو أذن، صلى الله عليه وسلم، ونصّ الله عليهم في كتابه أنهم كفار، قال تعالى: "إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ" (المنافقون: 1-3).

فحكم الله فيهم هو القتل دون أي تردد، لكن لماذا لم يُقِمْ عليهم رسول صلى الله عليه وسلم حكم الله؟؟

لم يُقم الحد لوجود مانع وهو: "حتى لا يقال إن محمدا يقتل أصحابه"، فهل يستطيع أحد أن يقول إن الرسول لم يُقِمْ حكم الله! بل إن عدم إقامة الحد في هذه الحالة هو من حكم الله وشريعته التي أنزلها الله على رسوله، ذلك أن إقامة أي حكم يجب أن يراعى فيه الحال المحيط بالحكم والمآل الذي سيؤول إليه الحال بعد تطبيق الحكم، فلربما سيكون هنالك مفسدة تترتب أكبر من المصلحة المستفادة من تطبيق هذا الحكم.

ويسحب هذا كذلك على عدم قتل الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له "اعدل يا محمد" أو "تلك قسمة ما أريد بها وجه الله".

ومثلها كذلك عدم إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم لأن الناس حديثو عهد بجاهلية، فالحكم هنا لم يقبل التنزيل لوجود مانع وهو أن الناس حديثو عهد بجاهلية ولم يقل أحد إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينزل الحكم خشية الناس، ولكن لمراعاة الحال.

فمِن القواعد الشرعية: أن لا يؤمر بمعروف يؤدي إلى منكر أعظم أو إلى إزالة معروف أعظم منه، وكذلك لا يُزال منكر يؤدي إلى منكر أعظم، وهذا كله من شرع الله.

ثم يقول المتحدث في الشريط: وكل دار تحكم بقوانين الكفر بقوة الكافرين فهي دار كفر وعلى هذا فلا نجد فرقا بين المناطق التي يحكمها اليهود والمناطق التي تحكمها السلطة الفلسطينية وحماس إلا فرقا واحدا، هذا يحكمها يهودي وتلك يحكمها مرتدٌ من أبناء جلدتنا وعلى جميع الحالات فالنتيجة واحده فكل فلسطين تُحكم بخلاف شرع الله، وخلال كلامه سرد آية "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون".

طبعا ليس هنالك اتفاق بين أهل العلم على تعريف دار الإسلام أو دار الكفر بل هناك خلاف في هذه المسألة، وشيخ الإسلام لما سئل عن بلدة "ماردين" وقد احتلها التتار الكفار مع أن أهلها مسلمون قال: أما كونها دار حرب أو سلم فهي مركَّبة فيها المعنيان، ليست بمنزلة دار السلم التي يجري عليها أحكام الإسلام لكون جندها مسلمين، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث، المسلم يعامل فيها بما يستحقه ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه" (الفتاوى 28/240)، فهنا جزّأ شيخ الإسلام الحكم وركبه لأنه لا تنطبق عليها إحدى الصورتين.

وجاء في السيل الجرار للشوكاني (4/575) قوله: "الاعتبار بظهور الكلمة، فإن كانت الأوامر والنواهي في الدار لأهل الإسلام، بحيث لا يستطيع مَن فيها من الكفار أن يتظاهر بكفره، إلا لكونه مأذونا له بذلك من أهل الاسلام، فهذه دار الإسلام، ولا يضر ظهور الخصال الكفرية فيها، لأنّها لم تظهر بقوة الكفار ولا بصولتهم، كما هو مشاهد في أهل الذمة من اليهود والنصارى، والمعاهدين الساكنين في المدائن الإسلامية، وإذا كان الأمر بالعكس فالدار بالعكس".

وغزة أهلها مسلمون وأحكام الإسلام فيها هي الظاهرة الغالبة من إقامة الصلوات وصوم رمضان والحجاب، والمسلمون هم الظاهرون فيها، وهنالك دورات لتحفيظ القران وتعليم العلوم الشرعية والدعوة للدين متاحة للجميع وهنالك جامعات وجمعيات إسلامية، أما قضية الحكم على حماس بالردة لأنها لا تطبق أحكام الشريعة من ناحية القوانين أو الحدود، فهنا يجب التفصيل قبل الحكم بالردة أو التكفير سواء على حماس أو غيرها، وهذا هو منهج أهل العلم.

فالسؤال هو: هل عدم تطبيق حماس بعض الأحكام الشرعية ناجم عن بغض للشريعة وكرهها وأن الأحكام الوضعية خير منها، أم هو ناجم عن تأويل سواء كان صوابا أم خطأ، فهم يحبون الشرع لكنهم أجّلوا تطبيق بعض الأحكام لاجتهاد معين بسبب الضعف أو التدرج أو عدم أهلية الناس إلى ما شئت من أعذار، وهذا أمر معتبر في مسألة التكفير.

فلم يكفّر عمر رضي الله عنه قدامة بن مظعون عندما استحل شرب الخمر لأنه متأول، قال ابن قدامة في المغني تحت فصل: حكم من اعتقد حل شيء مجمع على تحريمه (10/83): "وكذلك يخرج في كل محرم استحل بتأويل مثل هذا، وقد روي أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلا لها، فأقام عمر عليه الحد، ولم يكفّره، وكذلك أبو جندل بن سهيل، وجماعة معه، شربوا الخمر بالشام مستحلين لها، مستدلين بقول الله تعالى: "لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا" (المائدة: 93)، فلم يكفروا، وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم الحد، فيخرج فيمن كان مثلهم حكمهم، وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك، وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك".

إذاً قضية تنزيل حكم التكفير على الحاكم بغير ما أنزل الله سواء كان فردا أو جماعة هي قضية شائكة يجب النظر إليها بعين فقيه مجتهد ليسبر مناطات التكفير فيها ولا يتكلم بها كل من هب ودب، فقد يكون الحاكم مجتهدا مخطئا وقد يكون فاسقا أو ظالما أو كافرا كما نصت الآيات، وكلٌّ له حكمه على حسب حاله وقد فصل العلماء هذا الأمر بمزيد بيان لمن أراد الرجوع إليه.

وحتى لو تنزلنا لفهم تنظيم الدولة وقلنا جدلا بأن كل من يحكم بغير ما أنزل الله هو كافر، فالكفر والفسق درجات، وقد فرح المسلمون لما انتصر الروم على الفرس لأن شرهم أقل من شر الفرس، وقد قال ابن تيمية: "العاقل من يميز بين خير الخيرين وشر الشرين"، فيجب التمييز بين من هو أشد عداوة للذين آمنوا بنصّ كتاب الله وبين مسلم وقع في الخطأ أو حتى الكفر عن اجتهاد، ونحن نسأل هنا: هل حرية الدعوة والدين والالتزام وانتشار الدروس وتحفيظ القرآن في مناطق اليهود تقارن بمثلها في غزة؟ وهل ظهور الكفر في دولة اليهود كظهوره في غزة؟ لا يساوي بين هذا وذاك  إلا من طمست عينه وغلف عقله وران على قلبه.

فمِن الحكمة أن يُتحالف مع صاحب الشر الأقل أو يهادن لدفع الشر الأعظم خاصة إذا كان "تنظيم الدولة" لا يستطيع دفع هذا ولا ذاك، فنصب العداء لحماس وغيرها يصب في إضعاف جهة الأقل شراً لصالح جهة الأكثر شراً وهي جهة يهود، لأن تنظيم الدولة لا يستطيع التحرك في مناطق اليهود لعدم وجود الحاضنة، لكنه قد يستطيع تجنيد بعض المغرر بهم في غزة ومَن على شاكلتها، فتثور الفتن ويفقد الأمن ومن المستفيد حينئذ؟؟؟

قوله: الأمان فانظروا إلى الخلافة التي تجمعكم مع باقي المسلمين في أمة واحدة، واعلموا أن الدولة الاسلامية قادمة لا محالة، كيف لا، وقد أصبحت على عتبات المسجد الأقصى وما سيناء ودمشق عنكم ببعيد فشمروا في لحاق القوم ولا تركنوا إلى الدنيا وزينتها...

نقول للمتكلم: قوله (الأمان) وهل دخلتم بلدا أو قرية إلا سابقكم الخوف إليها فإما أن تبدأوا ذبحا وتقتيلا بالمسلمين تحت حجج واهية وتهم باطلة وظنون مكذوبة ومناطات بالتكفير جديدة لم يعرفها السلف ولا اطلعوا عليها، أو يبدأ أعداؤكم بالقصف عليكم حتى يُقتل الأبرياء وتُرَمل النساء.

فإذا كان خليفتكم مختفيا خائفا ولا يستطيع الإفصاح عن مكان وجوده فما حال عامة الناس، وإذا كنتم في أمان فلماذا تغطي وجهك إذاً أيها المتحدث؟؟؟

إن رفع الصوت والصدع بالأماني والأحلام أمر سهل، وكل أحد يتقنه لكن العبرة بالواقع العملي، يا من تريد تحرير فلسطين وإنقاذ المسجد الأقصى أسألك: هل حافظت على المدن التي حزتها؟ أم هي تسقط تباعا من أيدكم ويَفنى ويُهَجَر أهلها السنة وتهدم فيها المساجد والدور ومن تبقى فيها منهم فتن في دينه وأجبر على التشيع؟ فهذه ديالى وجرف الصخر وشمال بغداد وصولا إلى تكريت كل هذه المناطق سيطر عليها الشيعة وأفرغوها من أهلها السنة وقد كان يسيطر عليها تنظيم الدولة، أما المناطق الشمالية فهاهم اليزيدية عباد الشياطين قد كوّنوا ميلشيات لمحاربة أهل السنة بعد أن سَبَت الدولة نساءهم، عادوا ينتقمون من السكان الأبرياء، فهجّروا السنة وقتلوهم وخطفوا نساءهم وحرقوا حقولهم! وفي سوريا، أعاد الأكراد السيطرة على كثير من المناطق التي حكمتموها، ومنها تل أبيض كوباني، فمِن باب أولى يا أولي البأس الشديد أن تحرروا ما فقدتم من مناطق وفُتِن أهلها السنة فيها قبل أن تتوجهوا إلى بيت المقدس!

أما جماعتكم في سيناء فهم عبارة عن مجموعات تستخدم حرب العصابات ضد القوات المصرية مع العلم أن اليهود على تماس معهم وقد أمنوا شرهم، لقد أدرك العقلاء أنكم لا تتحركون إلا في مناطق الفوضى وبعد أن يحررها أهلها المجاهدون، لتختلسوها وتسلطوا جام غضبكم على أهلها بتهم الردة والكفر ولمصلحة الأنظمة الطاغوتية على تعبيركم!! وإلا فهل كنتم تستطيعون التحرك في ظل حكم بشار قبل الثورة عليه وكذلك في ليبيا، وقِس على ذلك أفغانستان.

يريدون تحرير الحرمين ممّن؟ لا ندري؟؟ إن أهل الحرمين آمنون مطمئنون على دينهم وأعراضهم وأموالهم، ومكة آمنة لكل من يقصدها لحج أو عمرة ليجد فيها أعظم الخدمات التي تيسر أمر الحج والعمرة بأمن وأمان وطمأنينة فهل يريد هؤلاء استبدال هذا الأمن بخوف كما فعل أسلافهم القرامطة.

وليعلم هؤلاء أن أمامهم جحافل من الجنود والعلماء وطلاب العلم، بل ومن الناس لحماية الحرمين فهل يعقلون ما يخرج من رؤوسهم، إلا في حالة واحدة وهي أن تمهد لهم أمريكا وإيران الطريق لإثارة القلاقل والفتن ولن يفلحوا بإذن الله!!

إن هنالك عملية نفخ وتضليل يتعرض لها شباب الدولة حتى يصور لهم أنهم قادرون على احتلال القمر فضلا عن الأرض، وفي الحقيقة هم غير قادرين على استعادة بلدة من بلدات العراق التي خسروها.

يقولون إنهم على عتبات الأقصى!! ولا ندري هل هؤلاء في حلم أم علم، ادفعوا الضر عن الزبداني التي تمطر بالصواريخ ويهجر أهلها، ومن ثم تكلموا عن الأقصى.

إن هنالك عملية ممنهجة لتفتيت وزعزعة أهل السنة بأيدي بعض شبابها المغرر بهم بعد أن يئس أعداؤنا من الانتصار العسكري في المواجهة المباشرة، كما حدث مع طالبان والجماعات الجهادية في سوريا وليبيا وحماس في غزة فأخرجوا لنا جيلا من حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام ليضربوا تلك الجماعات من الداخل بتهم الردة والكفر، فأي خدمة لأعداء الله يقدمون.

وقد صدق المعصوم صلى الله عليه وسلم عندما قال فيهم: "كلاب أهل النار... يَقتلون أهل الإسلام ويدَعون أهل الأوثان".

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق