تنصل السيستاني
الجمعة 13 نوفمبر 2015

 

 وسام الكبيسي – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

بموقفه الرافض لاستقبال رئيس وزراء الحكومة العراقية حيدر العبادي في مكتبه في النجف مؤخرا، يبدو المرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، كمن يسعى لرفع يده عن التدخل في تفاصيل العملية السياسية، ولكن (بعد خراب البصرة)، كما يقول المثل الدارج في العراق.

لقد كان للسيستاني موقف واضح ودور مؤثر من كل الأحداث التي جرت على المسرح العراقي منذ احتلاله من قبل تحالف دولي قادته أمريكا، بلا غطاء شرعي من الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، ولغاية هذا اليوم، وإن كنا لا نستطيع الجزم بما ينسب إلى وزير الدفاع الأمريكي الأسبق "دونالد رامسفيلد"، من أنه عقد اتفاقاً مع السيستاني عشية غزو العراق مفاده، أن تدفع الولايات المتحدة مبلغاً من المال تشتري به سكوت السيستاني وفتواه بعدم مقاتلة المحتل، فإن المجزوم به والمؤكد أن السيستاني لم يصدر فتوى واحدة للوقوف بوجه المحتل، وقد كان شعراء منسوبون للتيار الصدري يتهمونه بالتخاذل والتواطؤ على خلفية المواجهة التي حصلت في النجف خلال العامين الأوليين للاحتلال.

كما إنه - أي السيستاني - كان عاملاً مؤثرا، وحاسما أحيانا، في دعم وترتيب أوراق ومراحل العملية السياسية التي بدأها المحتل، بل في طبخها بسرعة في أحيان كثيرة دون مراعاة لخصوصيات عراقية كانت تحتم على الأطراف المشاركة التروي والتوافق المجتمعي، كما حصل مع كتابة الدستور العراقي والطريقة والآليات التي تمت بها تلك العملية المريبة.

وعند ذكر الدستور لا بد لنا من وقفة، فما هي طبيعة الحكم في العراق؟ وما هو المبدأ الدستوري الذي تقوم عليه مواد الدستور والقوانين المنبثقة عنه؟ فهل نظام الحكم ديمقراطي يتبع إرادة الشعب؟ أم هو نظام ثيوقراطي يسعى أعضاؤه لنيل المباركة من (البابا) المرجع في كل صغيرة وكبيرة، كما كان يحصل في أوروبا القرون الوسطى، وكما هو حاصل الآن؟

وهل أحكام الدستور تعلي شأن المواطنة وتنظر للمواطنين بعين المساواة بدون النظر إلى خلفية المواطن العرقية أو الطائفية … إلخ؟، أم إنها تعلي شأن المحاصصة العرق - طائفية وتدير البلد وتسلم المناصب العليا على أسس ولاء حزبي وطائفي؟ الجواب لدى أرباب العملية السياسية، وخبراء الدساتير، ولكن ما يهمنا هنا هو التذكير بدور السيستاني وضغوطه التي ساعدت في ولادة دستور مسخ، وضع فيه من أشرف عليه من المطبات والألغام أكثر مما وضع فيه من الحلول.

لقد كان تأثير فتاوى السيستاني واضحا مع كل عمليات الانتخابات التي جرت بعد الاحتلال، وللتذكير فقد شاع وانتشر في الانتخابات الأولى بطاقات صغيرة تحوي صور السيستاني وأرقام هواتف مكاتبه في النجف، مكتوب عليها عبارات من مثل (من لم ينتخب القائمة الفلانية فزوجته عليه حرام)، و(من لم ينتخب تلك القائمة تبرأ منه ذمة الله ورسوله)، و(خروج المرأة لانتخاب الجهة الفلانية يشبه خروج زينب  بنت الحسين)، وهكذا...
وبدون الحاجة إلى السرد لما هو معلوم فإننا نقف أمام فتواه التي صدرت قبل عام تقريبا من الآن، والتي تشكل بموجبها ما يسمى بـ "الحشد الشعبي"، وهو حشد تشكل من طائفة واحدة ولون واحد، مما يجعل من المستحيل قبول أي باحث أو متابع بفرضية أن هذا الحشد سيكون للوطن وأنه سيدافع عن كل الوطن وأبنائه، علما أنه لليوم لم تصدر من السيستاني فتوى واضحة وحاسمة، تمنع أو تندد بجرائمه، رغم انكشاف مئات العمليات الإرهابية التي اقترفتها ميليشيات الحشد الشعبي ضد المكون العربي السني في العراق تحديداً، قتلاً وخطفاً وتهجيراً وحرقا وتدميراً، ما عدا بعض التصريحات الفضفاضة التي صدرت من قبل بعض وكلاء المرجع، وتظهر عدم جديتها من خلال عدم تأثيرها على سلوك أفراد هذه الميليشيات، واستمرار أعمال القمع والقتل والتهجير والتخريب، وآخرها ما جرى خلال الأسبوع الفائت في مدن وقرى بيجي وبقية محافظة صلاح الدين.

السؤال يبرز هنا وهو، هل للسيستاني تأثير حقيقي على القوى والفعاليات الشيعية في العراق؟، أم أن هؤلاء يستفيدون من وجود ورمزية الرجل كمرجع أعلى للشيعة في العراق وبعض دول العالم؟ وهل يحملون كلامه على محمل الجد، وبالتالي نحكم على توصياته وفتاواه التي لا تنفذ بأنها فتاوى للاستهلاك الإعلامي، وإن هناك فتاوى ونصائح أخرى تصدر عنه وتصل من قنوات سرية لأتباعه، هي التي ساعدت على تهجير مئات القرى والمدن ذات الأغلبية السنية، وتفجير وتحريق المنازل والمساجد والأسواق!!؟

أم أن القوى الشيعية تتعامل مع المرجع الأعلى بانتقائية فتستفيد منه في حشد الجماهير حولها سياسياً وشرعنة وجودها ميليشياوياً؟ ثم تمضي القوى السياسية في فسادها المالي والإداري والمليشيات المسلحة في أفعالها الإجرامية بلا مراعاة لنصائحه وفتاواه ما دامت لا تحقق أغراضهم وأجنداتهم المرسومة؟.

أيا يكن الاحتمال الأقرب فإن المرجع الأعلى لا يعفى من المسؤولية عن الفساد والخراب الذي طال العراق وأدخله في نفق مظلم، ودوامة من صراعات لا تتوقف وثارات لا تنتهي، كما إن عليه مسؤولية كبيرة في سرقة مئات المليارات من الدولارات، وفي الوضع المزري الذي يعيشه غالب العراقيين اليوم بمن فيهم عوام الشيعة، حيث ضعف الخدمات والانقطاع المتكرر للكهرباء وانعدام الماء الصالح للشرب، وتفشي الأمراض والأوبئة، وتهالك البنى التحتية، وضعف التعليم، وتدهور الوضع الصحي، وسوء الإدارة وانعدام الأمن وسطوة الميليشيات وتغولها في مفاصل الدولة العراقية وانحياز القضاء ... أضف إلى ذلك قائمة طويلة من حالات الفساد والانتهاكات الصارخة بحق العراق والعراقيين، والسؤال هنا؛ كيف يعفى السيستاني من المسؤولية وقد كانت فتاواه وتوجيهاته سبباً لانتخاب الفاسدين، وسنداً لشرعنة أعمال المجرمين؟

ربما يحاول السيستاني برفضه استقبال العبادي، التنصل عن كل ما انتجته العملية السياسية التي ساندها ووقف خلفها وخلف بعض أطرافها الفاسدين طوال أكثر من عقد من الزمان، وربما هو يستبق الأحداث ويريد أن يمارس سياسة النأي بنفسه عن هذه العملية بعد أن وصلت الصراعات بين أطرافها ذروتها، وخصوصا داخل التحالف الشيعي وداخل أحزابه وتياراته، وبعد أن طفت على السطح حالات فساد كبرى لا يمكن تغطيتها، وستؤدي حتماً إلى التضحية ببعض الرؤوس تحت مقصلتها، في ظل تصاعد السخط الشعبي في بلد نفطي بات نصف أبنائه يعيشون تحت خط الفقر وفي بيئة تفتقر لأبسط أسباب العيش الكريم، ولكن المؤكد أن ذلك لن ينطلي على أحد، فالمرجع الأعلى كان شريكاً في هذه المرحلة بخيرها وشرّها.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق