سطور من الذاكرة\العدد مائة وخمسون - صفر - 1437 هـ
صلاح الدين ومؤامرات الفاطميين (9) والأخيرة - مؤامرة الـ 12 شيعيًا في القاهرة
الجمعة 13 نوفمبر 2015

 هيثم الكسواني – كاتب أردني

 

خاص بالراصد

ظلّت مؤامرات الفاطميين وأنصارهم تتوالى على صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- حتى السنوات الأخيرة من حياته، وحتى بعد قضائه على قوّتهم العسكرية، وإخماد ثوراتهم المسلحة المتتابعة، إذ رغم مرور السنوات الطويلة فإن هناك مَن لم يكن يفكّر إلاّ بإعادة دولة العبيديين الفاطميين، صاحبة المذهب الشيعي الإسماعيلي، والقضاء على صلاح الدين ودولته السنّية الفتيّة، مع التذكير بأن المؤامرات - بعد إلغاء صلاح الدين للدولة الفاطمية مطلع سنة 567هـ (1171م)-، كانت تتم مِن قِبل أنصار الفاطميين والمتكسّبين منهم، وليس مِن الأسرة الفاطمية الحاكمة، ذلك أن صلاح الدين قام بالتحفظ على أعضاء الأسرة الحاكمة، ووضعهم تحت الإقامة الجبرية، وفرّق بين الرجال والنساء لئلاّ يتناسلوا.

والمؤامرة التي نحن بصدد الحديث عنها في هذا العدد تثير الأسى والاستغراب معاً، نظرا لتوقيتها وظروفها وطريقة تنفيذها، لكن لِنرَ أولا ماذا قال المؤرخون عنها:

في سنة 584هـ، خرج بمصر اثنا عشر رجلاً من الشيعة يريدون تملّك البلد وإعادة دولة الفاطميين، وإخراج المسجونين منهم، وأخَذ هؤلاء يجوبون طرقات القاهرة في الليل، وينادون بشعار الشيعة: يا آل علي، يا آل علي (أو يا لَعليٍّ، يا لَعليٍّ) ظنّاً منهم أن الناس سيجيبونهم إلى دعوتهم، ويثورون معهم ضد صلاح الدين، لكن لم يجبْهم أحد من الناس، ولم يساندهم أحد من الرّعية، فلمّا رأوا ذلك انهزموا وفرّوا خائفين، وتم القبض عليهم وقُيّدوا وحُبِسوا.

ومما يثير الاستغراب في أمر هذه المحاولة الانقلابية، الثقة الزائدة لمنفّذيها، فقد ظن هؤلاء أنهم بِعددهم القليل، وبشيء من الصراخ والتجول في الطرقات سيقضون على صلاح الدين ودولته التي بناها ورسّخها على مدى نحو عشرين عاماً، وأنهم بهذا الأسلوب "البدائي" سيعيدون دولتهم الشيعية، وتوهّموا أن الناس – مثلهم – يحلمون بالفاطميين، ويتمنون عودتهم وعودة انحرافاتهم وبِدعهم.

لكن ما يثير الأسى أنها حدثت في وقت عصيب كانت تمرّ به الأمة الإسلامية، إذ كانت الحملات الصليبية تتقاطر على البلاد الإسلامية، وتبيد أهلها، وتعيث فيها فسادا، وصلاحُ الدين يتصدّى لها تصدي الأبطال، ويدافع عن المسلمين بكل ما أوتي من قوّة، بل لعلّه الوحيد الذي انبرى لهذه المهمة.

كما أن هذه المؤامرة جاءت بعد عامٍ واحد من تحرير صلاح الدين -رحمه الله- لبيت المقدس، وتخليصها من الصليبيين الغاصبين، وتحقيق حلم المسلمين، وإعادة الأمل إلى الأمّة بعدما أصابها اليأس والقنوط، الأمرّ الذي يدلّ على أن الشيعة -قديما وحديثا- لا يعنيهم أمر فلسطين والقدس والأقصى، ولا تحرير بلاد المسلمين ونصرة قضاياهم، ولا التصدّي لأعداء الأمة، إنمّا همّهم الوحيد القضاء على أهل السنّة، دولاً وقادةً وأفراداً وتاريخاً وأمجاداً.

بل إن تاريخهم يشهد بأنهم دوماً في صف أعداء الأمة، فالقدس التي حرّرها صلاح الدين، كانت قد ضاعت من أيدي الفاطميين الشيعة، الذين انتزعوها من أيدي السلاجقة السنة، ولم يحافظوا عليها، وتهاونوا في أمر حمايتها، حتى احتلّها الصليبيون.

  وعندما تم إبلاغ صلاح الدين بمؤامرة الـ 12 شيعياً، (وهو حينئذٍ في بلاد الشام مجاهداً الصليبيين، ومحاصراً صفد) أصابه الهمّ والضيق، إذ لم يكن يتصوّر بعد هذه السنين الطويلة من تولّيه الوزارة في مصر (564هـ) وقضائه على دولة العبيديين الفاطميين (567هـ) والمعاملة الحسنة التي كان يغمر بها المصريين، وجود خلايا نائمة، وجيوب تتحيّن الفرصة للانقضاض عليه.

لكنّ القاضي الفاضل، مستشار صلاح الدين ووزيره ويده اليمنى، نظر إلى النصف الآخر من الكأس، وبدلاً من التوقّف عند الذين خرجوا على صلاح الدين وتآمروا عليه من الشيعة، نظر إلى الرّعية الذين لم يتجاوبوا معهم، ولم يعيروهم الاهتمام، بما يدلّ على محبة الناس لصلاح الدين وإخلاصهم له، وقال له‏:‏ أيها الملك ينبغي أن تفرح ولا تحزن، فإنه لم يُصغِ إلى دعوة هؤلاء الجهلة أحدٌ من رعيتك، ولا التفتوا إليهم، فلو أنك بعثتَ من قِبلك جواسيس يختبرون رعيّتك لَسَرّك ما يبلغك عنهم‏.‏

فسرّى ذلك عنه، ورجع إلى قوله، ولهذا أرسل صلاحُ الدين القاضي الفاضل إلى مصر ليكون له عيناً وعوناً‏ ومُعيناً.‏

للاستزادة:

1-  ابن كثير، البداية والنهاية.

2-  ابن واصل، مفرّج الكروب في أخبار بني أيوب.

3-  شاكر مصطفى، صلاح الدين الفارس المجاهد، والملك الزاهد المفترى عليه.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق