الإسلام وقضايا المرأة في أفريقيا
الأحد 16 أغسطس 2015

فاطمة عبد الرؤوف – كاتبة مصرية

خاص بالراصد

جاء الإسلام كدين خاتم للبشرية وفيه المبادئ الأساسية التي تصلح لحل جميع الإشكاليات والقضايا عندما يتم الاجتهاد وفقا للقواعد الكلية التي جاء بها الإسلام، كما أن المرونة الكبيرة التي يتمتع بها الإسلام أهّلته للانتشار وسط مجموعة متنوعة من البيئات والمجتمعات والخلفيات الثقافية المختلفة، وليست المجتمعات الأفريقية بشاذة عن هذه القاعدة.

بل ربما الفقر الذي يضرب القارة والوثنية التي تنتشر في أرجائها والعادات والتقاليد البالية التي يتمسكون بها وتعظيم الأموات والآباء والتعصب القبلي الذي يصل لحد الحروب الطويلة تجعل من البيئة الأفريقية بيئة مشابهة إلى حد كبير لبيئة الجزيرة العربية في عصر تنزل الوحي ومن ثم فإن الحلول التي يمكن أن تقدم للقارة سيتوفر لها الكثير جدا من التفاصيل، وفي هذا المقال سنتحدث عن المرأة الأفريقية تحديدا، ما هي أهم المشكلات التي تواجهها؟ وكيف يمكن مساعدتها للتغلب عليها؟

فالحقيقة أن المرأة الأفريقية تعاني الكثير من المشكلات العقدية والاقتصادية والسياسية حيث أن الاهتمام بها وبقضاياها يعد اهتماما هامشيا ربما بسبب كثرة المشكلات والتعقيدات التي تكتنفها وربما لأنها لم تجد من يهتم بها، وربما لأن أطرافا كثيرة لها مصلحة في بقاء الوضع الراهن كما هو لحسابات تتعلق بالمصلحة النفعية الانتهازية.

الوثنية والتنصير

الحقيقة أنه لا يوجد أغلى أو أكثر أهمية من المعتقد السليم الصحيح، ولعل أخطر القضايا التي تعاني منها النساء في أفريقيا أزمة المعتقد السليم، فعلى الرغم من أن نسبة المسلمين في قارة أفريقيا هي 53% إلا أن الكثير من الأفكار الخرافية ذات الأصول الوثنية تغلغلت في أفكارهم ومعتقداتهم، ومن ذلك اعتقادهم أن الأسلاف الذين ماتوا لهم تأثير على حياتهم، ومن ذلك أيضًا انتشار أعمال السحر وحفلات الزار التي استشرت خاصة في الأوساط النسائية.

ويرى البعض أن المرأة الأفريقية المقهورة والمضغوطة والمعنفة تستغل فكرة الزار بصورة لا شعورية كي تجد متنفسا مما تعانيه، فادعاؤها أنها واقعة تحت تأثير الجان يجعلها موضع شفقة وعدم مساءلة، وحفلات الزار بما تحمله من تجمع كبير يمنحها على نحوٍ ما جوّا من الترفيه الاجتماعي إلا أن استئناسها بالزار يجعلها تتمادى أكثر وتتوغل أكثر في المعتقدات الخرافية وسلوكيات الشعوذة والدجل وتتفاعل مع الأطروحات الوثنية التي تغص بمثل هذه الخرافات وتقدسها ومن ثم فالحاجة ماسة لداعيات مؤهلات لتصحيح عقيدة هؤلاء النساء المسلمات يتقنّ اللغات المحلية ويدركن العادات والتقاليد الحاكمة وهذا لن يتحقق إلا بكون هؤلاء الداعيات من النساء الأفريقيات أنفسهن.

فلابد للقائمين على شئون الدعوة العالمية تبني مشروع طموح لإعداد داعيات محليات يتم تعليمهن أصول العقيدة السليمة بالإضافة طبعا لطرق وأساليب الدعوة، ويكون هذا التعليم تفاعليا حتى تستطيع الداعيات إضافة المقترحات المناسبة للبيئة الأفريقية التي يعملن من خلالها خاصة أنهن لا يعملن وحدهن في هذا المجال بل يواجهن عدوا شرسا بالغ الثراء والإمكانيات وله باع كبير في التربة الإفريقية ألا وهو التنصير: وقد وضعت القوى الصليبية مخططاً حاذقاً لهذا الأمر كما يبين مؤتمر القاهرة التنصيري الذي عقد سنة 1906م والذي وضع توصيات محددة للتنصير الصريح للمسلمين في أفريقيا حين أوجب على المنصّر أو المنصّرة واجبات ملزمة نذكر بعضاً منها وهي([1]):

(1) تعلم اللهجات المحلية ومصطلحـاتها.

(2) مخاطبة العوام على قدر عقولهم.

(3) العلم بآيات القرآن ومعرفة الإنجيل.

(4) دراسة القرآن الكريم للوقوف على ما فيه.

(5) إقناع المسلمين بأن النصارى ليسوا أعداء لهم.

(6) زيارة المنصرات لبيوت المسلمين والاجتماع بالنساء وتوزيع المؤلفات والكتب التنصيرية.

فالتنصير في أفريقيا يتحرك ليتوسع في أوساط الوثنيين ولكنه أيضا يحاول التوسع على حساب المسلمين الذين -وفي كثير من الأحيان- لا يعرفون الكثير عن أمور دينهم وهو في هذا السياق يثمن دور المنصّرة لأنه يعرف جيدا كيف تستطيع النساء التأثير في النساء وسهولة الاجتماع بالنساء وعقد جلسات خاصة منفردة بينهن ولابد من وجود داعيات ليواجهن هذا التنصير وهؤلاء المنصرات.

ولعل ما سبق يدفعنا لتأمل بعض أساليب المنصّرين والمنصّرات في أفريقيا حيث غالبا ما نجد المنصرين متواجدين في أوقات النكبات والكوارث التي تكون مضاعفة بالنسبة للنساء لأنهن يتحملن مسئولية أنفسهن كما يتحملن مسئولية أطفالهن وربما أجنة في بطونهن. يكفي في هذا الصدد أن يقدم الطعام لجوعى على وشك الهلاك في غرفة وضع عليها الصليب أو صورة يسوع بزعمهم دون أن ينطق المنصر أو المنصرة حرفا واحدا وعندما يتم التعامل مع السكان المحليين بلطف وتقدم لهم المساعدات.

والمرأة الأفريقية البسيطة التي لا تعرف قدر الثروات الموجودة في بلادها ولا تقدر دور المستعمر في إفقارها واستغلالها هو ونخبته المحلية، فكل ما ستعرفه أنه في هذا العالم القاسي الذي تعيش فيه أن هذه المنصرة هي التي قدمت لها يد المساعدة وستنتظر المنصرة بفارغ الصبر أن تسأل الفتاة الأفريقية لماذا أنتم هكذا؟ مختلفون؟ تعاملوننا بلطف، وتركتم دياركم الثرية وجئتم لتعيشوا معنا هذه الحياة البسيطة، ووقتها فقط ستسعد المنصرة وتبتسم وتقول لها: لأن يسوع أمرنا بهذا، ثم تبدأ معها رحلة التنصير.

وفي هذا السياق لا يمكننا أن ننكر أنهم يبذلون الكثير من الجهد والمال. ولعل المنصر الشهير دانيال كمبوني نموذج لهذا الجهد حيث استقر في جنوب السودان ونجح في تنصير الكثير من أبنائه حتى أصبح هؤلاء المتنصرون الجنوبيون أحد أهم العوامل التي أدت لانفصال جنوب السودان وتمزق السودان وشرذمته، هذا الرجل أطلق شعاره الشهير: أفريقيا أو الموت ومبادرة "إنقاذ أفريقيا بواسطة أفريقيا"، وأعد خطة لإعداد كهنة من الأفارقة أنفسهم وأسس كمبوني مع أسقف فيرونا "معهد من أجل إرساليات أفريقيا الوسطى"، وفي سنة 1872م أسس كمبونى رهبانية "الراهبات بي مادري ديلا نجريتسيا" أي أمهات الرحمة للسود أو النيجروز، عدل الاسم لاحقا إلى "راهبات كمبوني للتبشير" وبعد سبع سنوات، أي في سنة 1879 قُبلت إحدى الشابات السودانيات كأول راهبة في السودان، ومن هنا أصبح هناك منصرون ومنصرات محليون أكثر قدرة على فهم الواقع الذي يتحركون فيه، ومن ثم أكثر إنجازا على مستوى النتائج.

التعليم والمستقبل

ترزح قارة أفريقيا تحت نير الجهل نتيجة لعوامل متعددة، يكفي في هذا الصدد أن نعلم (أن نسبة الأميّة في أفريقا تبلغ أكثر من 30% وأن نسبة النساء في هذه النسبة أكثر من 60%)، بل إن تسع دول أفريقية هي من ضمن الدول العشر الأكثر أمية على مستوى العالم حيث تصل نسبة الأمية في غامبيا إلى 63,5% وتبلغ نسبة المتعلمين في مالي 33,4% وفي سيراليون نسبة الأمية بها تصل إلى 63,7% بينما تقترب نسبة الأمية في الصومال من 73,8%، ووصلت الأمية في بوركينا فاسو إلى 77%، كما تكتظ الفصول بالتلاميذ، إذ يحتوي كل فصل على أكثر من 120 طالبًا.

تنفق حكومة تشاد 2% فقط من دخلها على التعليم، وتبلغ نسبة سكانها المتعلمين 34,5% ويستطيع 39% فقط من سكان إثيوبيا القراءة والكتابة وتبلغ نسبة المتعلمين في جمهورية بنين 42,4% فقط .. أما غينيا فتبلغ نسبة المتعلمين بها نحو 41%، كما أن 52% فقط من البالغين يعرفون القراءة والكتابة، ومعظم السكان تحت خط الفقر، لذلك فإن كثيرا من العائلات لا تستطيع شراء الكتب أو الزي المدرسي([2]).

فإذا علمنا أن نسبة النساء الأميات أكثر من 60% من هؤلاء الأميين لأدركنا كيف ينتشر الجهل وتنتشر الأمية وسط النساء الأفريقيات، لذلك اهتم المنصرون اهتماما خاصا بالتعليم مثل دانيال كمبوني الذي تحدثت عنه سابقا والذي قام بتأسيس عدد من المدارس أطلق عليها اسم مدارس كمبوني، وطبعا كان للاستعمار دور مهم في تمكين المنصّرين في مجال التعليم حيث فتحت القوى الاستعمارية الباب على مصراعيه للمبشرين النصارى من كل مذهب وملّكتهم وسائل التعليم لحد كبير حتى كان 95% من التعليم في إفريقيا جنوب الصحراء تحت إشراف الكنائس والبعثات التبشيرية، وقد هدفت البعثات التبشيرية في تلك المرحلة إلى:

(أ) المساهمة الفاعلة في تعليم المسيحيين في الدول الأفريقية مختلف أنواع المعارف الإنسانية التي تمكّنهم -دون سواهم- في المستقبل من تسيير دفة الأمور في البلاد.

(ب) إعداد طبقة من سكان البلاد الإفريقية إعداداً فكرياً ونفسياً واجتماعيا ليكونوا في خدمة المستعمرين والمبشرين حتى يمكن نشر المسيحية على أوسع نطاق.

(ج) تنصير أكبر عدد ممكن تنصيرا مباشرا لتغيير التركيبة السكانية نهائياً لصالح النصرانية([3]).

 هذه النخبة المتعلمة التي درست في مدارس التنصير هي التي تسلمت الحكم بعد رحيل الاستعمار رغم أنها غالبا ما تكون من الأقليات في بلدها ومن ثم سعوا لخلق مجتمع أفريقي على الطريقة الغربية فسارعوا للموافقة على كل ما جاء في المؤتمرات الأممية المتعلقة بالمرأة، وأصبحت المرأة الأفريقية أسيرة بين الجهل والخرافات من جهة، وبين النموذج التغريبي من جهة أخرى، وأصبح لزاما على الإسلاميين المعنيين بالشأن الأفريقي أن يتوسعوا في إنشاء المدارس الإسلامية التي تمزج بين العلوم الحياتية المختلفة وبين دراسة تعاليم الإسلام، وألا يفرقوا في مدارسهم هذه بين الذكر والأنثى لأي أسباب سياسية أو قبلية عرفية لأن التعليم سيجعل عقول النساء مستنيرة تأبى الخرافات سواء جاءت من الوثنية الأرواحية التقليدية أم جاءت عبر خرافات الكنيسة والتنصير أو حتى من أدعياء الحداثة. 

الصحة والاقتصاد

هناك أمراض كثيرة تفتك بأفريقيا وبالنساء فيها حتى أثرت على نوعية الحياة فيها، فيكفي أن نذكر في هذا الصدد انتشار الإيدز بإفريقيا، ففي دولة جنوب أفريقيا يوجد أكثر من 5 ملايين مصاب بالفيروس، وهي الأولى عالميا، تليها الهند. وفي أفريقيا جنوب الصحراء التي يعيش بها عُشر سكان العالم فقط يوجد 60 في المائة من المصابين بفيروس الإيدز في العالم أجمع، وقد توفي ما يقدّر بنحو 2.4 مليون شخص بأمراض متعلقة بالإيدز في عام 2005 في أفريقيا جنوب الصحراء وأصبح 3.2 مليون شخص آخرين مصابين بالفيروس الذي ينتقل عن طريق ممارسة الجنس واستعمال إبر الحقن لأكثر من شخص كما ينتقل من الأم إلى الطفل أثناء الولادة أو الرضاعة.

بل إن مرض مثل الملاريا هو القاتل الأول في أفريقيا وسبل مواجهته أسهل بكثير من الإيدز وعلى الرغم من ذلك يزداد توغلا وفتكا خاصة بالأطفال الصغار أقل من 5 سنوات.

ومن المعروف أن المؤسسات التنصيرية استغلت الوضع الصحي ففتحت المستشفيات والعيادات المتنقلة وبذلت جهدا كبيرا لربط هذه الخدمات بمشروع التنصير الكبير، ومن المعلوم أن قارة أفريقيا كانت بعيدة عن النصرانية حتى عصر الاستعمار عندما ارتبط التنصير بالاستعمار الذي نهب خيرات القارة حتى بعد رحيله، فبرغم ما تنعم به القارة من ثروات ضخمة فإن 59% من سكانها يعيشون تحت خط الفقر.

وتصنّف إحدى وعشرون دولة إفريقية تحت بند الدول التي تفتقر إلى الأمن الغذائي من بين سبع وثلاثين دولة في العالم تصنف تحت هذا البند، ولا شك أن هذا كله انعكس على المرأة الأفريقية التي تعاني -بجانب الجهل- من المرض ومن الفقر رغم أنها تعمل في كثير من الأحيان لنحو 16 ساعة ما بين جلب المياه من مناطق بعيدة والعمل في الحقل ورعي الأغنام وأعمال المنزل من طهي وتنظيف.

وعلى الرغم من هذا الجهد الشاق تعيش هذا الفقر على كافة المستويات وتمنعها العادات والتقاليد من تملك الأرض، لذلك يجب أن نعرّفها بحقوقها التي منحتها لها الشريعة، ليس هذا فحسب، بل لا بد من منظمات إسلامية تتبنى هذه الأفكار وتطبقها وتنزلها على أرض الواقع تدريجيا، فمِن حق المرأة الأفريقية أن نلتفت لها لأننا مأمورون بذلك وألا نفكر بنهج البرجماتية التي تهتم بالمرأة الغربية وتراها إضافة تستحق الجهد بينما نقلل من شأن الأفريقية لأنها ملغمة بالمشكلات.

 

 

 



[1] - د. الناصر أبو كروق، التنصير الحديث في أفريقيا وخلفيته التاريخية وبعض وسائله.

[2] - هذه الأرقام نقلا عن موقع أخبار 24.

[3] - د. الناصر أبو كروق، مصدر سابق.   

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق