إخفاق الربيع العربي.. خيانة النخبة السياسية!
الخميس 16 يوليو 2015

د. محمد أبو رمان – صحيفة التقرير 9/7/2015

 

تتلذّذ نخب ثقافية وسياسية عربية في تحميل الإسلاميين مسؤولية إخفاق الثورات الشعبية العربية نتيجة حرصهم على السيطرة على السلطة عبر ولوج الانتخابات والحصول على الأكثرية، ثم العمل على “أخونة” أو “أسلمة” الأنظمة السياسية.

بالطبع هذه النخب التي قبلت، ابتداءً، بتوصيف ما يحدث بأنّه ثورات شعبية من أجل حقوق الشعوب العربية المسلوبة في تقرير المصير والحقوق الأساسية والديمقراطية؛ فهنالك نخب عربية يسارية وقومية وقفت مبكّرًا ضد هذه الثورات، بعدما كانت قد أيّدتها ضد نظامي حسني مبارك في مصر وزين العابدين في تونس.

لكن، لما وصلت الاحتجاجات للنظام السوري، تحديدًا، الذي يمثّل في نظرها الحصن الأخير لحزب البعث والقوميين واليساريين؛ قلبت هذه النخب ظهر المجنّ للربيع العربي، وأعادت تعريفه بأثرٍ رجعي بوصفه مؤامرة أمريكية صهيونية لإعادة ترسيم خارطة المنطقة.

لم تتردد تلك النخب اليسارية والقومية في الوقوف إلى جوار نظام بشار الأسد ودعمه بكل قوة، سياسيًا وإعلاميًا؛ بذريعة ما كان يسمّى “معسكر الممانعة”، وتغاضت تمامًا عن حقوق الشعب السوري والبدايات الصادقة للثورة السلمية، التي تم التعامل معها بوحشية وقمعية شديدة، بل وبررت للنظام ارتكاب المجازر والقيام بانتهاكات جماعية سافرة لحقوق الإنسان تحت عنوان مواجهة “المؤامرة”، ودافعت عن حزب الله لما دخل على الخط الطائفي السافر ليقاتل مع النظام السوري ويقاتل معه ضد المقاومة السورية المسلّحة.

المفارقة أنّ النخب القومية واليسارية لم تتخلّ فقط عن المشروع الديمقراطي، الذي ادّعت بأنّها آمنت به؛ بل خلعت أيضًا أفكارها العلمانية والقومية ودعمت المشروع الإيراني في المنطقة، ووقفت إلى جوار حكومة نوري المالكي، وهو المشروع الذي تلبّس بالبعد الفارسي الطائفي، وكل ذلك بذريعة مواجهة المشروع الصهيوني في فلسطين.

لم تقف عملية “التحايل المعرفي” (تبرير الاختلالات في مواقف هذه النخب) عند حدّ القبول بالتضحية ببغداد ودمشق والمدن الأخرى، ولا تشريد الشعب السوري، وما وصلت إليه الأمور فقط بسبب تمسّك الأسد بكرسي الرئاسة؛ بل وجدنا هذه النخب ترحّب بأي اتفاق نووي أمريكي إيراني، بذريعة لعبة المصالح وتوازن القوى، وهي التي فسّرت موقفها مسبقًا ضد الربيع العربي، لأنّه مؤامرة أمريكية، فيما يبدو أنّ المؤامرة الأمريكية فقط تكمن بوصول التيار الإسلامي إلى الحكم، أما أي تحالفات أمريكية مع أي قوى أو أنظمة أخرى فهذه تعدّ شيئًا آخر!

هذا عن الطيف الأول من النخب العربية، التي وقفت مبدئيًا ضد الثورات الشعبية العربية. أما الطيف الثاني، فهو النخب التي أيدت الثورات الشعبية والديمقراطية العربية وسارت في ركابها، وبعضها كان له دورٌ كبيرٌ وفاعلٌ ومهمٌ في نجاح هذه الثورات والتنظير لها، ودفع فاتورة كبيرة لوقوفه ضد السلطة في مرحلة الديكتاتورية والقمع.

لكن، بعدما شهدت التحولات الديمقراطية الوليدة في مصر وتونس والمغرب ودول أخرى نجاحًا كبيرًا للتيارات الإسلامية عبر صناديق الاقتراع، وبذريعة القلق على المكتسبات العلمانية والمدنية، والخشية من تديين السياسة وأسلمة النظام؛ أعاد شطرٌ كبيرٌ من النخب السياسية العربية تدوير مواقفه -بذريعة حماية المكتسبات العلمانية المدنية والخشية من أسلمة الحياة السياسية وأخونة الدولة- ليقف مع الثورة المضادة ويؤيد حكم العسكر والانقلاب ضد الديمقراطيات وتأييد الأجندة الإقليمية العربية المحافظة، التي انتفضت مؤخرًا بدعوى الوقوف ضد التيار الإسلامي، لكن الأجندة الحقيقية لهذه الدول هي التخلّص من الربيع العربي وإيقاف هذا القطار حتى لا يصل إلى دول أخرى في المنطقة!

الثورة المضادة نجحت بقوة في مصر؛ إذ استطاع العسكر القيام باستثمار الخطايا التي ارتكبها الإخوان المسلمون خلال مرحلة الحكم، وتوظيف الأموال والإعلام لتأليب الشارع عليهم، وصولًا إلى تبرير إسقاط الرئيس المنتخب محمد مرسي بانقلاب عسكري، وردّ مصر إلى حظيرة الحكم الديكتاتوري العسكري، بصورة أسوأ وأكثر سفورًا مما كانت عليه الحال أيام حسني مبارك.

صحيح أنّ الإخوان المسلمين يتحملون قسطًا وافرًا من المسؤولية في إنجاح الدعاية الإعلامية والسياسية ضدهم، بما ارتكبوه من أخطاء فادحة في المرحلة الانتقالية، وعجزهم عن بناء تقدير صحيح للموقف أو قراءة اللحظة التاريخية، ولأسباب أخرى مرتبطة بنرجسية التنظيم وهيمنة التيار المحافظ على القيادة؛ لكنّ، مع ذلك، تحميل الإخوان وحدهم المسؤولية عن إفشال الربيع العربي ظلمٌ كبيرٌ وقفزٌ عن دور كان له تأثير أكبر وأخطر مما ارتكبه الإخوان من أخطاء، وهو دور النخب السياسية والمثقفة في تبرير الانقلاب العسكري والتصفيق له ومنحه الشرعية السياسية والإعلامية والشعبية لمجرد التخلّص من كابوس الإخوان المسلمين وخوفًا مما كانوا يمتلكونه من قاعدة شعبية جارفة!

ربما المدخل الجيّد لفضح هذه الخيانة من قبل النخبة العربية يتمثل في الاعترافات التي أدلى بها مؤخرًا الدكتور محمد البرادعي، نائب الرئيس المصري السابق (بعد انقلاب 3 يوليو)، في ندوة لمعهد الجامعة الأوروبية في مايو الماضي، حول الخطة التي وقع عليها مع المبعوث الأوروبي برناردينو ليون حول عزل الرئيس محمد مرسي، وكشفه كيف خدع العسكر الدكتور البرادعي؛ إذ تم “إلقاء كل ما تم الاتفاق عليه من النافذة” -على حد تعبيره- لينسحب من المشهد، ويغادر مصر.

وبالرغم من مشاركة الدكتور البرادعي في الإطاحة بالرئيس مرسي وتعبيد الطريق للعسكر؛ إلاّ أنّه وغيره من مثقفين عارضوا الإخوان وهاجموا الرئيس السابق، اكتشفوا مبكرًّا الخديعة، وقرروا عدم الاستمرار في مسلسل التبرير والتزمير لحكم العسكر؛ فوجدناه مع عمرو حمزاوي وبلال فضل وباسم يوسف يعلنون رفضهم لاستبدال الإخوان بالعسكر، وإن كانوا لم يصلوا إلى درجة الاعتراف الكامل بما قاموا به من دور في تضليل الشارع المصري والعربي ومنح المشروعية للانقلاب العسكري.

المعضلة لم تقف عند حدود استغلال العسكر لهذه النخبة المصرية في تبرير الانقلاب، بل تجاوز ذلك إلى النخبة العربية عمومًا؛ إذ وجدنا شريحة واسعة أيدت تلك الخطوة بالذرائع نفسها، وتحت تأثير وجود أشخاص مثل البرادعي وحمدين صباحي (اليساري) في جوقة الانقلابيين، فسارعوا إلى تأييد ما سميت ثورة 30 يونيو وانقلاب 4 يوليو؛ بوصفهما تصحيحًا للمسار الديمقراطي وتخليصه من القوى الانقلابية!

كل ذلك كان يمكن أن نفهمه في سياق الصراع الأيديولوجي المحتدم، وفي خضم الغفلة المبكّرة عن نوايا العسكر وخدعتهم؛ لكن تبرير ما حدث من مجازر بعد ذلك بحق الإخوان في رابعة والنهضة والاعتقالات وأحكام الإعدام والزج بآلاف الشباب في السجون بمحاكمات صورية مفضوحة، وبدور الإعلام في شيطنة الإخوان وتأييد السيسي وتبرير الفاشية والسياسات المكارثية التي اتخذها النظام، فهو ما لا يمكن إدراكه إلاّ في سياق التخلّي الكامل عن أي حلم ديمقراطي والتهليل والترحيب بالديكتاتوريات العسكرية الفاشية خوفًا على المصالح الشخصية ولإيجاد دور في معادلة النظام الجديد، حتى لو كان مستبدًا وفاسدًا وقضى على مخرجات الربيع العربي قضاءً مبرمًا!

انسحب، لاحقًا، آخرون من هذه النخب المصرية والعربية ممن لم يستطيعوا تبرير كل ما يقوم به النظام المصري، ممن وجدوا أنّهم لم يحصلوا على ما يريدون من منافع أو أنّهم، في أحسن أحوالهم، ذكاءً من رفاقهم الذين سبقوهم؛ وانسحبوا من تأييد الثورة المضادة، ومن أبرز هذه الأسماء الأديب علاء الأسواني، أحد أبرز وأهم الكتّاب الذين هاجموا حكم مبارك في مقالاته الرائعة حينها في صحيفة الشروق، لكنّه تحت “صدمة” الانتصارات الانتخابية الإخوانية، أيد الانقلاب وبقي على هذه الحالة إلى فترة قريبة جدًا.

في العالم العربي، انحاز التيار الواسع من النخب العربية من اليساريين والقوميين، وبدرجة أقل الليبراليون، في نهاية اليوم إلى التيار المعادي والمشكّك في الثورات الشعبية العربية. نسبة معتبرة، وإن كانت محدودة، من هذه التيارات عادت إلى رشدها مؤخرًا؛ وبدأت تدرك حجم الخيانة التي قامت بها، ووقعت فيها، في تأييدها للثورات المضادة، سياسيًا وإعلاميًا.

بيت القصيد، كما نتحدث عن أخطاء الإسلاميين ونطالبهم ببيانات واضحة لتصفية الحساب مع المرحلة السابقة وضمانات لعدم ارتكاب الحماقات نفسها؛ فإنّ النخبة السياسية العربية التي تريد الاندماج مرّة أخرى في قطار التحرر الديمقراطي مطالبة أكثر من الإخوان باعتذار عن مواقفها وبضمانات بالقبول بالديمقراطية حتى وإن كانت النتيجة الإسلاميين، إذا التزموا بقواعدها وأصولها ونتائجها!

  

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق