العراق ضحية نظريتي الفوضى الخلاقة وفوضى التوحش
الخميس 16 يوليو 2015

 

 عبد الهادي علي – كاتب عراقي

خاص بالراصد

منذ أن احتُل العراق سنة 2003 وهو يعيش دوامات من القتل والمعارك والدماء لا تتوقف، طالت أبناء العراق بصورة عامة من جميع طوائفه وأعراقه (إثنياته)، ولا يزال العراق لليوم يعيش بين نوعين من الفوضى، ومَن يدرس حالة العراق بصورة جيدة يدرك بسهولة حقيقة ما يجري في بقية البلدان، ونوعا الفوضى في العراق هما:

فوضى قادمة من خارج البلاد: وهي ما سميت بالفوضى الخلاقة، وكانت بدايتها سنة 2003، وانتهت بخروج المحتل سنة 2011.

وفوضى من داخل البلاد: وهي فوضى التوحش، التي بدأت مع دخول المحتل وما زالت مستمرة ليومنا هذا.

أما الأولى (الفوضى الخلاقة) فمن أوائل من نظّر لها مجموعة من اليهود الماسونيين قبل مئات السنين في أوربا، وكان التنظير لها دينيا([1])، والفوضى الخلاقة([2]) حسب رؤية مؤسسها مايكل ليدين هي فكرة تشبه في علم الإدارة (الإدارة بالأزمات) مع اختلاف في الوسائل والغايات، فهي حالة من الفوضى تنتهي إلى استقرار جيد، ولتطبيقها بشكل جيد فإن استغلال حالات الدكتاتورية الأحادية في الدول العربية تعدّ البيئة الأنسب لانطلاق مثل هذه الفوضى وجعل أفكار الجمهور جاهزة للفوضى والحلم.

والفكرة مركبة من نظرية هنتنغتون (صراع الحضارات)([3])، ونظرية فرانسيس فوكوياما (نهاية التاريخ)([4])، والتي طورها على أرض الواقع أحد أهم المحاضرين في وزارة الدفاع الأمريكية البروفسور توماس بارنيت، وهي تصف بلداننا العربية بالثقب الأسود، ودول الثقب هذه هي الدول المصابة بالحكم الاستبدادي، والأمراض والفقر المنتشر، والقتل الجماعي والروتيني، والنزاعات المزمنة، وهذه الدول تصبح بمثابة مزارع لتفريخ الجيل القادم من الإرهابيين، وكانت البداية من العراق، لأن احتلال العراق سيجعل هذه الدول لا  تهدد أمريكا بصورة مباشرة([5]).

لذا كان بدء إسقاط هذه النظرية على الواقع حديث العهد، فقد بدأ التفكير بتطبيقها عمليا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وهذا ما حصل فقد احتل العراق وبقيت حدوده مفتوحة، وحلّ جيشه لتحل فيه الفوضى، وكانت البداية بتمكين فئات أخرى (الشيعة والكرد) على الفئة الأم (السنة  العرب) لتوجد نوعا من الاحتقان الطائفي وظفته إيران- هذا إن لم تكن هي شريكة مع الغرب في المخطط- بواسطة ميلشيات شيعية تابعة لها في العراق، وقام الكرد بالتعاون مع الشيعة بإقصاء العرب السنة والتضييق عليهم، مع التظاهر بممارسة دور الحريص عليهم، فقد حث الكرد كثيرا من ضباط الجيش السابق العراقي لتشكيل ميلشيات سنية لمقاومة الميلشيات الشيعية، وكان هذا دفعا مبكرا لحرب طائفية، ولكن السنة توجهوا لمحاربة المحتل وأثخنوا فيه، لهذا أسرع الغرب الأمريكي بتطبيق نظريته بإثارة الميلشيات الشيعية ضد السنة، فاستجابت قوات بدر لذلك، ومِن بعدها جيش المهدي، وحزب الله- العراق وغيرها من الميلشيا الشيعية، كما أن الأمريكان سهلوا لهم الحصول على الأموال من سرقات النفط، وبقية السرقات، والقضية لم تنتهِ ليومنا هذا.

وأما الفوضى الداخلية الثانية (فوضى التوحش)، فهي لا تخصّ العراق بل تعم الأمة العربية والإسلامية، إنها فوضى نشأت لتردّ على الفوضى الخلاقة التي صنعها الأجنبي من وجهة نظر متطرفة وهي مجموعة القاعدة وأخواتها، وأن إدارة هذه الفوضى هي السبيل الأمثل – بل الوحيد- للتغيير الإسلامي حسب رؤية متطرفة، ولابد أن يمر هذا التغيير بثلاث مراحل:

·        تملك شوكة النكاية بالعدو.

·        وصولا إلى حالة إنهاك العدو.

·        إلى الدخول في مرحلة إدارة التوحش([6]).

 ورغم أنهم يعلمون سلفا أن ذلك سيترتب عليه تشريد الملايين من أهل السنة، وتدمير اقتصاد ومصالح الدول الإسلامية؛ لكنهم يبررون ذلك بأنه أمر لابد منه لتحقيق الهدف الأسمى وهو إقامة شرع الله ودولة الخلافة، فلا بأس بالخسائر مهما كبرت.

ربما يُسهّل هذا التوصيف علينا فهم جزء كبير مما يجري اليوم في العراق وسوريا وسيناء وليبيا، وفهْم دافع طريقتهم الهوجاء في تحقيق هذه الغاية العظمى، مما يفسر كثيرا من التصرفات التي هي مثار جدل بين الدارسين لهذه الجماعات وهو تعاونها مع جهات مشبوهة بل عدو لهؤلاء مثل إيران وروسيا، فمَن لا يكترث ولا يبالي بقتل وتشريد آلاف السنة فهل سيبالي بعدم إقامة علاقة مشبوهة مع مخابرات عالمية، وإذا عظمت الغاية هانت كثير من الوسائل وأصبحت الميكيافيلية هي سيدة الموقف، مهما طنطن هؤلاء بالمبادئ، فما يخوّن به الغير هو مباح لهم؛ لعظم الغاية في نظرهم، وأن ما يباح لهم لا يباح لغيرهم.

أحَرام على بلابله الدوح           ....              حلال للطير من كل جنس

ويعلم الجميع أن العراق بعد الاحتلال أصبح قبلة للجماعات المتطرفة من جميع أنحاء العالم، وما سهّل ذلك إبقاء حدود العراق سائبة بشكل متعمد أوائل أيام الاحتلال، فتواصل قدوم الجماعات المتطرفة من كل حدب وصوب إلى العراق، وتشكلت عدة تنظيمات لهم، تمثلت بدولة العراق الإسلامية 2006م، ومن ثم تطورت إلى الدولة الإسلامية في العراق والشام، ومن ثم الخلافة الإسلامية، لكنها لم تعد تقتصر على العراق بل أصبحت تمتد على أرض العراق وسوريا، هذه الجماعات جميعها قامت على فكرتين أساسيتين:

1-    أن وجود الفوضى أو المشاركة بصناعتها هو مدخل مناسب للتغيير نحو مشروع جهادي عالمي (إدارة التوحش).

2-    هذه الجماعات تتصور أنه بحصولها على بقعة أرض ومن ثم إعلان إمارة إسلامية، تنطلق منها نحو العالم لمحاربته، هي البداية الصحيحة لنشر الإسلام في العالم.

وهذا ما طُبّق في العراق عمليا منذ 2006 إلى ظهور داعش، ونجاحها في السيطرة على مناطق  بين العراق وسوريا.

المهم هنا أن صناعة الفوضى مطلب لهؤلاء مثلما هو مطلب للغرب؛ لذا أصبح العراق بين فوضى خلاقة وفوضى التوحش، وكانت المناطق السنية في العراق وسوريا([7]) غالباً هي مسرح تطبيق ذلك.

ومعلوم أن خطة الحكومة العراقية (المالكي) ومن ورائها إيران من سنين هي تحويل المناطق السنية لمناطق رخوة تعبث فيها القاعدة، إلى أن ظهرت داعش، والتي تتضارب الآراء في دورها وهل انقلبت على المخطط الإيراني والشيعي في العراق باحتلال الموصل، أم أنها تنفذ اليوم أجندة إيرانية ذكية جدا للتمكين أكثر على الأرض؟

لكن هذه الفوضى بنوعيها الخارجي والداخلي هي اليوم أداة تقسيم وتدمير للعراق وبقية الدول العربية والإسلامية.

ما يُمارس اليوم في دولنا من خلال أدوات كداعش والميلشيات الشيعية والحشد الشيعي له ثمرة واحدة فقط، هي تحطيم قوة وحضور أهل السنة، وإن النظرة التاريخية السليمة تعطينا مؤشرا لابد من معرفته أنه لا يوجد لحظة تاريخية وقف فيها الغرب المسيحي، ولا الشيعة ولا الخوارج مع المصلحة الحقيقية للأمة الإسلامية، فلماذا تحلم بعض نخبنا بأن يأتي لنا خير من هؤلاء أو هؤلاء؟!

وملاحظة أخيرة ومهمة أن آخر خريطة نُشرت لتقسيم المنطقة، والتي نشرت في مجلة (نيويورك تايمز) 2013 لا يوجد فيها إشارة لتقسيم إيران!!

 

 



[1] - انظر مقال (المسلمون بين فكّي الماسونية ونظرية الفوضى الخلاقةد. أحمد إبراهيم خضر، في موقع الألوكة، 18/2/2012م.

[2] -  عن الفوضى الخلاقة، انظر: عصر الإسلاميين الجدد، د. وليد الهوريني، ص20.

[3]- صدام الحضارات إعادة صنع النظام العالمي، صامويل هنتنغتون، ترجمة: طلعت الشايب، ص 181.

[4]- مع ملاحظة أن النظريتين متناقضتان، لكن ما يجمعهما هو معاداة الحضارة الإسلامية. انظر: مقال د. أحمد إبراهيم خضر السابق.

[5]- خارطة الدم، د. وليد الهوريني، ص 83.

[6]- كتاب "إدارة التوحش" لأبي بكر ناجي، منشور على شبكة الإنترنت، ولا يُعرف من هو الناجي بالضبط!  

[7] - وما يحدث في مصر اليوم ضد الإخوان.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق