المرأة في دراما رمضان.. ويستمر مسلسل الابتذال
الخميس 16 يوليو 2015

 

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

خاص بالراصد

هناك مستجدات في مجتمعاتنا الحديثة لم يكن لها شبه فيما مضى، ففي القرن الماضي نشأت صناعة السينما وبعدها الدراما التلفزيونية، وهي فنون جديدة تدخل كل بيت الآن بغاية السهولة وهي جد مختلفة عن المسرح الذي يتم الذهاب إليه لأن الأعمال السينمائية والدراما التلفزيونية هي من تأتي إلينا بمجرد ضغطة زر بل إن السنوات الأخيرة شهدت فارقا نوعيا بسبب الأقمار الصناعية التي جعلت السماوات مفتوحة.

 وبعد أن كان البث أرضيا وأمام المشاهد قناتان أو ثلاث تعرض عددا محدودا من الأعمال الدرامية أصبح لديه مئات القنوات التي تبثّ عددا مهولا من الأعمال حتى أنه في رمضان هذا العام يوجد نحو ثمانين عملا جديدا ما بين مسلسلات وبرامج مصنوعة خصيصا للعرض في رمضان حيث أنهم جعلوا من شهر الطاعات الموسم الذهبي للترفيه والتسلية وتم الإنفاق ببذخ على هذه الأعمال حتى تجذب المشاهد بل وتتفنن في جذبه وتتسابق على ذلك.

ورغم أن جهودا كبيرة بُذلت ولا تزال تبذل لصدّ الناس عن هذه القنوات إلا أن الحقيقة أن من يشاهدها أكثر بكثير جدا ممّن يمتنع عنها، ومتابعة هذه القنوات إن كان ما يقدم فيها مباحا إلا أن فيه الكثير من الوقت المهدر، لكن الأسوأ أن ما يقدم فيها وفي كثير من الأحيان فيه مخالفات شرعية وعقائدية ناهيك عن الفساد الأخلاقي والانحلال والرذائل التي تغص بها لذلك دعا الكثيرون لمقاطعة هذه القنوات خاصة في شهر الصيام ولكن وكما ذكرتُ سابقا فإن الاستجابة محدودة لأطروحة المقاطعة وربما استجاب البعض جزئيا بمتابعة محدودة أو متابعة بين الحين والآخر.

 هذه الإشكالية لم تكن مطروحة من قبل، وأصبح لا بد من حل جذري لها فالرفض والمواجهة السلبية غالبا ما تمنى بالخسارة بينما تقديم بديل هو المواجهة الإيجابية، والبديل النظيف عمل ليس بالهيّن ولن يكون كاملاً بمقاييس الفن العلماني، وبحاجة لتقنيات ومهارات وأموال كثيرة.

مما يندرج في التمهيد لمشروع تقديم البديل النظيف رصد وتقويم الموجود السيئ، ومن ذلك ما تقوم به بعض المراكز البحثية من رصد دقيق للأعمال الدرامية المقدمة من خلال فريق بحثي منظم.

في رمضان هذا العام عملتُ مع فريق من الباحثين لرصد مخالفات وتجاوزات الدراما في رمضان وأتاح لي ذلك التعرف على الأفكار والقيم التي يروجون لها خلال شهر الصيام عبر أعمالهم الدرامية التي يستعدون لها شهورا طويلة وينفقون عليها أموالا طائلة، وبغضّ النظر عن كم المخالفات الموجود في هذه الأعمال فإنها تقدم شكلا ما للحياة، صورة عن الأدوار الاجتماعية،  تروج لقضايا فكرية وسياسية بأسلوب يخاطب العاطفة والوجدان فحوار العقل يواجه بالمناقشة والرد أما حوار العاطفة فهو يقتحم القلوب خلسة دون استئذان بل يشكل وجدانا اجتماعيا.

دققت في الصورة، تلك الصورة المفترض أنها تعبر عن الواقع وربما تلك التي تستشرف شكل المستقبل والسؤال المحوري الذي حاولت البحث عن إجابة له هو: ما مدى نجاح الفكر النسوي للتغلغل في أطروحات هذه الأعمال الدرامية؟

والنتيجة التي خلصت إليها وجود صورة بالغة التشويه للمرأة في هذه الدراما ولكنها لا تصبّ في خانة الفكر النسوي.

"القومي للمرأة" يهاجم

ولعل هذا ما دفع المجلس القومي للمرأة لشن حملة شديدة على هذه الأعمال حيث قالت السفيرة ميرفت التلاوي رئيسة المجلس القومي للمرأة إن المجلس يناشد منذ 4 سنوات بإيقاف هذه الأعمال المخلّة ولكن مازال العنف والعري موجودا بالأعمال المقدَّمَة، وطالبت بضرورة إيقاف استخدام "الألفاظ الخارجة" و"الضرب" في الدراما، مؤكدة: "إحنا مش كلنا غجر بالشكل ده" كما طالبت بضرورة وجود تعاون وتنسيق بين القائمين على العمل الفنى لإنتاج عمل يقدم هدفا قوميا أو قدوة يحتذي بها الشباب.  

فيما قالت الدكتورة هدى بدران رئيسة الاتحاد العام لنساء مصر إنه لا توجد أية رسائل مقدمة من الأعمال الرمضانية هذا العام تنعكس بشكل إيجابي على وضع النساء، قائلة: "للأسف أنا أول ما شفت مسلسل سمية الخشاب وفيفى عبده فى (يانا يا انتي) قررت أقفل التلفزيون وما اتفرجش على أي مسلسل لآخر الشهر". وأضافت أن الدراما تؤثر فى الكثير لأن المصريين لا يقرأون، وأعتقد أن قراءة كتاب أفضل من مشاهدة ذلك".

بينما شنت اليسارية كريمة الحفناوي رئيسة الجبهة الوطنية لنساء مصر حملة على مضمون الأعمال الدرامية المقدمة بقولها: نموذج المرأة الضعيفة التى لا يشغل بالها سوى الزواج ما زال مسيطرا على الفن، وأكدت الحفناوي أن الانطباع الأول لبعض الأعمال الدرامية المذاعة يعطي مؤشرا أن الدراما المصرية ما زالت تتناول بشكل أكبر الصورة السلبية للمرأة المصرية خاصة في السنوات الأربع الأخيرة، وفي الوقت الذي تناشد فيه المنظمات النسائية القائمين على الإعلام والفن والإبداع بالنهوض وتغيير الثقافة الذكورية والمتطرفة تجاهنا والتي ظهرت في السنوات الأخيرة نتيجة حكم الجماعات الإرهابية إلا أن النماذج المقدمة تسيطر عليها إبراز الأنثى بأنها ضعيفة ومنحرفة ولن يشغلها سوى الزواج وتربية الأبناء.

لم ينجح الفكر النسوي إذن في الترويج لنموذجه الذي يبشر به ولم يستطع فرض ثقافة النوع من خلال الأعمال الدرامية التي تقوم بما يشبه عملية التربية لضمير المجتمع ولكن وللأسف الشديد لم يستطع أصحاب التوجه الإسلامي أن يقدّم على أي نحو كان صورته المنشودة للمرأة وبقيت الصورة النمطية للمرأة هي سيدة الموقف، فما هي ملامح تلك الصورة النمطية للمرأة في الدراما العربية كما تتضح في المسلسلات التي تعرض هذا العام.

فتاة الليل المسكينة

هناك ولع من القائمين على أعمال الدراما بشخصية فتاة الليل، حيث يتم تسليط الضوء عليها كما لو كانت تشكل محورا أساسيا في حياة المجتمع، ويتم الغوص في الشخصية لكي يتم تقديم مبرر ما لانحراف مثل هذه النوعية من النساء. هذا العام هناك العديد من المسلسلات التي تتحدث عن فتيات الليل، تم رصد مسلسلين تلعب فيهما فتيات الليل دورا أساسيا هما مسلسل (مولانا العاشق) ومسلسل (حالة عشق).  

ويتفق المسلسلان على أن هؤلاء الفتيات مجبرات على ممارسة الدعارة بالإكراه فالمسلسل الأول تُخيّر فيه الفتيات بين أمرين: القتل أو ممارسة الفاحشة، فبيت الدعارة ترسل إليه الفتيات المغضوب عليهن من الكبار كلون من العقاب لهن، والمسلسل الثاني تُجبر الفتيات فيه على هذا العمل في البداية بدافع الجوع والفقر، وعندما يرفضن هذا الوضع يتم تهديدهن إما باسطوانات تم تسجيلها لهن خلسة وإما بالرصد والملاحقة والعنف، والدراما تصور هؤلاء الفتيات وقد امتلأت قلوبهن بالمحبة والشفقة على أنفسهن من الظلم الواقع عليهن ولا يجدن سبيلا للفرار منه ولو للحياة مع رجل واحد فقط، طبعا دون زواج، لأنهن لا يطمحن لذلك بسبب الظروف التي أرغمتهن على ذلك.

رفع الوصمة عن فتاة الليل لأنها مجبرة على ذلك وسط مجتمع لا يرحم، مجتمع مليء بالخطايا والذنوب هو الهدف النهائي من هذه الأعمال، وذلك على المستوى الفكري، أما على المستوى الأخلاقي فهو تبرير هذه الجرائم لأنه لا يوجد إنسان معصوم أما على مستوى جذب الإعلانات فالهدف بالغ الوضوح فالمخرج ينتقي أجمل الفتيات اللاتي يلبسن ملابس بالغة الإثارة وتصور مشاهد شديدة الوقاحة تبدأ من الرقص الخليع وتنتهي لمشاهد قذرة ويعرض ذلك كله في شهر الصيام وليالي القيام، كان الملهى الليلي الذي تتجمع فيه الفتيات حيث الرقص الخليع وشرب الخمر مشهدا يكرر يوميا وصورة الفتاة المسكينة الممتلئ قلبها بالمشاعر النبيلة بينما هي مضطرة لبيع جسدها أحد محاوره الرئيسية.

ثورية يسارية 

على الرغم من أن الفكر النسوي لم ينجح في تقديم أعمال موجهة تتبنى فكره إلا أن ذلك لم يمنع من تقديم نماذج جزئية مرتبطة بهذا الفكر، ومن ذلك المسلسل السياسي (أستاذ ورئيس قسم) الذي يتحدث عن دور اليسار وتحديدا الاشتراكيين الثوريين في معارضة نظام مبارك ودوره أثناء اندلاع ثورة يناير وما تلا ذلك من أحداث من خلال الدكتور فوزي جمعة، الأستاذ بكلية الزراعة ورئيس قسم الحشرات فيها، وهو المسلسل الذي تم الإنفاق عليه ببذخ.

 وبغضّ النظر عن كمّ المغالطات الموجود في المسلسل واستهزائه الشديد بالتيار الإسلامي الذي تم تصوير أفراده كمجموعة من المنافقين الكاذبين الذين لا يشغلهم إلا السلطة، متجردين من أي مبادئ حقيقية فإنه قدم نموذج الفتاة الثورية اليسارية التي تتمرد على الثروة الطائلة التي يمتلكها والدها والسلطة الآتية لها عبر الزواج من ابن رئيس الوزراء لتحبّ شابا اشتراكيا فقيرا من قاع المجتمع، وفي سياق عرض المؤلف اليساري يوسف معاطي لهذه الشخصية النسائية يعرض عددا من الأفكار النسوية.

ومعلوم أن هناك مدرسة داخل الفكر النسوي تنتمي للتيار اليساري، فالفتاة هي التي تبادر بعرض حبها، وعندما يوافق الشاب تبادر بطلب شيء من العلاقة الحسية بجرأة أو فلنقل بوقاحة منقطعة النظير في لون من ألوان المساواة في كل شيء وثورة على الأدوار النمطية للعلاقة بين الرجل والمرأة التي يضعونها.

الزوجة: مفروسة محبطة

تم تقديم صورة الزوجة المحبطة التي تواجه الضغوط من خلال مسلسل (يوميات زوجة مفروسة أوي)، واسم المسلسل هو اسم لـ (جروب) شهير على النت تفضفض فيه النساء عن إحباطهن والضغوط والمظالم التي تقع عليهن، وهو مسلسل كوميدي اجتماعي ليس له أبعاد فكرية كمهاجمة الفكر الذكوري وتبني فلسفة الجندر ونحو ذلك، ولكنه يعبر عن مشكلات قطاع غير قليل من الزوجات اللاتي أصبحن (مفروسات) ومن ثم يعشن حياة محبطة وهي صورة فيها قدر من الواقعية وإن كانت تجنح للمبالغة على نحو ما.

المرأة في الدراما الخليجية

قمتُ برصد صورة المرأة في مسلسلين خليجيين هما (حال مناير) و(ذاكرة من ورق) ولم أجد فارقا يذكر، فالدراما الخليجية تسير على خطا الدراما المصرية والسورية بالنسبة لصورة ووضعية المرأة بوجه عام ولكن وعلى الرغم من ذلك فهي أكثر محافظة فعلى الرغم من أن المسلسلين تظهر فيهما جميع النساء متبرجات عدا شخصية واحدة محجبة في (ذاكرة من ورق)، ولكن الملابس أكثر احتشاما بدرجة ما وهناك بعض القيم والتقاليد المرعية فالعلاقات بين الجنسين تتم في الخفاء ولا يتم المجاهرة بها كحال المسلسلات المصرية واحترام الأسرة والوالدين بوجه عام هو السائد عدا نموذج واحد في (ذاكرة من ورق) أيضا.

والمرأة تلعب دورا محوريا في كلا المسلسلين فـ (حال مناير) يتحدث عن مناير وبناتها الأربع بفقرهن وحاجتهن وتطلعهن للزواج، وفي سبيل ذلك يتم ارتكاب عدد من الجرائم الخلقية كالنصب والاحتيال بحثا عن المال والزوج واتصال الفتيات بالشباب عبر الهاتف بحثا عن الحب والزواج أيضا.

أما (ذاكرة من ورق) فتلعب فيه المرأة دورا محوريا أيضا عبر مجموعة من الفتيات الكويتيات المبتعثات لألمانيا، وبين السعي للتعلم ومشاعر الغربة والبحث عن الحب أو افتقاد العشق تدور أحداث المسلسل. وفي هذا المسلسل تحديدا تظهر شخصية فتاة محجبة ترتدي الملابس الطويلة الشبه سابغة حيث يتم اضطهادها في المطار ولكنها تكون ثابتة قوية وعندما تدعوها بعض الفتيات أن تغير لباسها لتتلاءم مع المجتمع الجديد الذي تعيش فيه ترفض، ولكن وعلى الرغم من ذلك فبقية ملامح الشخصية تقليدية للغاية ولا يوجد أثر أو مسحة للتدين على سلوكها وشخصيتها فالفارق بينها وبين بقية البنات فقط في هيئة اللباس.

الدراما الخليجية تلعب فيها الأسرة دورا محوريا سواء في حميميتها أو تفككها ولكنها حاضرة بقوة وتلمح لبعض المشكلات التي تعاني منها الأسرة الخليجية كمشكلة الخادمات مثلا.

الدراما الخليجية لا يكاد يختلف مسارها عن الدراما المصرية التي تمتلئ بالأمراض المركبة وفي القلب من ذلك الصورة القبيحة الشائعة التي تختزل المرأة في صورة الجسد وتتاجر بهذا الجسد الذي لديه شبه عقل وتصر على قولبة المرأة بهذه الطريقة المهينة.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق