أبعاد التحاق الطلبة السودانيين بداعش!!
الخميس 16 يوليو 2015

 

 محمد خليفة صديق – كاتب سوداني

خاص بالراصد

مقدمة:

مثّل انضمام عدد من الطلاب الجامعيين السودانيين في تخصصات علمية مثل الطب إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) من خلال السفر إلى تركيا ظاهرة جديدة وجديرة بالدراسة، حيث أنها في تزايد، فقد وصل عدد الدفعات التي غادرت من هؤلاء الشباب إلى ثلاث دفعات، وفي أقل من ثلاثة أشهر من ذهاب المجموعة الأولى، ظهرت المجموعة الثانية، وتبعتها الثالثة، غير الذين انضموا لتنظيم الدولة في وقت مبكر مثل أبي ضياء السوداني وأبي مصعب السوداني وغيرهم، بجانب الذين التحقوا بالتنظيم بأُسرهم مثل أمجد مصطفى الشهير بأبي براءة السيف وشقيقه أحمد مصطفى وغيرهم، بجانب الذين قضوا نحبهم في المعارك هناك مثل محمد مأمون مكي الشهير بأبي الليث السوداني.

وقد أصاب هذا الانضمام الأسر السودانية بالهلع والخوف على مصير أبنائها الذين غادروا صوب داعش، سيما وأن من بينهم فتيات، وقد تركز هؤلاء الطلاب في جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا، وهي جامعة خاصة تدرس مناهجها باللغة الإنجليزية، ومملوكة لوزير الصحة بولاية الخرطوم البروفسور مأمون حميدة، ويدْرس بها مجموعة من الطلاب السودانيين ومن جنسيات أخرى، غير أن كثيرا من السودانيين فيها يحملون جوازات سفر أجنبية، وهي مشهورة بارتفاع أسعار الدراسة بها التي تدفع بالدولار الأمريكي، ويشترك الطلاب الذين انضموا لداعش في أنهم يدرسون بهذه الجامعة ويحملون جوازات دول غربية.

سنحاول من خلال هذا المقال تحليل هذه الحالات والدوافع التي تجعل هؤلاء الطلاب يعبرون الحدود والبحار مناصرةً لداعش؟ ومحاولة معرفة الجانب النفسي والديني والاجتماعي لهذه الشريحة التي تخرج في صمت.

بدأ النظر للأمر على أنه حالات فردية معزولة، حينما سافرت الدفعتان الأولى والثانية من طلاب جامعة العلوم الطبية للالتحاق بداعش، ولكن حينما أعلنت الجامعة قبل عدة أيام أن 12 طالباً من طلابها غادروا الخرطوم إلى تركيا في محاولة للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية، مشيرة إلى أن من بينهم بريطانيين وكنديين وأميركيين من أصول سودانية، بجانب طالبة تحمل جوازا سودانيا دبلوماسيا، وهي ابنة الناطق الرسمي لوزارة الخارجية السفير علي الصادق، وكانت مجموعة من الطلاب السودانيين الذين يحملون الجنسية البريطانية من الجامعة الخاصة نفسها، قد غادروا إلى تركيا في مارس الماضي، ويعتقد أنهم دخلوا سورية وانضموا إلى التنظيم، وهم يمثلون الدفعة الثانية.

رأى الجامعة فيما حدث:

يرى البروفسور مأمون حميدة مالك الجامعة أن من أبرز أسباب انضمام هؤلاء الطلاب لداعش، أن هؤلاء الطلاب عاشوا في أوروبا، وعاشوا والإسلام مكسور الجناح هناك.. فهم جاؤوا من بيئة تحتقر الإسلام، هم طلاب تربوا على العقلانية، ومعظم من يتربى في البيئة الأوروبية يتربون على الإقتناع، إما أنهم يقبلون حقيقة أو لا يقبلونها، كما أن من يخاطبون الطلاب للانضمام خاطبوهم بذات اللغة التى يعرفونها وهي الإنجليزية، وهؤلاء الطلاب إن لم يخاطَبوا بذات اللغة فلن يقتنعوا.

وبالنسبة لاستقطاب الطالبات يرى حميدة أن داعش أنهت فتوى أن المرأة لا تأتي إلى الجهاد، لأسباب حول العزلة وعدم الاختلاط بين الرجل والمرأة، حيث يمكن أن يهاجر الرجل والمرأة أيضاً، كما أن جميع من ذهبوا لم يذهبوا إلى القتال، إنما أطباء في مستشفيات؛ مثلاً أحمد سامي هو في مستشفى بالموصل ويعمل هناك، فهؤلاء الطلاب لم يذهبوا للقتال، إنما للمساعدة والعمل كأطباء وصيادلة، وبريطانيا التي يحملون جنسيتها إلى الآن لا تعتبر هؤلاء الطلاب إرهابيين لأنهم لم يذهبوا إلى القتال، ولكن إن عادوا إلى بريطانيا سيراقبونهم، لكنهم لا يشكلون خطراً.

ويرى حميدة أن طلاب المجموعة الأولى، لم يطرأ عليهم تغير في سلوكهم العام بالجامعة والأسرة حتى شهر يوليو 2014م، إن رأيت (البروفايلات) الخاصة بهم في مواقع الفيسبوك أو غيرها، تجد أن صورهم كانت لمغنين أو لاعبي كرة أو مشاهير، لكن من شهر أغسطس، تغير كل شيء، وأصبحت الصور إما مسجد أو مصحف، وفي أغسطس كانت الجامعة مغلقة، وهذا يدلّ على أن التواصل يتم مع من هم خارج السودان، وكان للجامعة فريق بحثي أجرى أبحاثاً داخل السودان وخارجه، وأعد دراسة كاملة ورصد الظاهرة منذ أن بدأت، وكنا نعلم أن هناك مجموعة أخرى ستذهب بعد المجموعة الأولى، وفعلاً حدث ذلك.. نحن تحدثنا مع آبائهم ولم يكونوا مستغربين كثيراً من حديث الجامعة التي لفتت انتباههم لفكر مختلف، فنحن رصدنا عدداً من الطلبة وأخطرنا الآباء.. منهم من كان على علم بتفكير ابنه، ومنهم من قال إن أبناءهم طالبوا بالجوازات، وحينما رفضوا إعطاء الجوازات لهم، قالوا لهم: إنهم أحرار وبالغون وبإمكانهم استخراج جوازات جديدة من السفارة، وهذا يدل على أنهم على علم مسبق باحتمالات الْتحاق أبنائهم بداعش.

وذكر حميدة أن الاستقطاب يتم لأفراد.. فهناك بعض من الذين وصلوا إلى تركيا لم يكونوا على علم بسفر زملائهم في الطائرة، التقوا في نقطة واحدة، ولم يكونوا يعلمون أنهم مجموعة، ربما يكون ثلاثة أو أربعة منهم على تنسيق، ولكن المجموعة التي تضم 12 طالباً، وهي آخر مجموعة لم تكن على علم مسبق، ولا توجد شبكة قوية لرصدهم جميعهم، وقد يكون للطلاب الأجانب دور كبير في استقطاب الطلاب، فهناك طلاب غير سودانيين يأتون من الخارج للدراسة بالجامعة، من العرب أو الأفارقة، فالجامعة مفتوحة لكل الناس، وهناك طالب من الصومال كان في نيّته الانضمام للتنظيم، لكنه عاد ضمن الطلاب الثلاثة الذين تم توقيفهم في تركيا.

أما عميد شؤون الطلاب بجامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا، فيرى أن الاستقطاب للطلاب تم باعتبارهم قادمين من الدول الغربية، ومعرفتهم الدينية ربما ليست قوية، وهو المدخل الذي اعتمد عليه المتشددون، "بأنكم أيها الطلاب قادمون من دول الكفار، وأن المسلمين في بلاد الإسلام أولى بالرعاية". وأشار إلى أن أولى خطوات الاستقطاب للطالبات تمت عبر تكوين (sister to sister) أي أن تقوم داعية بالجلوس مع أربع أو خمس طالبات لإقناعهن بالفكرة، دون أن يكون الأمر ظاهراً لبقية الناس.

وذكر العميد أن الجامعة تشهد تنوعاً دينياً كبيراً، خاصة أن كثيراً من الأقباط يدرسون في الجامعة، وهناك جنسيات مختلفة عربية وإفريقية، منها النيجيرية والصومالية وغيرهما، وأيضاً يوجد سوريون وعراقيون، لكنَّ الأخيرين أبناء لرجال أعمال مقيمين في السودان، وأوضح أن الجامعة تتيح أنواعاً مختلفةً من الأنشطة، ولا يوجد فيها فرد من الأمن لمراقبة ورصد سلوكيات الطلاب، ومع ذلك كانت هناك أشياء واضحة جعلت الجامعة تلحظ وجود أفكار دينية مختلفة قليلاً، وقال: "الاستقطاب الأكبر لم يتم داخل حرم الجامعة، إنما عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والالتقاء بأناس متشددين وسماع أفكار أخرى خارجية".

وعن الدفعة الثالثة من المنضمّين لداعش يقول العميد إن الطلاب هم سبعة بريطانيين، وكنديان وأميركي وسودانيان، مضيفاً أن البريطانيين والكنديين والأميركي من أصول سودانية، ومِن بين الطلاب المفقودين «ثلاث طالبات»، كما أن جميع الطلاب الذين فُقدوا هم في السنة النهائية من كلية الطب، وقد تم اجتذابهم للتنظيم بواسطة أفراد من داخل الجامعة عبر حوارات إسفيرية.

وحول الجهود التي بذلتها إدارة الجامعة للوقوف أمام هذه الظاهرة التي ارتبطت بالجامعة وضرورة توعوية الطلاب بمخاطر الانزلاق في طريق الجماعات المتطرفة، يقول عميد شؤون الطلاب بأن هنالك خطوات بدأت لتثقيف الطلاب بالوسطية والبُعد عن التطرف كما تم الاستعانة ببعض الخبراء التربويين والنفسيين والدعاة لمحاضرة الطلاب وتثقيفهم، بجانب تفعيل نشاط الجمعيات المتخصصة داخل الجامعة وتفعيل العمل الطوعي وإقامة أيام مفتوحة للطلاب لإظهار الجوانب الإبداعية وإدارة حوارات بين الطلاب.

رأى الأسر والمجتمع السوداني:

يعلق أحد آباء الطلاب السودانيين، الذين انضموا لتنظيم داعش ضمن تلك الأفواج، حول مغادرة أبنائهم إلى تركيا، لإسعاف الجرحى هناك: "هذا ليس استقطاباً، إنه سحر"، بينما قال آخر: "ما حدث ليس غسل دماغ لابنتي، إنما جريمة أكبر من ذلك"، وقد نزلت واقعة مغادرة هؤلاء الطلاب للبلاد صوب داعش على جميع أولياء أمورهم "كالصاعقة"، فهرولوا إلى الحدود السورية التركية، للّحاق بأبنائهم، وأحاطت الدهشة معظم زملائهم في الجامعة، وذلك لتفوُّقهم الأكاديمي، وعدم ظهور أي ميول تشدد واضحة عليهم، باستثناء حالتين.

وقد نَشر تنظيم الدولة بعض صور هؤلاء المنضمين لإظهار القدرة على استقطاب فئات عمرية مختلفة، وجنسيات متنوعة وفي أوقات متباينة، حيث نشر التنظيم صور الطلاب السودانيين، من حملة الجوازات البريطانية، المنتمين لجامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا، وذلك للتباهي بانضمامهم مؤخراً للتنظيم، ولإرسال رسائل إلى دول مختلفة خاصة بريطانيا، التي تحارب "داعش"، حيث كانت الصور صادمة لهم، باعتبار أن مَن ذهبوا إلى سوريا والعراق للانضمام للجماعات الدينية المتشددة في تزايد.

عدد من أولياء أمور الطلبة، اتصلوا بمسؤولين في الجامعة ليبلغوهم بتغيُّر سلوكيات أبنائهم وبناتهم، مثل ارتداء الحجاب، وعدم المصافحة، والتذكير بعذاب النار، وهو ما دعا عميد الطلاب لاستدعاء أولياء الأمور والاجتماع معهم لبحث السبل الجيدة للتعامل مع هذه المواقف، والوصول إلى نقطة مشتركة، وأشار إلى أن كلية الطب تخرج سنويَّاً 200 طالب منذ 15 سنة، وأن من انضم للتنظيم نسبة بسيطة، لكن رغم ذلك نبّهتهم إلى أشياء كثيرة، وكشف عن اهتمام رسمي من الجهات المختصة، وتعاون تم فيما بينهم لرصد حالات مشتبه بها، وأماكن مشتبه بها أيضاً.

بينما لم يجد الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية السودانية، السفير علي الصادق، غير توجيه أصابع الاتهام لجهات منافسة له داخل الوزارة، وتحميلها مسؤولية انضمام ابنته "صافنات" - ذات الثمانية عشر عاماً والطالبة في جامعة العلوم الطبية بالخرطوم لتنظيم داعش، ولم يكتف السفير بذلك، بل شدّ الرحال إلى تركيا للّحاق بابنته ومحاولة استعادتها قبل دخولها سورية والتحاقها بصفوف داعش.

وهذا الوضع الحرج لم يكن مقصورا على الديبلوماسي الرفيع وحده، بل شاركه فيه كثير من رموز المجتمع السوداني ونخبته، من أساتذة بأرقى الجامعات البريطانية، ومهندسين مشهورين، ما يرفع أكثر من علامة استفهام حول الجهة التي تعمل على إلحاق أبناء النخبة السودانية بصفوف داعش، وربما يكون مسوغاً للبعض أن ينضم إلى مثل هذه التنظيمات غير السويّة، أفراد يعانون من تجاهل المجتمع لهم، أو تعرضوا لظروف لم تمكنهم من إكمال تعليمهم، وبالتالي أصبح مستقبلهم مظلما وغامضا. وبالتالي يحملون في دواخلهم حقدا تجاهه، ونقمة تجاه أوضاعهم. لكن أن تشمل قائمة المغرر بهم أفرادا ناجحين، تربوا في كنف أسر مرفهة، وحصلوا على نصيب وافر من الاهتمام والتحقوا بأرقى الجامعات، فهذا ما استدعى مطالبة كثير من المراقبين بدراسة هذه الحالة، ومعرفة الدوافع التي تقف خلفها، والأسباب المؤدية إليها.

يرى بعض أساتذة الجامعات السودانية أن هناك عدة عوامل أولية وثانوية تدخل في تحليل التحاق الطلاب بداعش، فمعظم الشباب بالسودان ليس لديهم معلومات حقيقية عن داعش، فالمسؤولية الكبرى تقع على عاتق الحكومة والآباء، فالواجب عليهم أن ينوّروا المجتمع بداعش وبرامجها وخطورتها، فالأبناء في هذه الفترة يكونون ضحية نسبة لعدم توفر المعلومات لديهم والتقصير من الدولة والأسرة والعلماء، فالحياة بها جفاف والأسرة هشة وغير متماسكة والمدارس والجامعات ليس بها توجيه على مستوى جيد، والشباب لديهم فراغ ولديهم طاقة كبيرة يريدون تفريغها، وإذا لم يجد الطالب التوجيه السليم يسير في طريق مدمر لحياته ومن دون وعيه، فالأسرة السودانية لديها موروثات وعادات وتقاليد، والمجتمع السوداني لايزال متمسكاً بها، وهؤلاء الشباب عاشوا في عزلة بعيداً عن مجتمع السودان ولا يوجد ترابط بين الشاب والأسرة، فأصبحوا ضحية للتربية في المجتمات الغربية.

ويرى بعض المختصين أن بعض الجامعات وخاصة التي تستوعب نخباً بعينها وتعمل على تخريجها أكاديمياً من دون مزاولة أي أنواع من الأنشطة والذي أدى بدوره إلى ترسيخ حالات من الخواء الروحي مما يصيب البعض بالاكتئاب، ومعروف أن الأنشطة المصاحبة للبيئة الجامعية من أدب وأشعار وثقافة وتوعية دينية وفكرية ومختلف أنواع النشاط الثقافي، إذ يجب على جهات الاختصاص أن تعمل على معالجة القصور الذي يصاحب البيئة الجامعية، خاصة الطلاب الذين يفدون من خارج السودان ويحملون جوازات أجنبية تسهّل لهم حرية السفر أن تنتبه لهذا الخطر الداهم، وكذلك الأئمة والدعاة والمفكرون جميعهم يجب التصدي لمسألة الانعزال النفسي الذي يسيطر على الكثير من الطلاب حتى نضمن أن أبناءنا ينشأون تنشئة سليمة بعيدة عن العنف والانسلاخ إلى حيث الأفكار المتطرفة.

ويرى الأستاذ أحمد إدريس، أستاذ علم النفس بالجامعات السودانية، أنه يجب الانتباه إلى أن الشباب لديه احتياجات نفسية تتباين من فئة عمرية لأخرى وكذلك من ثقافة إلى ثقافة أخرى، وإذا نظرنا إلى هؤلاء الشباب فنجدهم ينحدرون من ثقافة غير سودانية خالصة باعتبار أنهم تشربوا من مراحل الطفولة والمراهقة من ثقافة الأجنبي وبالنظر إليهم يكون ذلك واضحاً، لأن أغلبهم يحملون الجنسيات الأجنبية، فالثقافة مختلفة وهي القاسم المشترك بين جميع هؤلاء، فهي لها دلالة قوية جداً لتفسير هذه الظاهرة.

 ويجب الانتباه أيضا للأدوات التي تستخدمها داعش للوصول إلى هذه الشرائح، فإذا ما قارنّا أدوات الاستقطاب نجد هؤلاء الطلاب جُندوا بأدوات استقطاب الأجانب الذين يقاتلون بجانب داعش، ونجدها متشابهة بل متطابقة، بمعنى أن ميدان هذه الأدوات ليس في السودان في الغالب، وذلك لأن هؤلاء الشباب لديهم أدوات تواصل مع مجتمعاتهم التي جاءوا منها، والذي يبحث كثيراً في هذه الجوانب غالباً ما يجد هؤلاء الشباب يتواصلون خارجياً أكثر من تواصلهم داخلياً، من خلال الوسائط التي ربما لم تتوفر هنا ولكنها غير منتشرة مثل موقع التواصل "تويتر"، فالتواصل داخل المجتمع السوداني عبر تويتر ليس كبيراً، وحتى طبيعة التواصل في موقع الفيس بوك والواتساب ليست مغرية لهم، بمعنى أنها ليست أداة فعالة ترضي طموحاتهم وتشبع رغباتهم، ولا نستبعد التواصل المباشر وفي غاية السرية بالطبع وليس هو الأداة الفعالة، بمعنى أن أدوات الإقناع الداخلية ليست فعالة كما هو بالخارج.

ويدعو إدريس ذوي الاختصاص لفتح مساحة وقنوات للحوار مع كل الطلاب الموجودين، فلا يمكن أن ننتظر دفعة أخرى تذهب ونقف مكتوفي الأيدي، فلابد من انفتاح حوار معرفي عقدي لتوضيح الأفكار الحقيقية، وكذلك من خلال توفير مواعين لإشباع حاجات ورغبات الشباب المختلفة، كما تكمن المشكلة في أن كثيراً من الآباء غير مدركين لحجم مشكلة أبنائهم، ولكنهم يشعرون بخطورة الموقف، وهذا القرار الذي جعلهم يأتون بهم للدراسة بالسودان، فالقصة ليست محصورة في هؤلاء الأبناء الموجودين حالياً، المسألة تتجاوز إلى أبناء السودان الآخرين الموجودين بدول المهجر، خاصة في الدول الغربية، فالقضية ليست بهذه البساطة فلا يمكن أن نلجأ عند حدوث أي مشكلة إلى نظرية المؤامرة، فالأجدى أن نواجه المشكلة وفقاً لواقعها.

وترى الباحثة الاجتماعية سلافة بسطاوي، أن الطلاب العلميين يتميزون بالصبر والحكمة وقيمة البحث وراء الموضوعات التي تحير الكثيرين من الناس، لذا كانوا هدفاً للجماعات المتطرفة، وتظل واحدة من سمات الطالب الجامعي الانفتاح على ما حوله، والبيئة الخارجية للطالب الجامعي مليئة بالمتغيرات والظواهر، والطالب الجامعي معروف بأنه يبحث فيما هو متاح بشكل أكثر عمقاً لمعرفة ما وراء الأشياء، وينتهج التطرف لأنه يرغب في البحث، ولا يمكن أن ينسجم هذا الاتجاه مع واقعه، وهل هو يستطيع أن يتعايش معه أم لا، ودائماً ما يبحث الطلاب عن الاتجاهات الجديدة، ويخرج الطالب من المألوف ليدخل في غير المألوف بحيث أنه يلفت الانتباه، ويرغب في أن يدرك الآخرون أن لديه القدرة على التعامل مع الأشياء التي تحدث في التطرف، وكل هذه الأشياء المراد منها إثبات شخصيته في المجتمع.

ويرى الأستاذ بجامعة الخرطوم، د.محمد محجوب، أن هناك خلية لتنظيم داعش داخل السودان تعمل على الاستفادة من الظروف التي يعيشها معظم أولئك الطلاب، مشيراً إلى أنهم يعيشون بمعزل عن عائلاتهم التي ما زالت في الخارج، خصوصا في بريطانيا، حيث يعاني هؤلاء من الوحدة والفراغ، وبالتالي يمكن استقطابهم بسهولة، وهؤلاء الطلاب لهم مشكلاتهم الخاصة بهم، فهم لا يعانون من ضائقة مادية، بل لهم فائض ربما لا يعرفون كيف ينفقونه، لكنهم ضحايا لخواء مجتمعي أصابهم بعد الانفصال عن عائلاتهم، فاستغل هؤلاء هذه الفرصة، وبدأوا في تنمية جذوة التطرف بدواخلهم، وإيهامهم بأن الحياة الفعلية في القتال تحت راية التنظيم، "إعلاء لقيم الجهاد" كما يزعمون، كم استغلوا تربية هؤلاء الطلاب في دول غير إسلامية وبدأوا في زرع مفاهيم دينية مغلوطة بداخلهم، مستغلين ضعف ثقافتهم الإسلامية.

واستبعد محجوب إمكانية وجود مخطط لاستقطاب هؤلاء الطلاب، مشيراً إلى أنه لا توجد دوافع لمثل هذا العمل، وقال: "هؤلاء الطلاب ليسوا هم المتفوقين وحدهم، بل إن هناك من الطلاب الذين تلقوا تعليمهم داخل السودان من يفوقونهم تأهيلا وذكاء، ومع ذلك لم يستطع أحد استقطابهم لصفوف المتشددين".

وطالب محجوب العائلات الموجودة في الخارج ببذل مزيد من الاهتمام والرعاية لأبنائهم، وعدم تركهم فريسة للمتشددين، واختتم بالقول: "في السابق كان أبناء أولئك المرفهين يقعون ضحايا لعصابات المخدرات وإدمان الكحول، لكن يبدو أن الأمر تغير في الوقت الحالي، وباتت التنظيمات المتشددة هي الملاذ المفضل لهؤلاء".

من هم هؤلاء الطلاب؟

حسب المعلومات التي توفرت حول دفعات الطلاب السودانيين الذين سافروا للالتحاق بداعش، شملت الدفعة الأولى:

* هشام محمد فضل الله: أول دفعة الطب، تنبأ له الأطباء بمستقبل باهر، يمتاز بذكاء كبير، تخصص في الجراحة، واجتاز امتحاني (part 1) + (part 2) كان والده في انتظاره بمدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، بعد أن حجز له تذكرة السفر، لكن هشام فاجأ والده بالمغادرة إلى سوريا، ليلحق به الأب إلى هناك في محاولة لاستعادته.

* ندى سامي خضر: يقيم والداها في بريطانيا، وتعيش مع شقيقها وشقيقتها في منزل بأركويت، منذ أن التحقت بالجامعة لم يطرأ عليها تغيُّر إلا بعد العام الدراسي الثاني، حيث استبدلت ملابسها المعتادة إلى أخرى فضفاضة كانت ترتديها حينما سافرت إلى لندن لقضاء الإجازة، فوجئت والدتها بمظهرها، وهناك في لندن أعادت الأم شراء الملابس المعتادة لندى، وألقت بالعباءات في سلة المهملات، ولكن ما إن عادت الطالبة إلى الخرطوم حتى اشترت ملابس واسعة وتبرعت بملابس لندن للفقراء.

حاولت ندى أن تقنع ابنة خالتها التي تدرس معها في نفس الجامعة بأفكار متشددة، غير أن الأخيرة نفرت من الموضوع، ومع ذلك كان سلوكها عادياً، وفوجئ زملاؤها بأنها كانت في قائمة الطلاب الذين غادروا إلى تركيا.

* أحمد سامي خضر: كان له أقوى الأثر في إقناع أخته ندى بالانضمام للتنظيم، ارتدى ملابس عادية جداً، واصطحب شقيقتَيْه إلى منزل جدتهما في أم درمان، وقال للأسرة إنه ذاهب لشارع النيل، واتفق مع أخته أن تأتيه في وقت لاحق، وفعلاً، لحقت ندى بشقيقها.

* تسنيم سليمان حسين: ابنة مدير مستشفى شهير، طالبة ماجستير في كلية الصيدلة، تركت هاتفها واللابتوب وكل متعلقاتها الشخصية، وفوجئ أهلها بعدم وجودها في غرفتها.

* لينا مأمون عبد القادر: طالبة بكلية الطب، والداها في الخارج، أرسلت رسالة لوالدها بعد أن ذهبت إلى تركيا، وقالت له إنها أرادت مساعدة الجرحى في سوريا، فأجابها: "السودان وأفريقيا مليئتان بالجرحى"، ووجَّه لها لوماً بالذهاب إلى سوريا.

* محمد أسامة ومحمد مليح: طالبان تخرجا من جامعة مأمون حميدة قبل عامين، برزت لديهما الميول، ولم تتوفر معلومات كثيرة عنهما.

* روان كمال زين العابدين، تخرجت من الجامعة، قبل عام تقريباً، ولم تتوفر أيضاً معلومات حولها.

* عثمان فقيري: لم تكن صورته موجودة بين الطلاب التسعة، ويبدو أنه ليس من حملة الجواز البريطاني، يدرس بكلية الصيدلة، هو الطالب الوحيد الذي يدرس حالياً بجامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا، غير أنه جمَّد العام الدراسي. وبحسب المعلومات، فقد عقد قرانه على فتاة، وسافر بعد ذلك إلى تركيا، للالتحاق بالتنظيم.

أما الدفعة الثانية فكان عدد طلابها 13 طالبا من بينهم 6 فتيات و4 أطباء، وعبَر الطلابُ الحدودَ التركية السورية على متن باص بعد أن قام أحد "المنسّقين" بتسهيل مهمّتهم، وقد وصلوا بالفعل إلى سوريا وانضموا الى أحد المستشفيات الميدانية.

ومن الـ 13 طالبا يوجد منهم 6 من جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا، فيما جاء بقية الطلاب من جامعات خاصة أخرى، وتواترت معلومات أن جمعية تطلق على نفسها اسم "الحضارة الإسلامية" ظلت تعمل لمدة طويلة داخل جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا لتجنيد الطلاب الذين تركوا قاعات الدراسة وتوجهوا إلى ساحات القتال، ويقال إن الجمعية التي يقف وراءها محمد علي الجزولي، وهو خطيب مسجد بالخرطوم كان معتقلاً بتهمة مساندة داعش بالسودان، هي من تقوم بتجنيد الطلاب، حيث ظلت هذه الجمعية تنشط في أوساط الطلاب القادمين من بريطانيا والذين يشعرون بفراغ روحي كبير، وعملت على حثهم للجهاد مع الجهاديين وترك الدنيا.

ومن ضمن الطلاب الذين غادروا الخرطوم للالتحاق بـ "داعش" في المجموعة الثالثة أمير مأمون سيد أحمد العوض، الذي يدرس في المستوى الثالث طب، ويحمل الجواز البريطاني، ووالده طبيب معروف في بريطانيا، إلى جانب الطالبة في المستوى الثالث طب صافنات علي الصادق، ابنة السفير والناطق الرسمي لوزارة الخارجية السودانية، وقد أوقفت المخابرات التركية أميرًا ومعه اثنان آخران، أما البقية ومن بينهم ابنة السفير فلم يتم العثور عليهم.

وطبقا للمعلومات فإنه تم إلقاء القبض على إحدى الطالبات في تركيا لكنها أنكرت أمر سفرها إلى العراق وغادرت والدتها والتي تعمل طبيبة في بريطانيا لمعرفة مكان احتجازها في تركيا، إلى جانب طالبة ثالثة والدها يدرّس الكيمياء الحيويه في الكلية نفسها، بينما يعمل والد أحد الطلاب اختصاصيا للكلى في مستشفى الزيتونة المملوك لمأمون حميدة.

ومن بين الأسماء التي كَشفت عنها السلطات البريطانية محمد وحمزة سرار حمزة الحسن، أبناء شقيق عبد الباسط حمزة رجل الأعمال السوداني المعروف، إلى جانب إيمان صديق عبد العزيز، زبيدة عماد الدين الحاج، محمد سليم محمد أحمد، إبراهيم عادل بشير عقيد، محمد عادل بشير عقيد، وسجى محمد عثمان.

مقومات الاستقطاب لدى داعش:

ومن المهم الإشارة إلى ما يجمع هؤلاء الطلاب أنهم من أبناء المسلمين الذين عاشوا بعض فترات حياتهم في المهاجر الغربية سواء كان آباؤهم مقيمين هناك، أو كانوا يعملون كدبلوماسيين مثل ابنة الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية، قد أصبح الشباب المسلم في دول الغرب وأمريكا هدفاً رئيسياً لاستقطاب الجماعات العنيفة، فبعض هؤلاء يعاني من أزمة هوية وإحساس بعدم الانتماء وبالتهميش، وربما يشعر بأنه عرضة للعنصرية في تلك الدول.

كذلك فإنَّ هؤلاء الشباب يشعرون بالاستفزاز بسبب ما يعتقدونه من هيمنة قوى "الكفر" على دول الإسلام، في مقابل ما يعتبرونه تكليفًا شرعيًّا بهيمنة الإسلام على كلّ دين وأن تكون كلمة الله هي العليا، من ناحية أخرى فإنَّه يوجد بين هؤلاء الشباب مَن هو ناقمٌ على المهجر الذي يعيش فيه، ويشعر بالغضب من جرَّاء تتالي الأخبار المفزعة والبائسة من بلاده الأصلية، ومن مناظر القتل والدمار في الحروب في دولٍ مثل أفغانستان والصومال والعراق وسوريا وفلسطين.

غير أنَّ هناك قسماً من هؤلاء اليافعين تستهويه روح المغامرة وفكرة حمل السلاح، أو تجذبه دعايات الجماعات العنيفة عن دولة الخلافة الإسلامية التي تتحدى الهيمنة الغربية وتقاتل ضد جبروتها، كما أنَّ البعض الآخر من الذين يترعرعون في أوروبا وأمريكا يتشرَّب من تلقاء نفسه بالفكر العنيف وذلك لشعوره بنوعٍ من الغربة الروحية في ظلِّ تراجُع أهمية الدين بصفةٍ عامة في المجتمعات الغربية.

كما أن نجاحات داعش التى تمكنت في فترة زمنية وجيزة من السيطرة على ثلثي الأراضي السورية، وثلث أرض العراق، إضافة لانتشارها الجغرافي الكبير حيث أصبحت تتواجد في سيناء وليبيا، كما ضمنت لها مبايعة "أبوبكر شيكاو" زعيم حركة "بوكو حرام" النيجيرية وجوداً حقيقياً في عددٍ كبير من دول غرب أفريقيا، فالتمدُّد السريع للحركة، والانتصارات السهلة التي حققتها (كما وقع في مدينة الموصل) لم يكن بمنأى عن المصالح المتشابكة للعديد من الجهات الداخلية في العراق وسوريا، إضافة للقوى الكبرى وأجهزة المخابرات الإقليمية والعالمية.

ومع ذلك فإنَّ القدرات الكبيرة التي أظهرها داعش في استقطاب الكادر، كانت في الأساس بسبب نجاحه في إنزال حلم قيام "دولة الخلافة" على الأرض، وهو الأمر الذي يُغري الكثيرين بالذهاب للانضمام "للبؤرة الإيمانية" الوحيدة الموجودة في العالم وهو الحلم الأكبر الذي ما انفكّ يراود الملايين في الدول الإسلامية، فقد تحقق على الأرض حلم الخلافة الذي كان الدافع الأكبر للانضمام للجماعات العنيفة، حيث قامت الدولة الإسلامية، وأصبح لها خليفة وعلمٌ وعُملة (الدينار) وجيش وهياكل إدارية، وهو ما فشلت فيه الحركات الأخرى.

ومن ناحية أخرى فقد تمكنت الآلة الإعلامية التي استخدمها داعش ببراعة من جذب أعداد كبيرة من الشباب المؤمن (بنين وبنات للمرَّة الأولى)، بسبب تصويرها للحياة وهى تسيرُ بصورتها الطبيعية داخل دولة الخلافة الإسلامية، فالصور والأفلام المبثوثة  تُظهر مقاتلي الحركة وهم يعيشون حياتهم العادية داخل منازل فخمة، ويزاولون أعمالهم من مكاتب حديثة الأثاث مثل الفيديو المنشور للطبيب السوداني.

ومن جانب آخر فمعظم هؤلاء الطلاب من أبناء المغتربين والمهاجرين وتنشأ مشكلة هؤلاء الأبناء في ديار اغتراب ذويهم، ثم وبعد أن يصلوا إلى المرحلة الجامعية ينتقلون للعيش بصفة شبه دائمة في السودان، وهنا تبدأ المرحلة الثانية من الضياع والتشتت والاغتراب الداخلي، كونهم نشأوا وترعرعوا وسط مجموعات ومجتمعات غريبة عنهم ... ودون ارتباط تعايشي مع مجتمعاتهم الأصلية بمثلها وقيمها في آن واحد.

وماذا بعد:

وقد بدأت الحكومة السودانية تحركاتها لاستعادة الطلاب، حيث كشف وزير الخارجية السوداني، إبراهيم غندور، عن تحركات تجري بالتنسيق مع سفارتي السودان بكل من أنقرة ودمشق، لاستعادة الطلاب السودانيين الذين غادروا الخرطوم، بهدف الانضمام إلى تنظيم داعش، وأعلن عن إجراء تحقيق حول كيفية مغادرة حاملة الجواز الديبلوماسي وابنة الناطق الرسمي للوزارة البلاد.

وقال غندور إن الطلاب الذين غادروا للالتحاق بداعش "رغم أن بعضهم يحمل جوازات سفر أجنبية، إلا أنهم سودانيون وأبناء الوطن، ولن يهدأ لنا بال حتى نستعيدهم مرة أخرى". وعن كيفية سفرهم وحدهم من مطار الخرطوم، دون أن يتعرضوا للاستجواب من أي جهة أمنية، قال غندور إن الأمر برمّته أمام جهاز الأمن والمخابرات، الذي يجري تحقيقات موسعة في القضية، لمعرفة الكيفية التي سافر بها هؤلاء، لا سيما بعد ورود معلومات تؤكد أنهم غادروا دون المرور على صالة المغادرة الرئيسية.

المراجع:

1-    داعش جاءت من هنا، با بكر فيصل، مقال بصحيفة السوداني، بتاريخ: 7 يوليو 2015م.

2-    الهجرة إلى داعش .. كفى بك داء أن ترى الموت شافيا، مصعب المشرّف، مقال بصحيفة الحوش السوداني الالكترونية.

3-    حوار مع مالك جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا، بروفسور مأمون حميدة، منشور بصحيفة السوداني.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق