سطور من الذاكرة\العدد مائة وثمانية وأربعون - شوّال 1436 هـ
صلاح الدين ومؤامرات الفاطميين (7) مؤامرة كنز الدولة
الخميس 16 يوليو 2015

 هيثم الكسواني – كاتب أردني

خاص بالراصد

يمكن اعتبار هذه المؤامرة آخرَ مؤامرة "كبيرة" يتعرض لها صلاحُ الدين الأيوبي رحمه الله من أنصار الفاطميين وبقاياهم في مصر، بعد إسقاطه للدولة العبيدية الفاطمية، صاحبة المذهب الشيعي الإسماعيلي، وتمكّنه من إعادة مصر وبعض الأقطار الأخرى إلى مذهب أهل السنة ودولة الخلافة العباسية.

وفي الوقت نفسه، هي مؤامرة مرتبطة بما سبقها من مؤامرات، ذلك أن الجنود الفاطميين الذين تآمروا على صلاح الدين في مرّات سابقة ونفاهم إلى أقاصي البلاد تجمّعوا من جديد ووحدوا صفوفهم هذه المرة تحت قيادة كنز الدولة، يحدوهم الأمل بإعادة دولة العبيديين الفاطميين، والقضاء على صلاح الدين ودولته السنّية الفتيّة.

من هو كنز الدولة؟

هو أحد أمراء الدولة الفاطمية ومقدّميها (ويسمّى أيضاً: الكنز)، وكان والياً على أسوان، وهي أهم مدن النوبة، في جنوب مصر، وقبل الحديث عن كنز الدولة هذا، أو عن مؤامرته، ينبغي الإشارة إلى أن بني كنز، أو الكنوز، الذين ينتمي إليهم كنز الدولة، ينحدرون من عرب ربيعة، الذين قدِموا من شبه الجزيرة العربية، واستطاعوا تأسيس إمارة قوية في أسوان وما حولها، وتزاوجوا مع النوبيين الأصليين. وقد حظوا بمكانة مهمّة في الدولة الفاطمية، وسبب ذلك مساعدة أحد أمرائهم، وهو أبو المكارم هبة الله، الدولةَ الفاطميةَ في القبض على أحد الثائرين عليها، والمعروف بأبي ركوة([1])، وتسليمه للفاطميين.

ومكافأةً على صنيعه، مُنِح أبو المكارم لقب "كنز الدولة" وتوارث أبناؤه هذا اللقب، وممّا زاد في مكانتهم في الدولة الفاطمية أن المستنصر بالله، ثامن حكامهم، والذي حكم الدولة قرابة ستين عاماً (ت: 487هـ/ 1094م)، كانت أمّه نوبيّة، ما أدى إلى أن يعتمد على النوبيين في الدولة، ويستكثر منهم في الجيش، حتى شكلوا قوة عسكرية لا يُستهان بها، وبلغ عدد جنودهم 50 ألفًا.  

وبسبب ذلك الوضع، وتلك الأفضلية التي عاشوها، ظل الكنوز والنوبيون على ولائهم للدولة الفاطمية، ووقفوا من صلاح الدين موقف العداء والتوجّس، بل التمرّد، وقد تحدثنا في أعداد سابقة عن مؤامرة الجند السودان وزعيمهم مؤتمن الخلافة، بعد وقت قليل من تولّي صلاح الدين الوزارة سنة 564هـ، وقبل أن يعلن رسميا سقوط دولة الفاطميين، وازداد زخمها مع إعلانه إسقاط الدولة مطلع سنة 567هـ (1171م).

 تفاصيل المؤامرة

تمرّد النوبيون والكنوز على صلاح الدين، وحاولوا استعادة مكانتهم السابقة، واعتدوا على القادة والجنود، ومِن ذلك قتلهم عشرة من أمراء صلاح الدين، فأرسل صلاح الدين عدة حملات لتأديبهم والقضاء عليهم، إحداها بقيادة شجاع الدين البعلبكي انتهت بهزيمة النوبيين، الذين فرّوا إلى الصعيد.

ثم أرسل أخاه شمس الدولة توران شاه سنة 568هـ (1173م) إلى بلاد النوبة فافتتحها([2])، واستحوذ على معقلها، وهو حصن يقال له "إبريم"، بعد حصار استمر ثلاثة أيام، ثم استخلف على الحصن رجلاً من الأكراد اسمه إبراهيم. واستخدم إبراهيم الكردي إبريم كقاعدة في الإغارة على بلاد النوبة، حتى انسحب بعد عامين، وعاد النوبيون إلى احتلالها.

وظلت الأوضاع بين كرٍّ وفرٍّ حتى جاء أوان مؤامرتهم الكبرى، عندما حشد المتآمرون حشودَهم تحت قيادة كنز الدولة، يريدون القاهرة، واجتمع النوبيون والعُربان وفلول الفاطميين، وبقايا الجند السودان الذين نفاهم صلاح الدين إلى الصعيد بعد فشل مؤامرتهم عليه، يريدون إعادة دولة الفاطميين والقضاء على صلاح الدين، واتفق كنز الدولة في بداية سنة 570هـ (1174م) على الثورة مع حاكم قوص، عباس بن شادي. وقوص – آنذاك- كانت محطّ قوافل الحُجّاج من المغرب، ومركزا تجاريًا هامًّا على الضفة الشرقية للنيل وسط الصعيد. أما أسوان فكانت مركزا ثغريا أو حدوديا للفاطميين مقابل النوبة، وكان فيها حامية عسكرية مستعدة بالأسلحة.

وقيل إن الحشود التي تمكّن كنز الدولة وعباس من جمعها بلغت 100 ألف. وبلغ من خطورة هذه المؤامرة أنّ صلاح الدين فكّر بالذهاب بنفسه لإخمادها، ولكنه خشي انتفاض القاهرة عليه، وهكذا يحاول أنصار الفاطميين دائما وضعَ صلاح الدين بين فكّي كماشة، يتآمرون عليه في موقع ما، أو يستدعون الصليبيين لحربِه، حتى إذا خرج لملاقاتهم سعوا للانقضاض عليه من الخلف، (ألا ترون أن هذا هو نفسه ما يقوم به تنظيم داعش مع الثورة السورية، إذ دوماً تتقاطع مصالحه مع النظام السوري حيث يضع الثوار في سوريا بين فكّي كماشة لتخليص النظام من هجوم الثوار!).

القضاء عليها

أرسل صلاحُ الدين أخاه الملك العادل أبا بكر محمد بن أيوب على رأس جيش كثيف لقتالهم، وجرت معركة كبيرة فاصلة في السابع من شهر صفر من عام 570هـ، انتهت بهزيمة القوات الفاطمية وتبديد شملها، ومقتل كنز الدولة وعباس بن شادي، ونهَب الملك العادل بلادَ الصعيد عقوبةً لهما، وأخذ الكثير من الأسرى، ثم عاد إلى القاهرة بعد أن تمكّن من إخماد المؤامرة التي كادت أن تقوّض دولة صلاح الدين.

وعلى الرغم من أن هذه المعركة قصمت ظهر النوبيين والكنوز الموالين للفاطميين، إلاّ أنها لم تنهِ دولتهم تماماً، ذلك أنهم اتجهوا جنوبا، وظل لهم وجود ودولة في الصعيد، أما القضاء النهائي عليهم فتأخر إلى عهد المماليك، وتحديدا في عهد الظاهر بيبرس (ت: 676هـ/ 1277م).

أسوان في وجدان الإسماعيلية

ناصرت أسوان الفاطميين منذ وقت مبكر، وظلت على ولائها لهم حتى بعد انقراض دولتهم، بل وثار الكنوز في عهد الفاطميين أنفسهم، في سنة 474هـ، ضد وزير الفاطميين، بدر الدين الجمالي الأرمني، لأنه تدخّل في تعاليم الإسماعيلية، وحرَم نزارًا، الابن الأكبر للمستنصر، من ولاية العهد بعد أبيه، خلافا لما تنصّ الإمامة عليه.  

 ولعلّ هذا الولاء "الأسواني" تجاه الإسماعيلية، وأحقّية نزار بتولي الإمامة بعد أبيه، هو ما دفع أغا خان الثالث، زعيم طائفة الأغاخانية النزارية الإسماعيلية، أن يوصي بأن يُدفن في أسوان، وبالفعل دُفن في أسوان رغم وفاته بعيداً، وتحديداً في سويسرا، في سنة 1957م، رغبةً منه في جعل أسوان، ومن ورائها مصر، "مسمار جحا"، وبؤرة لاجتذاب الدعوة الإسماعيلية إلى أماكن جديدة، وإحياء تراث الإسماعيلية، ومحاولة استعادة دولتها.

ما بعد المؤامرة

لا شك أن مؤامرات الفاطميين أنهكت صلاح الدين كثيراً، لا سيما مع كثرتها وقوتها وتتابعها، وشغلته عن قتال الصليبيين، الذين كانوا هم أيضا يرسلون الحملة تلو الأخرى نحو البلاد الإسلامية لاحتلالها، وخاصة بلاد الشام، ويكفي هنا أن نورد مثالاً واحداً على الأثر الذي تركته هذه المؤامرات على قتال الصليبيين ما ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله، في أحداث سنة 570هـ، إذ يقول: "استهلّت هذه السنة والسلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب قد عزم على الدخول إلى بلاد الشام لأجل حِفظه من أيدي الفرنج المخذول، ولكن قد دهمه أمر شغله عنه، وذلك أن الفرنج قدموا إلى الساحل المصري في أسطول لم يُسمع بمثله، في كثرة مراكبه وما فيه من آلات الحرب وكثرة الرجال والمقاتِلة، ...

ومما عَوّق الملك الناصر عن الشام أيضاً أن رجلاً يُعرف بالكنز ... كان قد انتزح إلى أسوان، وجعل يجمع عليه الناس، فاجتمع عليه خلقٌ كثير من الرعاع من الحاضرة والعربان، وكان يزعم إليهم أنه سيعيد الدولة الفاطمية، ويدحض الأتابكة التركية، فالتفّ عليه خلق كثير، وجم غفير، ثم قصد قوص وأعمالها، وقتل طائفة من أمرائها ورجالها، فجرّد إليه الملك صلاح الدين طائفة من الجيش المصري...".

كما أعاقت هذه المؤامرات صلاح الدين عن سرعة تلبية نداء نور الدين بقتال الصليبيين على بعض جبهات الشام، إذ كان الفاطميون ينتهزون فرصة خروجه من القاهرة لحياكة المؤامرات ضده، واستدعاء الصليبيين. ولعلّ اختلاف نظرة القائدين للوضع في مصر، ومدى تجذّر الفاطميين فيها، هو الذي جعل بعض المؤرّخين المغرضين يتحدثون عن فجوة وخلاف بين نور الدين وصلاح الدين، والزعم بأن صلاح الدين استأثر بحكم مصر، بدلاً من أن يظل نائبا لنور الدين فيها، وهو الذي أرسله ضمن جيش عمّه، أسد الدين شيركوه، لفتحها.

 وما أن استطاع صلاح الدين القضاء على هذه المؤامرات (الشبيهة بالثورات المضادة للربيع العربي وتطلعات الشعوب إلى الحرية والكرامة) حتى توجّه لبلاد الشام يدافع عنها أمام الصليبيين، ويحقق الانتصارات تلو الانتصارات، والتي توّجت بفتح بيت المقدس، سنة 583هـ (1187م)، وهو الأمر الذي كان من الصعب تحقيقه في ظل وجود الفاطميين وخياناتهم للمسلمين وتحالفاتهم مع الصليبيين.

وبالقضاء على مؤامرة كنز الدولة وحِلفه، استقرت الأمور -نوعاً ما- لصلاح الدين، فهذه المؤامرة هي آخر مؤامرة كبيرة كما أشرنا في بداية المقال، إذ بقيت بعض المؤامرات تندلع هنا وهناك، ويقابلها صلاح الدين بالحزم والشدّة.

للاستزادة:

1-    الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية.

2-    د. علي الصلابي، صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس.

3-     شاكر مصطفى، صلاح الدين الفارس المجاهد، والملك الزاهد المفترى عليه.

4-    د. حيدر إبراهيم علي، مقال "الإسلام والعرب في السودان"، صحيفة الراكوبة.

 

 



[1] - اسمه الوليد بن هشام، ولُقّب بأبي ركوة لأنه كان يحمل ركوة ماء لوضوئه على طريقة الصوفية. وقد قاد أبو ركوة ثورة على العبيديين الفاطميين زمن خليفتهم الحاكم بأمر الله سنة 395هـ (1005م) مستعينا بقبائل البربر في المغرب العربي الذين كانوا يطمحون بالقضاء على دولة العبيديين في بلادهم، واستطاع في البداية تحقيق انتصارات مهمة على العبيديين، وأن يهز الدولة، لكن الفاطميين تمكنوا في نهاية الأمر –بمساعدة من النوبيين السود- من إخماد ثورته وقتله. 

[2]- من الأمور الغريبة ما ذكره بعض المؤرخين المتحاملين على صلاح الدين أن توجهه لفتح بلاد النوبة كان بحثاً عن مأوى آمن في حال قدوم نور الدين زنكي من الشام إلى مصر، وانتزاعها منه! 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق