سطور من الذاكرة\العدد مائة وسبعة وأربعون - رمضان 1436 هـ
صلاح الدين ومؤامرات الفاطميين (6) مؤامرة الشاعر عُمارة اليمني
الأربعاء 17 يونيو 2015

 

 هيثم الكسواني

 

 

خاص بالراصد

الغريب في أمر هذه المؤامرة أنها حيكت مِن قِبل شاعر وفقيه سنّي شافعي، وليس مِن قبل شيعي إسماعيلي، يوافق العبيديين الفاطميين في العقيدة والمذهب، والسبب باختصار هو أن الفاطميين أكرموا عُمارة وأغدقوا عليه المال، وهو تماماً ما يحدث اليوم مِن قبل بعض الجماعات والحركات السنّية التي ارتمت في حضن إيران والشيعة لتحصيل الامتيازات والحصول على بعض التمويل، دون اعتبار لعقيدتهم الفاسدة أو ممارساتهم الطائفية.

 من هو عُمارة اليمني؟

هو أبو محمد عمارة بن علي بن زيدان الحكمي المذحجي اليمني، ولد سنة 515هـ، وطلب العلم مدةً بزبيد في اليمن، وهو شاعر وفقيه شافعي، حجّ في سنة 549هـ، وهناك التقى بأمير مكة، قاسم بن فليتة، الذي أوفده إلى مصر، حيث خليفة الفاطميين، الفائز، فوصلها في شهر ربيع الأول من سنة 550هـ. فلما مثل عمارة أمام الفائز ووزيره الصالح طلائع بن رزّيك أنشد قصيدة جاء فيها:

فهل درى البيتُ أني بعد فرقته                    ما سِرتُ من حرمٍ إلاّ إلى حرم

حيث الخلافة مضروب سرادقها                   بين النقيضين من عفو ومن نقم

وللإمامة أنوار مقدسة                            تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم

أقسمت بالفائز المعصوم معتقدا                   فوز النجاة وأجر البر في القسم

لقد حمى الدينَ والدنيا وأهلَهما                     وزيرُه الصالح الفراج للغمم

 

 لقد كانت هذه القصيدة مفتاح عمارة إلى قلوب الفاطميين وإلى مِنحهم، وأحدثت أثرا كبيرا في حياته، وقد قال هو عن قصيدته: "وعهدي بالصالح وهو يستعيدها في حال النشيد مرارا، والأستاذون وأعيان الأمراء والكبراء يذهبون في الاستحسان كل مذهب، ثم أفيضت عليّ خلع من ثياب الخلافة ‏المُذهبة، ودفع لي الصالح خمسمائة دينار، وإذا بعض الأستاذين قد أخرج لي من عند السيدة الشريفة بنت الإمام الحافظ خمسمائة دينار أخرى، وحمل المال معي إلى منزلي، وأطلقت لي من دار الضيافة رسوم لم تطلق لأحد من قبلي، وتهادتني أمراء الدولة إلى‏ منازلهم للولائم، واستحضرني الصالح للمجالسة، ونظمني في سلك أهل المؤانسة، وانثالت عليّ صلاته وغمرني بِرّه..".

عاد عمارة بعد ذلك إلى مكة، ومنها إلى مسقط رأسه في اليمن، وفي ذهنه ذكريات الأيام السعيدة التي قضاها في مصر، وما قوبل به من حفاوة وكرم، وأخذ يتحين الفرصة للعودة إليها مرة أخرى.

وفعلاً عاد إلى مصر، التي تولى العاضدُ حكمَها بعد موت الفائز في سنة 555هـ (1660م)، واستمر عمارة في ولائه للحكام الفاطميين ووزرائهم المتغلّبين حتى سنة 564هـ (1169م)، حيث ظهر عودة القوة السنية في مواجهة الدولة الفاطمية، المتمثلة في نجاح الحملات العسكرية التي أرسلها نور الدين زنكي في إخضاع مصر، وتولي قائدها أسد الدين شيركوه (عمّ صلاح الدين) الوزارة، لكنه توفي بعد شهرين فقط ليتولى صلاح الدين الوزارةَ خلفاً لعمّه.

ومنذ ذلك الحين بدأت الأوضاع في مصر تنقلب رأساً على عقب، وبدأ صلاح الدين –بأمر من نور الدين- يعدّ العدّة لإسقاط الدولة العبيدية الفاطمية، وإعادة مصر إلى مذهب أهل السنة ودولة الخلافة العباسية، كما كانت عليه قبل قدوم العبيديين، إلى أن تمكّن من اتخاذ الخطوة الحاسمة في بداية سنة 567هـ (1171م)، ووجد عمارة وغيرُه من أنصار الفاطميين أنفسَهم خارج نظام التعظيم والعطايا السّخية، لذلك أعلنها صريحة أن المصالح قبل كل شيء:

فقد صارت إليكم الدنيا بأسرها                       فلا تشبعوا منها ونحن جياع

 وبدلاً من الانحياز إلى الدولة السُّنية الجديدة، انحاز عمارة السنّي إلى الشيعة الفاطميين وعطاياهم، وحنّ إلى ما كان ينعم به من ترف العيش في ظلّهم، وأسف على زوال دولتهم، وقال في ذلك:

أسفي على زمن الإمام العاضد                                أسفُ العقيم على فراق الواحد  
جالستُ من وزرائه وصحبتُ من                               أمرائه أهل الثناء الماجد  
لهفي على حُجرات قصرِك إذ خلت                            يا ابن النبي من ازدحام الوافد

ومما قاله أيضا:

لهفي ولهف بني الآمال قاطبةً                         على فجيعتنا في أكرم الدّول
قدمتُ مصر فأولتني خلائفها                         من المكارم ما أربى على الأمل

يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة                        لك الملامة إن قصّرت في عذلي

بالله زر ساحة القصرين وابْكِ معي                 عليهما لا على صفّين ولا الجمل

وقل لأهلها والله ما التحمت                  فيكم قُروحي ولا جرحى بمندمل

ماذا ترى كانت الإفرنج فاعلة               في نسل آل أمير المؤمنين علي

ولا نزال لليوم نشاهد أمثال عمارة في عالمنا، فها هم "البشاريون" يندبونه ليل نهار، وقد قاربت شمسه على المغيب بإذن الله، وليت عمارة اكتفى بالشعر والقلم في موالاته للفاطميين، بل إنه انخرط في مؤامرة كبيرة للقضاء على صلاح الدين ودولته السنّية الفتيّة، تضاف إلى سلسلة المؤامرات التي كانت تتهاوى على صلاح الدين وتحرِمه من أن يلتقط أنفاسه ويتفرغ لقتال الصليبيين.

 

تفاصيل المؤامرة

كان عمارة مركزَ هذه المؤامرة وبؤرتها، واشترك فيها عدد من أمراء الدولة العبيدية الفاطمية وقادتها ممّن هالهم أن يروا دولةً سنيةً تقوم على أنقاض دولة الشيعة الإسماعيلية، أو ممّن فقدوا الامتيازات والجاه والنفوذ، وعلى رأسهم: ابن الكامل، قاضي القضاة، وابن عبد القوي، داعي الدعاة، والعوريس، ناظر الديوان، وشُبْرما، كاتب السر، وعبد الصمد الكاتب، أحد أمراء المصريين، ونجاح الحمّامي، ومنجّم أرمني نصراني، كان قد بشرهم بأن هذا الأمر يتمّ بعلم النجوم‏.‏

أما زمانها، ففي عام 569هـ، أي بعد أكثر من عامين على تمكّن صلاح الدين من إسقاط دولة الفاطميين، ويبدو أن المتآمرين كان لديهم الجلَد والإصرار بحيث كلما فشلت لهم مؤامرة نهضوا لأخرى.

 كانت هذه المؤامرة تقوم أساسًا على استدعاء الصليبيين للقدوم إلى مصر، وحينها يخرج صلاح الدين لقتالهم فينقضّ عليه بقايا العبيديين وأنصارهم من الخلف، فيصبح بين فكّي كمّاشة، ويسهل القضاء عليه، تماماً كما خطط مؤتمن الخلافة قبل ذلك بخمس سنوات، وهي المؤامرة التي تحدثنا عنها في عدد سابق.

أما المؤامرة الجديدة فاتّسمت بالتنظيم والشمول واستغلال كافة الظروف، فهي لم تكتفِ باستقدام الصليبيين، بل واستدعاء طائفة الحشاشين الإسماعيلية من خارج مصر، وعيّن المتآمرون خليفةً منهم ووزيرا ووزّعوا المناصب استعدادا لليوم التالي لسقوط صلاح الدين.

وتفصيل ذلك أنه اتفق جماعة من أمراء الدولة الفاطمية وقادتها على إعادة دولتهم والتخلص من صلاح الدين، وقاموا بمراسلة الصليبيين وملِكهم عموري الأول، ملك القدس (وما أكثر ما راسل الفاطميون عموري!!) كما راسلوا ملِك صقلية النورماندي للقدوم إلى مصر. واختار المتآمرون توقيتا حساسًا تمثل بخروج صلاح الدين في جزء كبير من قواته في حملةٍ نحو الكرك والشوبك في الأردن، وبالتالي فالقتال سيكون مع الجزء المتبقي من قوات صلاح الدين في مصر، وحينها ينقضّ بقايا العبيديين وأنصارهم وجنودهم على هذه القوات من الخلف، ويطوّقونها، ويقضون على صلاح الدين ودولته.

ولتحقيق ذلك راسل المتآمرون أيضا رشيد الدين سنان، زعيم طائفة الإسماعيلية النزارية المعروفة بالحشاشين، والتي اشتهرت بتنفيذ الاغتيالات، إذ أرادوها حربا قاصمة لصلاح الدين تُذكّرنا بيوم الأحزاب، يوم أن اجتمع الشر كله على قتال الفئة المؤمنة.

 لكنّ صلاح الدين عاد إلى مصر قبل تنفيذ الخطة، فهو كان يشعر أن الأوضاع فيها لم تكن مستقرة وبقايا الفاطميين يكيدون له الكيد تلو الكيد، وهنا انتقل المتآمرون إلى "الخطة ب" و"الخطة ج" و"الخطة د" والمتمثلة بمعاودة مراسلة الصليبيين، وإغرائهم بغزو مصر في الوقت الذي يتوجه فيه الأمراء والجنود إلى إقطاعاتهم لجمع الغلات والمحاصيل من الحقول، وأخذ حصصهم وتوزيعها، كما كان متعارفا عليه في ذلك الوقت، فيبقى صلاح الدين في القاهرة وحده، وبعدد قليل من الجند فيسهل القضاء عليه.

ومن جملة الخطط البديلة التي اتخذها عُمارة اليمني بعد عودة صلاح الدين من الأردن أنه أغرى توران شاه، شقيق صلاح الدين– وكان ممّن يجالسه- بالذهاب إلى اليمن لغزوها، وكان يتحدث له عن حُسنها وخيراتها، ليتخلص من قوة صلاح الدين الموجودة في مصر، ويمنع خلافة توران شاه لأخيه في حال مقتله أو أن يتمكن من لمّ شمل الجيش بعده. وكان عمارة‏ يقول للمتآمرين:‏ ... وأنا قد أبعدتُ أخاه إلى اليمن خوفًا أن يسد مسده، وتجتمع الكلمة عليه بعده‏.‏

إذًا: إصرارٌ على المؤامرة، واتخاذ كل السبل، وبذل كل الإمكانيات، لكنّ الله سبحانه وتعالى سلّم صلاح الدين إذ تم كشف هذه المؤامرة. وهذا يكشف لنا عن عمق تنظيم الفاطميين ودولتهم العميقة والذي تطلب من صلاح الدين جهداً ووقتاً كبيرين في قلعها، مما يؤكد أن عتب نور الدين على صلاح الدين واستبطائه في عدم القضاء على الدولة الفاطمية لم يكن مصيباً فيه، وأن صلاح الدين كان مدركاً لحجم القوة الفاطمية الخفية، التي لم يدركها نور الدين لبُعده هناك بالشام.   

القضاء عليها

ذكر المؤرخون روايتين لكيفية قضاء صلاح الدين على هذه المؤامرة:

الأولى: أن عبد الصمد الكاتب، أحد رؤوس المؤامرة، كان إذا لقي القاضي الفاضل (كاتب صلاح الدين ومستشاره) يخدمه ويتقرب إليه بجهده وطاقته، فلقيه يومًا فلم يلتفت إليه، فقال القاضي الفاضل‏:‏ ما هذا إلا لسبب‏.‏ فأحضر الواعظ الشيخ زين الدين علي بن نجا وأخبره الحال وقال‏:‏ أريد أن تكشف لي الأمر، فسعى في كشفه واستطاع أن يكشف الأمر ويخبر صلاح الدين.

الأخرى: أن المتآمرين أدخلوا معهم الواعظ علي بن نجا (وذلك من قلة عقولهم وتعجيل دمارهم) فتظاهر بمساندته لهم في البداية، لكنه كشف أمرَهم لصلاح الدين.

كما كان لصلاح الدين عيون وجواسيس في بلاد الصليبيين، وهذا من فطنته وحزمه رحمه الله.

وأيّا يكن الأمر فقد انكشفت مؤامرتُهم، وأحضرهم صلاحُ الدين وواجههم فاعترفوا، وحينها استفتى العلماء والفقهاء بشأنهم فأفتوا بقتلهم، جزاء خيانتهم وتآمرهم مع الصليبيين ضد المسلمين، فقتلهم وصلبهم، ومنهم عمارة، الذي دفع عمارة حياته ثمن مواقفه التي جعلت المال والعطايا قبل العقيدة والمبادئ.

وقد أنشد تاج الدين الكندي في ذلك قائلا:

عمارة في الإسلام أبدى خيانة                                    وبايع فيها بيعةً وصليبا 
وأمسى شريكَ الشرك في بغض أحمد                             فأصبح في حب الصليب صليبا 

 

أما أتباع هؤلاء الأمراء والقادة الخائنين وغلمانهم، فقد أمر صلاح الدين بنفي من بقي من جيش العبيديين إلى أقصى البلاد، أما ذرية العاضد فقد وضعهم في دار أو مكان بما يشبه الإقامة الجبرية لئلا يكونوا محور مؤامرات جديدة.

 وكان القضاء على المؤامرة في رمضان من سنة 569هـ، لكنّ مؤامرات فاطمية أخرى كانت بانتظار صلاح الدين وهي ما سنتحدث عنها في العدد القادم إن شاء الله.

 

للاستزادة:

1-    الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية.

2-    ابن الأثير، الكامل في التاريخ.

3-    عمارة اليمني، النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية.

4-    د. علي الصلابي، صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس.

5-    جمال بدوي، الفاطمية دولة التفاريح والتباريح.

6-    شاكر مصطفى، صلاح الدين الفارس المجاهد، والملك الزاهد المفترى عليه.

7-    هيثم الكسواني، مقال "عمارة اليمني: شاعر سُني يمدح الفاطميين"، مجلة الراصد، العدد 86، شعبان 1431هـ.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق