التشيُّع الإمامي ونقض مقاصد الرسالة
الأربعاء 17 يونيو 2015

 عبدالله بن عمر الخضري – كاتب عراقي

خاص بالراصد

في منظومة التشيع العقدية تضيع مقاصد الرسالة وتنحو منحىً آخر، وطريقاً آخر؛ تعاكسه في الاتجاه، وتُضادُّه في الصميم، وتغيب تلك المقاصد التي دَلَّ عليها القرآن - بجلاء ووضوح - في تضاعيف الروايات التي وضعها الغلاة الزنادقة، الذين صنعوا التشيع في دهاليزهم المظلمة، والذي تنتمي إليه الشيعة الإمامية اليوم بكل جدارة، وهم امتداد طبيعي لهم ولمقولاتهم، وإن تظاهروا بأنهم خلاف ذلك.

ولا حَظَّ للشيعة من الانتماء إلى أهل البيت ومشايعتهم بقدر انتمائهم لأولئك الغلاة الذين لعنهم أئمةُ أهل البيت على رؤوس الأشهاد، أمثال: المغيرة بن سعيد، وأبي الخطاب الأسدي، والمفضل بن عمر، وغيرهم، وهم كثر.

وهؤلاء وإن كان الشيعة يلعنونهم ويتبرأون منهم – في مصنفاتهم - لكنهم في عقائدهم ومناسكهم إنعكاس عنهم، وامتداد طبيعي لمقولاتهم([1])، كحالهم مع النصيرية اليوم فهم يكفّرونهم ويلعنونهم في مصنفاتهم كذلك، لكنهم يتعشَّقون بهم، ويتحالفون معهم في حربهم لأهل السنة والجماعة.

وكان سلفنا الصالح في القديم يسمُّون هؤلاء بأسمائهم، وينسبونهم إلى حقيقة أنفسهم؛ فهم - عندهم – خطابيَّة أو مُغِيريَّة، ونحوِ ذلك. أما هم – اليوم - فقد أمعنوا في تسويق أنفسهم على أنهم شيعة أهل البيت! وأتباع أهل البيت! ومدرسة أهل البيت! تمويهاً وتغريراً! وتغطيةً على حقيقة أنفسهم، وهؤلاء لا بد لهم من أن ينسبوا أنفسهم إلى أهل البيت حتى يمرِّروا أباطيلهم وزندقتهم من تحت عباءتهم ومن وراء ظهرهم!! ولولا ذلك لما راجت، ولما وجدت لها سوقاً نافقة!

وعموماً فإن دلالة مرويات الغلاة تصرف الذهن إلى أن مقاصد الرسالة التي بُعِثَ بها محمد صلى الله عليه وسلم لم تكن الدعوة إلى الله تعالى وتوحيده، ونقض الشرك وإبطاله، وإنه تمخض عن ذلك صراعٌ بين الشرك والتوحيد، والكفر والإيمان، والهدى والضلال، إلى أن حُسِمَ هذا الصراع لصالح التوحيد والإيمان والهدى، على الشرك والكفر والضلال.

إنما كانت مقاصد الرسالة – عند القوم - في الدعوة إلى إمامة عليٍّ رضي الله عنه وولايته التي لم ينادَ بشيء كما نودي بها، ومن ثَمَّ فقد اختُزِلَ الصراع كلُّه في هذه الإمامة التي أخذت فيه حيِّزاً كبيراً كحجم الربوبية والألوهية، لا بل إنها حلَّت محلها، وأخذت مكانها في أهميتها وخطورتها!

لكن الإشكال سيزول إذا انكشفت باطنية التشيع على تسمية الإله بالإمام، وأن الشرك ليس مراداً به إلا الشرك في ولايته وإمامته!

فالصراع لم يكن إلا بين هذا الولي الإمام، وبين من ينازعونه ولايته وإمامته من الصحابة، وتختزل الرسالة ومقاصدها وتداعياتها كلها في هذا المعنى، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد حتى ينتقلون بهذه الولاية وصراعاتها إلى أن تكون صراع الوجود كله، ومحنة الوجود كله، فتنعقد معاقد الوجود والخلق كلها على هذا الغرض، وصارت حلقة الصراع كلها تدور رحاها حول هذه البؤرة الضيقة، حتى إن هذه الولاية تُعْرَض على السموات والأرضين، والشمس والقمر، وعلى البر والبحر، والحجر والشجر، وعلى الإنس والجن والملك، وعلى الأنبياء والمرسلين، وعلى الجماد والأحياء، وعلى كل شيء في هذا الوجود دَقَّ أم جَلَّ، ويُمتحن هؤلاء كلهم في قبولها أو ردِّها.

وفي ضوء هذه المحنة العظيمة، وابتلائها؛ فإن كلَّ شيءٍ في هذا الوجود يستمدّ قيمته ومرتبته، من هذا التداعي مع هذه المحنة، ومن هذه الزاوية وبهذا الاعتبار، في القبول والرد، ثم تنبثق المتضادات في الحياة على أساسها، وتنطلق في كل الاتجاهات، صعوداً وانحداراً، عزاً وذلاً، كفراً وإيماناً، وتوحيداً وشركاً، وسعادةً وشقاوةً، وجنةً وناراً، فهذه كلها صارت معقودة على هذا الابتلاء الجسيم، والامتحان الصعب، وعلى أساسها ظهرت الأضداد، وتوزعت الأدوار في الوجود!

وفي ضوء تداعيات هذا الانحراف الضخم، فإنك ترى انعكاساته وآثاره الخطيرة على الواقع الشيعي برمّته ظاهراً جلياً، وتبرز الشيعة على الحقيقة في سلوكها الديني التعبدي انعكاساً عن تلك الروايات الغالية وترجمة حرفية لها، وتراهم يتناغمون مع فحوى تلك الروايات، بالقدر الذي ينفصلون فيه عن القرآن ومقاصده وتعاليمه في الإيمان والتوحيد، ويفقدون فيه آخر رصيد لهم في التوالف والانسجام معه.

وإلى حدٍ بعيد، فليس للقرآن تأثيرٌ في دياناتهم وعقائدهم؛ لأنهم انفصلوا عن تغذيته التي تنبت التوحيد وتعظيم الله تعالى في القلوب وترسخه وتقويه، إلى فحوى الروايات التي تنبت الشرك والضلال، والصدَّ عن الله تعالى وعن سبيله، بدعوى المحبة لأهل البيت، وإنما كانت – على الحقيقة - محبة الأنداد والأصنام التي قال تعالى فيها: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165]؛ ولأنهم منفصلون عن هذا المعنى القرآني في المحبة التي تكون نِديَّة لمحبة الله تعالى، في مقابل عكوفهم الغالي على فحوى تلك الروايات الغالية التي تصرفهم عن الله تعالى، وتوقعهم في هذه المحبة النديَّة لله تعالى، محبة التعظيم والتأليه التي لا تكون إلا له سبحانه، والتي وصفها علي بن الحسين زين العابدين رحمه الله تعالى بأنها محبة الأصنام لا محبة الإسلام، فنادى في أهل العراق الذين ظهر فيهم هذا الحب الغالي بقوله: "يا أهل العراق أحبونا حبَّ الإسلام ولا تحبونا حبَّ الأصنام، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عاراً"([2])؛ فهذه هي المحبة التي تزاحم محبة الله تعالى، وتخرجهم من دائرة التوحيد والتأليه الحق، وتسقطهم في حمأة الشرك والضلال، من حيث يشعرون أو لا يشعرون! 

وعلى هذا فهم لا يعكسون الربانية التي ارتبطت بالقرآن تعلماً ومدارسة {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79]. وإنما يعكسون الصنمية في حبِّ أهل البيت التي ارتبطت برواية الغلاة، وأفسدت عليهم دينهم وتوحيدهم!

وقد عزَّزَ هذا الأمر نسبتهم القرآن إلى التحريف؛ فتَمَّ للغلاة مرادهم، واستحكم ضلالهم؛ لأن مروياتهم الغالية هي التي حلَّت محله رسمياً وبالمجان، ثمَّ هي التي تولت – بعد ذلك - صناعة الشيعي في قوالبها، وصبغته بصبغتها وطلائها في أشد ما في الغلو من معنى! وذلك بأن صرفته عن ربه ومعبوده الحق، إلى هذا الذي أحلته الروايات محله؛ والواقع شاهد على ذلك وبوضوح منقطع النظير!

وإذا كان لا بد من القرآن – لسبب أو لآخر - فإنه ينبغي أن يخضع لمقتضى تلك الروايات ويتناغم في معناه معها، خاصة وقد افترضوا الإمام قيِّماً على القرآن في فهمه وتوجيهه، والكشف عن مراده وباطنه([3])! ولأن للقران أبطناً لم يطلع عليها، ويغوص في أعماقها إلا العارف بها، وهو نفسه قيِّم عليه في إدراكه، وسبر أغواره، الذي كشف لنا عمّا في القرآن من البحور والبواطن التي لم يطلع عليها إلا هو، ومن كان من ذريته على رسم الإمامة المعصومة حصراً وقصراً، فقد نَحَلَ القومُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً يقول فيه: "إنّ للقرآن ظهراً وبطناً، ولبطنه بطناً إلى سبعـة أبطن" وفـي رواية "إلى سبعين بطناً" وفي أُخرى "سبعين ألف بطن"([4])؛ ولأجله فليس شيء أبعد لعقول الرجال من تفسيره، كما قال الإمام أبي جعفر الباقر لجابر: "يا جابر إنّ للقرآن بطناً، وللبطن بطن، وله ظهر وللظهر ظهر، يا جابر وليس شيءٌ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن"([5]).

فلما كان الشيعي بمعزل عن القرآن في تلاوته، وإذا كان له حظ من ذلك؛ فتبركاً، لا فهماً له، ونظراً في مقاصده، ولا تلقياً لتعاليمه، أو عملاً بوصاياه وشريعته، وإذا سَوَّلتْ له نفسه التطلع إلى شيءٍ من ذلك، أو النظر إلى فهم مراده وتنزيله منازله؛ فمن خلال الإمام المعصوم القيِّم على فهمه وتوجيهه، العارف بأبطنه وأسراره؛ فإذا قرأ أو سمِعَ قول الله تعالى {لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: 51]، توقف ونظر في قول إمامه حتى يكشف له الإمام القيِّم عن مكنونه وجوهره، ومن المراد بالإله في باطنه، فيأتيه الجواب: "يعني بذلك: ولا تتخذوا إمامين، إنما هو إمام واحد"([6])!!!،

وإذا سَمِعَ أو قرأ قول الله تعالى: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر: 69]، كشف الإمام عن باطنه وسِرِّه ليقول له: "أن ربَّ الأرض هو الإمام، فحين يخرج الإمام يكفي نوره، ولا يفتقر الناس إلى الشمس والقمر"([7]).  

أما قوله تعالى: { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [الزمر: 65]، فإنه عند القيِّم على القرآن: "لئن أشركت في ولاية علي أحداً"([8]).

وهكذا تنحو روايات الإمامية هذا المنحى الأعوج الأهوج في تفسير القرآن، وآيات التوحيد منها بالذات، شططاً وبُعداً عن مقاصده وأغراضه، وإغراقاً في الغلوِّ الذي يعود على الرسالة بإبطال أعظم مقاصدها، وأشرف أهدافها في التوحيد والإيمان!

فالإله والربُّ في ظاهر هذه الآيات هو الله تعالى، وفي باطنه هو الإمام، فصارت لفظة الإله أو الربّ الذي في الآية يتنازعه الله في ظاهره، والإمام في باطنه؛ فإذا كان الظاهر مهجوراً، وأحال الإمام فهم باطنه إليه، وجاء الباطن على هذا المعنى الذي لاتجرؤ الزنادقة عليه، انكشف المخبوء، وانفضح المستور، في أن الإمام يحيل الناس إلى أنه هو الإله وأنه هو الربُّ المراد من الآية ومن حقيقتها وحقيقة باطنها!!

بمعنى أدق: فإن ألفاظ الإله والرب - وكذا الشرك – التي في كتاب الله تعالى؛ هي ألفاظ مشتركة بين الله تعالى في ظاهر القرآن، وبين الإمام في باطنه، والإمام يكشف حقيقة المعنى الذي خلف هذا الظاهر، فينكشف على أنَّه هو الإمام نفسه!

وهكذا تنقض عرى التوحيد، ويبطل جنابه، وتنهتك حرماته، بمثل هذا النزق الباطني الخبيث، ويُلبَّس على الناس أمر دينهم، وينعكس واقعه على الشيعة في أنهم لا يحفلون بالتوحيد ولا بالموحدين! وليس شيء أبغض إليهم من التوحيد والموحدين! ولا يطيق أحدهم بأن ينادى الله وحده، أو يُدعى الله وحده، فيكابر في دفعه، وينافح في ردِّه، فينعقد لسانه ويتلجلج، ويظهر الاشمئزاز في وجهه من سماعه، فلا تحتمله نفسه، فتهتز أركانه، ويرعد ويزبد، وينزعه عرقه، وتتجلجل الباطنية بسربالها الخبيث في التعبير عن نفسها بالقول: "يا الله، بلا يا علي، شرك"([9])! هكذا، بلا مواربة ولا خجل.

أما قول الله تعالى الغائب المهجور عندهم، والمصروف عن محامله إلى محامل الباطنية، فيكشف عن هؤلاء وعن نزقهم الخبيث في هذا بالقول: {ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ } [غافر: 12]، ثم يخبر الله تعالى عن اشمئزازهم وكراهيتهم وبغضهم في أن يذكر الله وحده، دون من يعظمونهم ويقدسونهم، وعدم قدرتهم على تحمل التوحيد والوحدانية بالقول: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: 45]، لكن القوم بمعزل عن هذا، لايفهمونه ولا يعونه ولا يتقبلونه! قد عميت أبصارهم عنه، وانتكست فطرُهم، حتى صار الله وحده، دون عليٌّ وأولاده، لا قيمة له ولا شأن له؛ لأن الله تعالى – كغيره - يستمد قيمته وعظمته من وجود عليٍّ رضي الله عنه؛ ولأن قيم الأشياء – كما مَرَّ سابقاً - تستمد من ذاك التداعي في محنة الولاية على هذا الوجود، والغائرة في القدم زماناً ومكاناً!  

والشيعي الإمامي بطبيعة الحال ووفقاً لميوله ونزعته في التلقي عن إمامه سوف ينصرف ذهنه - عند سماعه لهذا الغثاء - إلى المعنى الذي أحاله إليه إمامه، أكثر من أن ينصرف إلى القرآن ومراده، وسيكون حضور الإمام في كونه هو المراد من الإله والربّ أكثر من أيِّ شيء آخر! لأنه ملزم بقول القيِّم على هذا الكتاب، ولا يلتفت إلى تأويلات المتأولين، ولا تمحل المخرفين؛ لأن تأويلاتهم أكثر تعقيداً، وأشدَّ عُسراً على الفهم من قول الإمام([10])! والإمام يقولها واضحة صريحة، وهم يلتفون عليها، ويحرفونها عن مسارها، ويتلجلجون في تخريجها، بله ترقيعها!

ثم من يفهم القرآن حقَّ فهمه، ويعطيه حقَّه ومستحقَّه، وينزِّله حقَّ تنزيله، وهو أقدر على كشف مراد المتكلم به، من هذا الإمام المعصوم المنصوص عليه من ربّه؟!  

وهل الإمام المعصوم يضع لمعاني القران ألفاظاً موهمة تضلل الناس عن دينهم، وتصرفهم عن توحيدهم الذي فيه خلاصهم ونجاتهم؟ وهو الإمام المعصوم الذي يعصم الله تعالى به الدين والملة، كما يعصم به العباد من الضلال والشرك والفتنة، بزعم القوم تنظيراً وتشقيقاً!

وإنما ذلك مما وضعته الزنادقة على ألسنة أئمة أهل البيت، وجاء علماء الإمامية ليتأولوا للزنادقة ضلالهم وغلوهم، بدلاً من أن يدفعوه وينقضوه، لمخالفته الصريحة لكتاب الله تعالى، ومناقضته للآيات البينات، والبراهين القاطعات التي دَلَّ عليها! أم أن العرض على القرآن دعوى بلا فحوى!! 

ونحن – هنا - لا نشكُّ أبداً بأن المغيرة بن سعيد، أو أبا الخطاب الأسدي أو الغلاة المنسوبين إليهم – والذين كانوا يعتقدون بألوهية الأئمة - هم الذين وضعوا هذا الكفر والزندقة على لسان أئمة أهل البيت وهم الذين نحلوهم هذا الزيغ، حاشا الأئمة أن يقولوه أو أن يجرؤوا عليه.

وقد قال جعفر الصادق رحمه الله تعالى في المغيرة بن سعيد الغالي هذا: "كان المغيرةُ بن سعيد يتعمَّد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي؛ فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدسُّ فيها الكفر والزندقة! ويسندها إلى أبي ثم يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم أن يبثُّوها في الشيعة، فكلما كان في كتب أصحاب أبي من الغلوّ فذاك ما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم"([11]).

أرأيتم كيف تسلل الكفر والزندقة إلى دين الشيعة؟ وكيف دخلت دسيسة المغيرة في كفره وزندقته إلى هذا الذي يزعمونه دين أهل البيت، ومدرسة أهل البيت؟! وأهل البيت براءٌ منه ومن كفره وزندقته وضلاله، لكن هذا هو الذي حصل للأسف الشديد، فهذا النتن الذي تراه في روايات الغلو، انبعثت رائحته من تلك المياه الآسنة!

وصارت الشيعة الإمامية – بموجب ذلك - تنتسب في نحلتها وملتها إلى أولئك الزنادقة المارقين، أكثر من انتسابها لأهل البيت؛ لأن الشيعي الإمامي يؤمن بهذا، ويدين به، ويعتقد أن الأئمة قالوه، وتحركت به ألسنتهم، وعليه أن يؤمن بما قاله الأئمة القَيَّمُون على كتاب الله تعالى الصامت، وهم الناطقون عنه([12]). وهو لا يجرؤ أن يحرك عقله في فهمه وتنزيله منازله، لكنه مُدانٌ بهذا أشدَّ الإدانة؛ لأن القرآن ينطق بغير هذا؛ وهو كتاب هدى لا كتاب ضلالة؛ فكيف يسوغ أن يكون ظاهره في تأليه الإله الحق، وباطنه تأليه العبد المخلوق المربوب لله!

إن الزنادقة قد وضعت للقران باطناً يتصادم مع ظاهره، ويضادَّه ويتعاكس معه، ويتعاكس مع مقاصد الرسالة كلها، وينقلب عليها، ويذهب بها إلى الكفر والمروق والزندقة، ومفارقة أصول الإيمان، والخروج من ملة الإسلام!

وعلى هذا فهم على ملة المغيريِّة أو الخطابيّة والفرق الغالية، وهؤلاء لا يمتُّون إلى أهل البيت بصلة، لا من قريب ولا من بعيد، بل هم – على الحقيقة – ملعونون على لسان أئمة أهل البيت، الذين هم على الضد منهم ومن دينهم وملتهم، التي هي {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 95].

فالشيعة اليوم تدين بدين الملعونين على لسان أئمة أهل البيت، ولا صلة لهم بأهل البيت إلا بالمتاجرة بهم، والتزين بهم، وطلب التزكية لأنفسهم؛ فلينظروا لأنفسهم أين يضعونها من هذا اللعن في سيرهم على منهاج أولئك الزائغين، وتتبع طرائقهم، واقتفاء آثارهم؟!   

ويبرز – هنا – أن التوحيد الذي أشار إليه القرآن مراراً ليس مراداً به إلا توحيد عليٍّ في ولايته وإمامته، والشرك كذلك إنما هو الشرك في ولايته وإمامته! وهكذا الكفر والإيمان، والهدى والضلال، وكل المتضادات الشرعية! وهي عملية إفراغ القرآن – من معناه في التوحيد والإيمان - من محتواه، وصرفه عن مبتغاه! وحشوه بهذه الزندقة التي تصرف أذهان الناس عن حقيقة ما أُريد بهم ومنهم، وإضلالهم عن حقيقة دينهم، وصَدِّهم عن سبيل ربهم { لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } [الأنعام: 137].

ولما كانت دلالات القرآن في التوحيد والشرك وسائر المتضادات واضحة المعنى والدلالة وهي على غير هذا النزق الذي أشاعته الغلاة، بل تعاكسه وتضاده، فكان لا بد لهم من صرفها عن ظاهرها وما دلت عليه من المعانى التي أرادها الله تعالى منها، فتعسفوا غاية التعسف في صرفها عن مقصودها وما دلت عليه، إلى هذه المقاصد الأعجمية عن الإسلام والمناقضة له في الصميم! فدخل عليهم الإنحراف من أوسع أبوابه!

لكن لمّا أعجزتهم الحيلة، وأعجزهم القرآن الذي لا يقبل الباطل عن الاستجابة لمتطلبات الزيغ الذي ينزعون إليه، فإنهم جعلوا  للقران باطناً غير ظاهره. والباطن مرتع خصب لكل زائغ لكي يلقي فيه نزغه وزيغه وقذره...

وإنما جعل الله تعالى اللفظ في دلالة ظاهره حاكماً على باطنه في ضبطه وتوجيهه! حتى لا يعود الباطن على دلالة لفظه في ظاهره بالنقض والإبطال، ولكي لا نلقي بالعداوة بين اللفظ ومعناه، فتتجاذبه المعاني والدلالات، وإلا فتحنا باب التحريف والتزييف على مصراعيه. ويصير اللفظ هلامياً مفتوحاً على كلِّ معنى أعجمي شاذ، وقابلاً لكل دلالة فاسدة ونشاز!

ولكن لأن التشيع تحكمه الازدواجية في كل شيء، فقد نسبوا القرآن إليه، وأسقطوا واقعهم عليه، فصار للقران باطنٌ غير ظاهره، وصار الله تعالى في كلامه، كالشيعيِّ في تَقيَّتِه برسم "وافقوهم بالبرانية، وخالفوهم بالجوانية"([13])!

   وإنا لله وإنا إليه راجعون...

 



[1]- ويمكنك أن ترى الكثير من المظاهر التي تلبس بها الغلاة، تراه واقعاً ملموساً لدى الشيعة الإمامية اليوم، حتى في الأمور العملية الفقهية، من ذلك: أن رجلاً سأل جعفر الصادق: أؤخر المغرب حتى تستبين النجوم؟ فقال: خطابية؟ إن جبرئيل نزل بها على محمد عليه الصلاة السلام حين سقط القرص (البحار للمجلسي 80/ 65 )؛ فانظر كيف نَسبَ هذا الفعل إلى الخطابية! ومع ذلك فلا يزال الشيعة على سنة أبي الخطاب هذه في تأخير صلاة المغرب حتى تستبين النجوم، خلافاً لما عليه أهل البيت من ذلك!

[2]- بحار الأنوار للمجلسي (46/73).

[3]- يقول الكليني: القرآن لا يكون حجة إلا بقيِّم، وإن علياً كان قيم القرآن، وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام. أصول الكافي (1/78)، ورجال الكشي (ص 420)، وعلل الشرائع (ص 268)، وسائل الشيعة للحر العاملي (8/141).

[4]- نصّ النصوص للآملي: (ص 72)، وجامع الأسرار ومنبع الأنوار: (ص 104، 530، 610)، ومستدرك سفينة البحار - الشيخ علي النمازي الشاهرودي (8/455).

[5]-  تفسير العياشي (1/87)، الحدائق الناضرة للبحراني (1/ 27)، مستدرك الوسائل (17/334-335).

[6]- بحار الأنوار للمجلسي: (23/357). وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (27/192-193)، تفسير القمي (ص 584).

 

[7]- بحار الأنوار للمجلسي (7/326)، تفسير القمي (2/253).

[8]- الانتصار للعاملي (5/110).

[9]- قاله أحد أساطينهم مِن على شاشة بعض فضائياتهم، وتناقلها الكثير من المواقع الإلكترونية، عبر الشبكة العنكبوتية، ووسائل التواصل الاجتماعي.

[10]- انظر: الرابط http://www.aqaed.com/faq/7264/ لمركز الأبحاث العقائدية، في تأويلهم لمقتضى هذه الروايات، وكيف أنهم زاودوا الإمام في الكشف عن مراده، فوق بيانه! وانظر زيادة في تشقيقاتهم السمجة: http://www.aqaed.com/faq/6427/

[11]- الطوسي في الاختيار (2/ 491)، و بحار الأنوار (2/ 25).

[12]- تروي الشيعة الإمامية في كتبها، أن علياً رضي الله عنه قال: "هذا كتاب الله الصامت، وأنا كتاب الله الناطق" أصول الكافي (1/61)، وسائل الشيعة للحر العاملي (27/ 34)، وجامع أحاديث الشيعة للبروجردي (1/ 201).

[13]- الكافي (2/ 221)، وبحار الأنوار (1/ 179) ، وسائل الشيعة للحر العاملي (16 / 220)، ومستدرك الوسائل للنوري الميرزا (12/ 254).  

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق