عاصفة الحزم .. ملامح الاستراتيجية السعودية الخلاقة
الأربعاء 20 مايو 2015

 

 عامر عبد المنعم – كاتب مصري

 

خاص بالراصد

من المفاجآت التي ظهرت مع تطور الأحداث في اليمن بروز السعودية كقوة عسكرية قادرة على التحرك لمنع إيران من ابتلاع اليمن، وظهر أن الملك سلمان بدأ حكمه كمحارب عنيد جاء في لحظة تاريخية لاستعادة مكانة المملكة مستخدما ترسانة عسكرية متطورة نقلت المملكة من حال إلى حال، وغيرت الكثير مما استقر في وعي المسلمين قبل غيرهم عن الصورة المسالمة للمملكة والاعتماد على الآخرين في الحماية والتحول إلى قوة ضاربة قلبت كل الحسابات في المنطقة.

لم تكن عاصفة الحزم وإعادة الأمل وثأر نجران سوى مسميات مختلفة لعملية عسكرية سياسية في إطار إستراتيجية محكمة فرضت واقعا جديدا في مواجهة المشروع الإيراني التوسعي وأوقفت الأطماع الفارسية في ابتلاع الجزيرة العربية، وفتحت الباب أمام تعاون عسكري بين الحكومات العربية والإسلامية لم يحدث منذ حرب أكتوبر 1973 عندما اتحد العرب في الحرب ضد الكيان الصهيوني.

تاريخيا كانت القوة العسكرية في الأمة متمركزة في 3 دول هي العراق والشام ومصر، فهذه المناطق الثلاث هي القوة الضاربة للأمة وبها حكمت الخلافة الإسلامية عبر التاريخ الإسلامي، وكانت الحكومات الإسلامية المتعاقبة تحرص على إبعاد الأعداء الخارجيين عن أرض الحرمين لما لها من مكانة في نفوس المسلمين، وهذا منذ بدايات الدولة الإسلامية بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان،  فالإمام علي بن أبي طالب ذهب إلى العراق، وأقام الأمويون الدولة في الشام، وبعدهم جاء العباسيون وجعلوا مقر حكمهم في العراق، وعندما سقطت الخلافة العباسية مع غزو التتار وسقوط بغداد انتقلت القيادة إلى المماليك في مصر، قبل أن تنتقل الخلافة من قلب العالم الإسلامي إلى العثمانيين في تركيا وحتى اجتياح الدول الاستعمارية للعالم الإسلامي بعد سقوط غرناطة.

بعد انتهاء الحربين العالميتين الأولى والثانية وتقسيم العالم الإسلامي باتفاقية سايكس بيكو وظهور الدول العربية بحدودها الجديدة ظل الثقل العسكري المرتبط بالثقل السكاني كما هو، في المناطق الثلاث، العراق وسوريا (بعد تفكيك الشام) ومصر، وكانت مصر تقوم بدور رئيسي في حماية وتأمين البحر الأحمر الذي كان هدفا للقوى الصليبية المعادية حتى سقوط قلب العالم الإسلامي في قبضة الاستعمار.

عاصفة الحزم

حتى بداية عاصفة الحزم كانت المملكة تطلب الاستعانة بقوات برية من باكستان وتركيا ومصر، وكان الإعلان عن التحالف العربي الإسلامي في عاصفة الحزم من ضمن أهدافه الاستعانة بقوات برية خارجية، ولكن هذا لم يحدث كما هو مخطط له لأسباب داخل هذه الدول، ففي باكستان رفض البرلمان إرسال القوات لخارج البلاد بسبب الأقلية الشيعية والمعارضة السياسية، وفي تركيا وبسبب ما يتعرض له أردوغان لم يلب الطلب السعودي، وفي مصر بسبب العقدة التاريخية للتدخل العسكري في اليمن وعدم الثقة بين الملك سلمان والمشير عبد الفتاح السيسي لم تشارك القوات البرية المصرية كما يبدو، وهذا ما جعل المملكة تغير من تكتيكاتها وتعتمد على نفسها.

كل الظروف دفعت السعودية لخوض المعركة معتمدة على قوتها الذاتية وحشد كل طاقاتها الكامنة في التحرك على أكثر من صعيد وتطوير أدائها وسط أمواج عاتية وبيئة مليئة بالتحديات، وانقلاب في التحالفات والولاءات داخليا وخارجيا، وقد نجحت الإدارة السعودية بنسبة كبيرة في اجتياز الكثير من الفخاخ ولكن يتبقى أمامها الكثير لطبيعة المعركة وتعقيداتها.

كشفت مجريات المعركة في اليمن أن الإستراتيجية السعودية بالغة الذكاء وأن الملك سلمان يستعين بمستشارين على قدر كبير من الوعي استطاعوا أن يغيروا اتجاه السياسة السعودية ويحققوا الكثير رغم الأشواك داخل البيت، وتخطي العراقيل التي تضعها الذئاب في المجتمع الدولي لإفشال التحرك السعودي.

ملامح الاستراتيجية السعودية

في ضوء متابعة ما يجري منذ انطلاق عاصفة الحزم يمكن تلخيص أهم محاور الإستراتيجية التي وضعتها القيادة السعودية كالتالي:

1-    نقل المعركة إلى اليمن وعدم الانتظار حتى تكون داخل بلاد الحرمين

من عبقرية القرار السعودي هو عدم الانتظار حتى يمتلك الحوثيون وعملاء إيران زمام المبادرة ويهاجموا أرض الحرمين وينقلوا المعركة إلى داخل حدود المملكة، فلو انتظر السعوديون أسبوعا واحدا وتركوا عدن تسقط ويسيطر عملاء إيران على كل اليمن، لكان الحرس الإيراني هو المسيطر على اليمن، كمال فعلوا في العراق وسوريا، ولكانت الصواريخ الإيرانية تضرب المدن السعودية، فالإيرانيون الذين تحركهم الأحقاد الفارسية هدفهم مكة والمدينة، وتصريحاتهم عن الإمبراطورية الفارسية المزعومة ورغبتهم في احتلال أرض الحرمين تفضحهم.

هذا التحرك السعودي المبادر هو الذي أفشل المكر الإيراني وحسم معظم المعركة وأعطى المملكة القدرة على إدارة الملف والإمساك بكل الخيوط، وهذا الانجاز يجعل ما تبقى مجرد تفاصيل ولا تحتاج سوى الوقت.

2-    عزل إيران عربيا ودوليا

كان لقرار تشكيل التحالف الدولي ومشاركة 10 دول عربية وإسلامية في عاصفة الحزم تأثيره الكبير على إظهار الإجماع العربي والإسلامي على تحرك المملكة وهذا كان له أكثر من نتيجة ايجابية، أهمها إظهار الوحدة العربية والإسلامية في مواجهة إيران ومشروعها الطائفي، ومنها حصار إيران وجعلها منبوذة وقطع الطريق على أي دولة عربية أو إسلامية تفكر في التعاون مع الإيرانيين، وهذا له تأثيره على المدى القصير والبعيد في التعامل مع إيران على أنها عدو وخصم داخل الجسد العربي والإسلامي.

3-    ضمان استمرار الغطاء الدولي للعملية

ظهر من تطورات الحرب على الصعيد الدولي قوة نفوذ المملكة على الصعيد العالمي والاستفادة من هذا في إسكات الدول الكبرى التي أجبرت على تأييد عاصفة الحزم وعدم المجاهرة بانتقاد العملية العسكرية، وقد اضطرت المملكة إلى بعض المناورات لاستمرار هذا الدعم وامتصاص محاولات إفشال التحرك السعودي، وبدا هذا عندما قررت السعودية وقف عاصفة الحزم وإطلاق إعادة الأمل دون وقف العمليات، وثم إعلان الهدنة قبل القمة الخليجية الأمريكية من طرف واحد والصبر عليها.

4-    إدارة الجهد السياسي وإبعاد الأمم المتحدة عن الملف

بينما العمليات الحربية مستمرة تعمل المملكة على الصعيد السياسي لجمع اليمنيين وإدارة الملف وعدم تركه للأمم المتحدة كما كان في السابق، فتستضيف الرياض أركان الحكومة اليمنية الشرعية واستضافة مؤتمر القوى السياسية وممثلي المقاومة الشعبية لعزل الحوثيين وحشد القوى السياسية بكل تياراتها وألوانها وراء التحرك السعودي، وهذا فيه مصلحة كبرى للطرفين لم تكن متحققة من قبل، فالسياسة السعودية السابقة كانت تتعامل مع علي عبد الله صالح كحليف ولم تبال بمكونات المجتمع اليمني، وهذا من أسباب التداعيات التي وصل إليها اليمن، ولاشك أن تواصل المملكة مع الجميع يزيد من نفوذ المملكة ويحفظ مصالحها، وفي المقابل فإن توطيد المكونات اليمنية علاقاتها مع السعودية يفيدها في تحقيق التوازن مع الحوثيين وأعوان علي عبد الله صالح ويردع إيران وفي هذا استعادة لليمن الذي كاد أن يضيع تحت حكم ميليشياوي طائفي أهدر الكرامة اليمنية .

5-    مساندة المقاومة الشعبية وتنظيمها وتسليحها

اهتمت القيادة العسكرية السعودية بتنظيم حركة المقاومة الشعبية على الأرض لتحقيق التكامل بين العمليات التي يقوم بها سلاح الجو السعودي والتحالف مع العمل البري في المحافظات اليمنية التي تجاهد ضد ميلشيات الحوثي وصالح، وبعد فترة ارتباك بسبب غياب الوحدات العسكرية الموالية لعبد ربه منصور في الجنوب بدأ التنسيق يظهر شيئا فشيئا وتحقيق انجازات مهمة للجان المقاومة الشعبية.

ورغم الضغوط الأمريكية لعدم التعاون مع الإسلاميين في اليمن استطاعت المملكة أن توجد بديلا ينخرط فيه الجميع وهو اللجان الشعبية، تحولت مع الوقت من الدفاع إلى الهجوم واستطاعت الصمود في عدن ودحر الحوثيين وميليشيات صالح في مأرب وتعز وأماكن أخرى، وهذا يؤكد أن الوقت في صالحهم وأن لا مستقبل للانقلاب.

6-    تدمير الأهداف العسكرية دون استهداف المدنيين

مما يحسب للقيادة العسكرية السعودية هو التركيز على الأهداف العسكرية وتجنب استهداف المدنيين وهذا ساهم في كسب الرأي العام اليمني الذي استقبل قصف المطارات العسكرية والمواقع الميليشياوية بالترحيب، وتصوير الضربات وبثها على مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت.

كان واضحا أن الهدف الرئيسي من العمليات العسكرية هو تدمير المطارات والقدرة الجوية والصاروخية التي سيطر عليها الحوثيون وتدمير مراكز القيادة والعمليات وتفكيك معسكرات الجيش اليمني الميليشياوي، وضرب الأهداف المعروفة في أي حرب نظامية وترك العمليات البرية لقوات المقاومة في كل محافظة الأدرى بطبيعة الحرب في بلادها.

7-    منع إيران من تقديم الدعم العسكري وخاصة الصواريخ

من الأهداف الإستراتيجية التي حرص المخطط العسكري في المملكة على تحقيقها منع إيران من تقديم الدعم العسكري لميليشيا الحوثي وقطع طرق الإمداد بين طهران وصعدة، وهذا مما ساهم في إضعاف الحوثيين وحرمانهم من الرد بفاعلية، وهنا تأتي أهمية قطع الطرق على الحرس الثوري الإيراني الذي يريد تهريب الصواريخ لليمن لقصف المملكة، ظنا من الإيرانيين أن قصف المدن السعودية بالصواريخ سيغير اتجاه المعركة!

بالتأكيد هذا الاحتمال وارد ويفسره إصرار الميليشيا على احتلال عدن وشبوة وحضرموت للوصول إلى مياه بحر العرب والحدود مع عمان، ومن ناحية أخرى الإصرار الإيراني على إرسال طائرات وسفن بزعم الإغاثة الإنسانية، ولكن حتى لو حدث هذا فلن يغير من طبيعة المعركة بل سيكون دافعا إلى سرعة حسمها من السعودية والتخلي عن سياسة الحذر ومراعاة التوازنات التي تفرضها القوى الدولية، بل وستدفع المملكة إلى اللعب بأوراق عديدة لم تستخدمها حتى الآن في الداخل الإيراني نفسه.

ستكشف الأيام القادمة عن واقع جديد في المنطقة، ببروز المملكة كقوة عسكرية مؤثرة، قادرة على صنع تحالفات جديدة وبناء محور سني يضم دول الخليج وتركيا ودول عربية وإسلامية مهمة في لحظة تاريخية تشهد تغيرات كبيرة، خارجة عن السيطرة، وتقف أمامها القوى المهيمنة عاجزة عن وقفها وغير قادرة على التحكم في نتائجها.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق