مليونية لخلع الحجاب .. أوهام العلمانيين تتبدد
الثلاثاء 19 مايو 2015

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

خاص بالراصد

الدعوة التي أطلقها الكاتب الصحفي شريف الشوباشي بخصوص تظاهرة كبيرة في ميدان التحرير أو "مليونية لخلع الحجاب" لا يمكن تجاهلها أو التعامل معها كأن شيئا لم يكن، فالمولى سبحانه وتعالى تتبّع حجج المشركين والجاحدين وذكر أقوالهم وأفكارهم وناقشهم فيها من خلال آيات الذكر الحكيم وبالتالي فالصمت والتجاهل ليس حلا ولا يمنع من تمدد تلك الدعاوى كما قد يتصور البعض ومهما حاول أنصار الرؤية الإسلامية التعامل بأدب واحترام ولين مع هؤلاء العلمانيين فإن الأمر لا يزيدهم إلا عتوّا وتكبرا وغطرسة واستعلاء وإفسادا في الأرض ..

الحجاب الذي يحقدون عليه ويريدون مليونية لخلعه والتحرر منه يقصدون به غطاء رأس صغير، هو زينة في حد ذاته وغالبا ما يتم ارتداؤه مع ملابس ضيقة ولافتة، وعلى الرغم من ذلك هم حاقدون عليه ..

البعض يتصور أن الحجاب الذي يهاجمه الشوباشي اليوم ويدعو لخلعه  يختلف  عن الحجاب الذي تحدث عنه قاسم أمين ورفعته صفية زغلول وهدى شعراوي .. حيث يعتقدون أن قاسم امين تحدث عن الحجاب الذي هو غطاء الوجه، وما قامت به صفية زغلول وهدى شعراوي وسيزا نبراوي وغيرهن من الجيل النسوي الأول أنهن رفعن النقاب أو ما يطلق عليه الحجاب وظهرن سافرات الوجوه.

ومن المعلوم أن هناك خلافا بين العلماء في مسألة كشف الوجه أو تغطيته ولكن ما يفوتهم حقيقة أن الحجاب الذي حاربوه قديما لم يحاربوه انتصارا للرأي الفقهي القائل بإباحة كشف الوجه وإلا لتوقف الأمر عند هذا الحد وإنما كانت هذه الخطوة الأولى التي استخدم فيها الدين كغطاء للتمرير بدليل أن صفية زغلول خلعت غطاء الرأس بعد ذلك، ولهدى شعراوي أيضا صور يظهر فيها شعرها ..

ولو رصدنا صور هدى شعراوي سنجد أن بعضها ظهرت دون نقاب ولكن مع ستر باقي الجسد بصورة شرعية ثم صور أخرى كانت ترتدي فيها خمارا شفافا يكشف العنق برقبته ثم صور أخرى يظهر فيها شعرها ..

إذن الحرب التي دارت رحاها في بدايات القرن العشرين حول حجاب غطاء الوجه واستمدت قوتها من فكر محمد عبده واستمدت تأثيرها من وجود الخلاف في الفقه الإسلامي وأثمرت نتيجتها الملموسة عام 1921م عندما عاد سعد زغلول وزوجته صفيه من المنفى وظهرت للجموع سافرة عن وجهها وما لبثت بقية النساء الناشطات أن قمن بتقليدها ورفعن الحجاب وكشفن عن وجوههن كانت خطوة أولى، وعندما انتصف القرن الماضي كانت الكثيرات قد كشفن الرؤوس وارتدين اللباس الأوربي ..

كانت فترة الاستعمار هي الفترة الذهبية التي انتشر فيها خلع الحجاب وعندما خرج الاستعمار بجيوشه كان قد رسخ نظرية أن التقدم لن يتأتى إلا بالسير على الطريق الذي سارت عليه أوربا، لا فرق في ذلك بين العلم المادي والمنتج الثقافي، أو كما قال طه حسين: (لا بد أن نسير سير الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون أندادا، ولنكن لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرّها، وما يحب وما يكره، وما يحمد وما يعاب).

بل إن داعيتهم قاسم أمين من قبل لم ير هذا المر وهذا الشر فوصل به من تقديس فكرهم أن يتساءل مندهشا: (يظن المصريون أن رجال أوربا مع أنهم بلغوا من كمال العقل والشعور مبلغا مكّنهم من اكتشاف قوة البخار والكهرباء واستخدامها على ما نشاهده بأعيننا وأن تلك النفوس تخاطر كل يوم بحياتها في طلب العلم والمعالي وتفضل الشرف على هذه الحياة ... هل يظنون أن تلك العقول وتلك النفوس التي نعجب بآثارها يمكن أن يغيب عنها معرفة الوسائل لصيانة وحفظ عفتها؟ هل يظنون أن أولئك القوم يتركون الحجاب بعد تمكنه عندهم لو رأوا خيرا فيه؟ كلا).

طبعا قاسم أمين مات قبل أن يرى آثار التبرج تفعل فعلها في أوربا فلم يعاصر الثورة الجنسية في ستينيات القرن المنصرم وانتهاء مفهوم العفة وإفلاس مؤسسة الزواج في الغرب ولم يتنبه أن الحجاب والعفة والزواج هي حزمة مترابطة، وأن التبرج سيقود للفاحشة، وشيوع الفاحشة سيجعل من الزواج سلعة كاسدة وهكذا.

إلا أن الكاتب الصحفي شريف الشوباشي صاحب دعوة خلع الحجاب يغمض عينيه عن ذلك كله ويرى أن هذه الفترة  (فترة الخمسينات، والستينات، بلا حجاب، وكنا بنسمي الفترة دي الزمن الجميل") "الزمن الجميل كان بلا حجاب وكانت هناك أخلاق، والنهاردة في حجاب وما فيش أخلاق". أما أنه كان يسميها فترة الزمن الجميل فهذا أمر يخصّه، أما أنه لم يكن فيها حجاب وكان فيها أخلاق فهذه أخطاء مركبة ..

بالطبع نحن لا ننفي أنه ظهرت نساء متبرجات كثيرات خاصة في الأوساط الثرية إلا أنه تم المبالغة في تقدير هذا الأمر فلم تكن جميع النساء يسرن في الشارع مرتدين الملابس القصيرة أو ما يطلق عليه "الميني جيب" ولقد سألت بنفسي أشخاصا عاصروا هذه الفترة، وطبعا لم تظهرهم الأفلام، وأكدوا أن المسألة مبالغ فيها، فنساء الريف وهنّ الأغلبية كنّ يرتدين الملابس الطويلة الفضفاضة ويغطين رؤوسهن كما كن يفعلن قبل ذلك.

فإذا أضفنا لذلك النساء في أوساط التيار الإسلامي كجماعة أنصار السنة والإخوان المسلمين والجمعية الشرعية في مصر مثلا تأكد لنا أن الأغلبية لم تكن متبرجة كما يشيعون. أما أن الأخلاق كانت منتشرة فهم يلمّحون لعدم انتشار التحرش في هذه الفترة .. وعلى الرغم من أنه لا توجد إحصاءات دقيقة حول هذا الأمر إلا أن التحرش ليس هو الجريمة الأخلاقية الوحيدة الممكنة وإلا فإن جريمة الزنا أكثر بشاعة ولكن هؤلاء العلمانيين لا يمسوها بسوء لأنها ناتجة عن تراض وتوافق بين الطرفين ومن ثم يصنفونها في خانة الحرية الشخصية. 

كانت السينما في هذه الفترة راعية للانحلال بكل صورِه فظهرت النساء الكاسيات العاريات بشكل مكثف وامتلأت هذه الأفلام بقصص الحب، وغالبا ما كان يوضع الحب كمضاد للزواج فظهر الزوج الشرير القاسي والمحب الحنون، وأصبح الزواج الشرعي اغتصابا بينما لقاء الحبيب في الظلام قمة الإشباع الروحي وهكذا تكون قمة الأخلاق الحقيقية الصادقة كما يريد الشوباشي وأخواته.

أما أن الحجاب منتشر والأخلاق منحطة فهذه مغالطة ثانية فالحجاب الذي يتحدث عنه هو مجرد شارة ترتديه فتاة مسلمة وهو أسوأ من تبرج نساء الجاهلية الأولى ومن ثم لا يحمي صاحبته من ذوي القلوب المريضة الذين ورغم كل شيء ورغم ضعف خلقهم ودينهم بل وربما عقولهم يحترمون النساء اللاتي يرتدين الحجاب الشرعي المتفق عليه حيث أن إجماع العلماء منعقد على الثياب الطويلة الواسعة السابغة وتغطية الرأس والعنق والصدر ومن ثم اختلفوا في الوجه، فلو سارت امرأة ترتدي جلبابا وخمارا وكاشفة عن وجهها وطبعا دون ميوعة أو خضوع في القول ودون مزاحمة في الطرقات فنحن نتحدى الشوباشي أن يأتي بمن يتحرش بها أو يضايقها،  فقد دلت التجربة الواقعية أن حتى هؤلاء المستهترين العابثين يحترمونها .. وهذا ما يرفضه الشوباشي وغيره ممن يسعدون جدا لو وجدوا فتاة ترتدي هذا الحجاب المتبرج ووقع عليها اعتداء أو تحرش فيقيموا الدنيا ولا يقعدونها .. ويصيحون في وسائل إعلامهم الكثيرة .. الحجاب لا يمنع من التحرش .. اللباس حرية شخصية .. ليس من حق أحدهم ان ينظر لكِ حتى لو سرتِ عارية تماما .. وأخيرا: فلنجتمع في ميدان التحرير كما اجتمعت تلك النسوة منذ ما يقارب من مائة عام ونلقي بغطاء الرأس كما ألقته هؤلاء النسوة عن وجوههن.

مغالطات الشوباشي لا تقف عند حد المغالطات التاريخية أو مغالطات زمنه الجميل بل هو يغالط في الواقع الذي نعيشه حيث يزعم أن 70% من النساء اللاتي يرتدين الحجاب يجبرن على ذلك من أسرهن فمن أين أتى بهذا الرقم .. أخذتُ أتابع مواقع التواصل الاجتماعي فلم أجد فتيات متذمرات لأنهن مجبرات على الحجاب بل رأيت فتيات غاضبات من اغتصاب الحرية في بلادهن على يد هذا الشوباشي وأمثاله ..

سألتُ فتيات صغيرات: من أجبركن على ارتداء الحجاب فاندهشن من سؤالي .. ربما الحالة الوحيدة التي صادفتني هي لمعلم لغة عربية في مدرسة ريفية يلحّ على الفتيات لارتداء الحجاب فكانت بعض الفتيات يذهبن للمدرسة بالحجاب ثم يخلعن الحجاب بعد ذلك دون إنكار من أسرهن ثم قررت هؤلاء الفتيات وبحرية تامة أن يلتزمن بالحجاب كبقية زميلاتهن .. ربما ترتدي بعض الفتيات الحجاب كتقليد حتى لا يظهرن بشكل مخالف لبقية الزميلات ولكن إجبار .. بالتأكيد لا .

 السيد الشوباشي لم يشغل نفسه بالنزول للعشوائيات والريف ويجري أبحاثا وإحصائيات أو حتى مقابلات مع  هؤلاء المحجبات .. ونستطيع أن نقول له إنه إذا كان هناك إجبار فهناك إجبار على خلعه فأخبار المنتقبات المعنفات الممنوعات من دخول الجامعات بحاجة لبحث مستقل فإنه حتى هذا الحجاب المزخرف المزين ممنوع في جهات كثيرة يطلق عليها سيادية وهو أمر معروف ولكن طبعا السيد الشوباشي لا يجرؤ على الاقتراب منه.

أما أسوأ ما قاله الشوباشي هو أن 99% من عاهرات مصر محجبات ويبدو أن لغة الأرقام الدقيقة قد تحولت على يد هؤلاء العلمانيين لأداة للعبث والسفسطة وإلا على أي شيء يستند هذا الرجل؟ هو يريد أن ينفي العلاقة بين الحجاب والطهارة والعفة فجاء بهذه الخزعبلات ..

نعم، تستطيع بعض الساقطات ارتداء حجاب ما حتى تنفي عن نفسها الشبهات ولكن إذا كانت ساقطة تريد أن تروّج جسدها كسلعة فتزين نفسها بكل شيء فهل تلبس الحجاب حتى لو كان غطاء شعر صغيرا مزينا، وللشعر له ما له من الجمال؟! إنه اللا منطق يتجلى عندما يمتلئ القلب بالحقد (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة).

ومن المغالطات البشعة التي ذكرها الشوباشي أن خلع الحجاب يساهم في شعور المرأة بحريتها وكرامتها، فعن أي حرية وكرامة يتحدث الرجل؟ الحرية التي يمتهنونها بتلك الدعاوى حتى الفتيات المتبرجات اللاتي يكشفن شعورهن رفضن دعوته لأنها انتهاك صريح لحرية المرأة المحجبة، تلك التي وصفها بكل النعوت السيئة مما يمثل جبرا وإرهابا للمحجبات، فزيّها ترتديه العاهرات وصاحبته مغيبة أو مجبرة وما إلى ذلك من كلام مستهلك ولكنه موجع ومؤلم للبعض .. إنها الحرية العرجاء العوراء .. حرية الإهانة .. حرية أن أجبرك أن ترتدي كما يحلو لي وفق أفكاري المستوردة وإلا فأنت لا تفهم معنى الحرية. إنه خطاب العلمانيين المزدوج، الحرية لهم فقط .. حريتهم في النقد والشتم وليس لك الحرية في الرد. وعن أي كرامة يتحدث؟ فهل العريّ كرامة؟ وهل امتهان الجسد كرامة؟  

على أية حال فشلت دعوى الشوباشي ولم تُنظم مليونية  في التحرير ولا حتى ألفية ولا أي شيء، وانتقدته كاشفات الشعر قبل غيرهن، ولكن في رأيي الأمر خطير ولم ينته بعد، إنه أحد الفصول .. جزء من الصورة .. خطة العلمانيين الجديدة أصبحت واضحة ويمكن تلخيصها في الآتي:

- عدم الهجوم المباشر على الإسلام وإعلان احترامهم للدين.

- الدين علاقة خاصة بين الإنسان والمولى عز وجل وليس من حق أحد التدخل بالنصح أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر لأنه يعتدي على هذه العلاقة بين الإنسان وربه وبالتالي ليس من حق أحد أن ينتقد ما يدعون إليه.

- الإسلام متمثل فقط في القرآن الكريم ومن حق اي إنسان أن يفسره وفق فهمه فليس في الإسلام رجال دين والفقهاء والمفسرون هم قيد على الدين والحديث يقبل منه ما يتوافق مع العقل ومع ما نفهمه من القرآن.

- الكثير من الأحكام المتضمنة في القرآن هي أحكام تاريخية جاءت لأناس بعينهم في وقت محدد وبالتالي فهي لا تلزمنا في العصر الحديث حيث العلم قد تقدم ومشاعر الناس قد تهذبت بالفنون والآداب.

تتجلى هذه الخطة بوضوح في قضية الحجاب فآيات الحجاب التي ذُكرت في القرآن الكريم جاءت لعرب الجزيرة الذين لم يكونوا قد ارتقوا في درجات المدنية ولكنه لا يلزمنا في عصرنا الحاضر، وهذا التفسير ليس من حق أحد الاعتراض عليه ولا العلماء ولا الأزهر ولا أي جهة لأنه لا كهنوت في الإسلام والذين يدعون للحجاب هم من يطلق عليهم أنصار تيار الإسلام السياسي الذين لا دينَ ولا خلاق لهم، ولا يفهمون صحيح الدين ويسعون لتحريفه لتحقيق أهدافهم وهي السيطرة على المجتمعات والسيطرة على المرأة تحديدا وإذلالها وامتهان كرامتها ومنعها من حريتها.

إن دعوى الشوباشي هي جزء من مؤامرة تاريخية النص وتحطيم الدين من داخله، وما الحجاب إلا جزء صغير جدا من مشروعهم الذي إليه يطمحون.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق