سطور من الذاكرة\العدد مائة وستة وأربعون - شعبان 1436 هـ
صلاح الدين ومؤامرات الفاطميين مؤامرة عبد النبي بن مهدي (5)
الثلاثاء 19 مايو 2015

 

 هيثم الكسواني

خاص بالراصد

لم تتوقف مؤامرات الفاطميين على صلاح الدين الأيوبي –رحمه الله- حتى بعد أن تمكّن من القضاء على قوتهم الضاربة، المتمثلة بالجيش، الذي كان يتكون أساساً من الجند السودان والأرمن، الذين تَحدثنا عن مؤامراتهم في الأعداد الماضية، لكن المؤامرات بعد ذلك لم تكن محصورة في القاهرة، عاصمة الدولة، بل شملت الأطراف والأقاليم أيضاً، وأيّاً كان أصحابها وأماكنها وظروفها، فإنها كلها كانت تحمل هدفا واحدا: إسقاط صلاح الدين ودولته السنّية الفتيّة، وإعادة الدولة العبيدية الفاطمية، صاحبة المذهب الشيعي الإسماعيلي.

ويبدو أن صلاح الدين رأى هذه المرة القيام بخطوة استباقية، والعمل بمبدأ "الهجوم أفضل وسيلة للدفاع"، وعدم انتظار وصول مؤامرات الفاطميين إليه إلى مصر، لذلك عمل –بعد أن تمكن من القضاء على الدولة الفاطمية في سنة 567هـ- على إلحاق الأقاليم التي كانت تابعةً لها إليه، فبدأ بالمغرب الأدنى (ليبيا)، وتمكّن من فتحه وضمّه، ثم توجّه نحو النوبة في جنوب مصر، وبعد ذلك إلى اليمن.

ومنذ وقت مبكر، بل وقبل تأسيس الدولة الفاطمية في المغرب العربي سنة 297هـ، شكّل اليمن أحد أهم ساحات الدعوة الإسماعيلية وبؤرها، بسبب بعدها عن مركز الخلافة العباسية، وانشغال العباسيين بقمع الثورات التي كانت على مقربة منهم، وضعفهم.

وقامت في اليمن أول دولة إسماعيلية في التاريخ على يد ابن حوشب، الذي تلقب فيما بعد بالمنصور، وعلي بن الفضل، اللذين وصلا إلى اليمن في سنة 268هـ (881م) وقاما بالدعوة إلى إمامة عبيد الله المهدي (أول حكام الفاطميين)، الذي لم يكن حينها قد أظهر دعوته وأسس دولته.

رأى صلاح الدين أن التوجّه لفتح اليمن سيؤدي إلى التضييق على بقايا الفاطميين وأنصارهم هناك، لا سيّما وأن اليمن كان يشكّل الإقليم الأكثر خطراً، بحكم أن العلاقات التجارية معه واسعة وخطيرة، كما سيؤدي إلى تأمين حدود مصر الجنوبية، لأن ضم اليمن الذي يُعدّ مفتاح البحر الأحمر من جهة الجنوب، يؤمّن لصلاح الدين السيطرة العسكرية والتجارية على الأقاليم الجنوبية، ويُبعد احتمال حدوث تقارب بين الصليبيين الذين يتطلعون للسيطرة على البحر الأحمر، وبين الحبشة التي تدين بالديانة النصرانية.

إضافة إلى ذلك فإن انطلاق الدعوة الفاطمية إلى شرق أفريقيا والهند كان من اليمن، وبالتالي فالقضاء على الدعوة الفاطمية هناك من شأنه محاصرتها في هذه الدول أيضاً.

وإضافة إلى هذا وذاك، فإن اليمن كانت تعيش حالة من عدم الاستقرار وسوء الأحوال مع تغلب عبد النبي بن مهدي عليها.

من هو عبد النبي بن مهدي؟

هو عبد النبي بن علي بن مهدي الرعيني، ثالث ملوك دولة بني مهدي في اليمن بعد والده وأخيه، وآخرهم، حيث استطاع والده في سنة 554هـ (1159م)، أن يقيم دولةً في تهامة وجبلة، وعاصمتها مدينة زبيد، على أنقاض دولتين هما: النجاحية والصلاحية. وقد توفي علي بن مهدي بعد شهرين ونصف من قيام هذه الدولة، فخلفه ابنُه الأكبر، مهدي بن علي، الذي قام بتوسيعها وشنّ الحروب المختلفة حتى موته سنة 558هـ (وقيل بعد ذلك)، عندما حكم عبد النبي هذه الدولة.

ويَذكر المؤرخون من سيرة الأب أشياء كثيرة عجيبة ومنكَرة، منها أنه كان شديد الظلم والجور والتعسف، يرى التكفير بالمعاصي، ويستحل وطء سبايا من خالفه، ويعتقد فيه قومُه فوق اعتقاد الخلق في نبيّهم، وكان مِن دعاة الباطنية، ولم يكن يثق بيمينِ من يصحبه حتى يذبح ولده أو أخاه، وكان يقتل بالتعذيب في الشمس، ولا يشفع أحد عنده، وليس لأحد من عسكرِه فرس يملكه ولا سلاح، بل الكلّ عنده إلى وقت الحرب، والمنهزم منهم يُقتل، والسكران يُقتل، ومن زنى أو سمع غناءً يُقتل، ومن تأخر عن صلاة الجماعة يُقتل.

أما مهدي فذكروا في سيرته أنه أغار على مدينة لحج مرتين، وقتل عددًا كثيرا من أهلها، وسبى النساء، واستولى على الأموال، ثم أغار على مدينة (الجَنَد) ونواحيها، وأقام مذبحة عظيمة لأهلها، لأنهم سنة شافعية، ورمى الغالبية منهم في بئر جامع الجَنَد، وقام بتخريب الجامع، ثم عاد إلى زبيد.

ولم تكن سيرة الابن (عبد النبي) تختلف عن سيرة أبيه وأخيه، فإنه دعا إلى نفسه وتسمى بالإمام، وزعم أنه سيملك الأرض كلها، وسبى الحريم، وتزندق، وبنى على قبر أبيه قبةً عظيمة، وزخرفها، وعمل أستار الحرير عليها وقناديل الذهب، وأمر الناس بالحج إليها، وأن يحمل كل أحد إليها مالا، ولم يدع أحد زيارتها إلا وقتله، ومنعهم من حج بيت اللَّه.

واستطاع عبد النبي هذا أن يواصل ما بدأه أخوه من توسيع رقعة دولته، فاتّجه إلى أبين، فأحرقها، وقتل عددا كبيرا من أهلها، سنة 559هـ (1163م)، وسيطر على معظم المدن اليمنية.

وقد أشار صلاح الدين نفسه إلى شيء من فساد معتقد عبد النبي في الرسالة التي وجهها إلى الخليفة العباسي، المستضيء بأمر الله، ويوضح فيها دواعي فتح اليمن، فقال: "وكان باليمن ما علم من ابن مهدي الضلال، وله آثار في الإسلام، وكان ببدعة دعا إلى قبر أبيه وسمّاه الكعبة، وأخذ أموال الرعايا، ... وأحلّ الفروج المحرّمة، فأنهضنا إليه أخانا بعسكر، بعد أن تكلفنا له بنفقات واسعة وأسلحة رائعة ... والكلمة هناك بمشيئة الله إلى الهند سارية".

ويذكر بعض المؤرخين أن الشاعر عُمارة اليمني (سيتم الحديث عن مؤامرته في العدد القادم إن شاء الله) أغرى توران شاه، شقيق صلاح الدين–وكان ممّن يجالسه- بالذهاب إلى اليمن، وكان يتحدث له عن حُسنها وخيراتها، ليتخلص من قوة صلاح الدين الموجودة في مصر، ليسهل تنفيذ ما كان يخطط له، هو وجماعة من أنصار الفاطميين بالانقلاب على صلاح الدين، وهو نفس ما سعى إليه مؤتمن الخلافة، الذي تحدثنا عن مؤامرته في عدد سابق([1])، حيث كاتب الصليبيين لغزو مصر، وكانت خطته تقضي بأن يخرج صلاح الدين لملاقاتهم، وحينها ينقضّ الجيش الفاطمي على صلاح الدين وقواته من الخلف، فيصبحوا بين فكّي كمّاشة، فيسهل القضاء عليهم، لكنّ الله سبحانه وتعالى سلّم صلاح الدين إذ تم كشف هذه المؤامرة.

 

القضاء عليه

وجّه صلاح الدين سريّة لمقاتلة عبد النبي، على رأسها أخوه الأكبر شمس الدولة توران شاه، وكان شجاعًا مهيبًا، فخرج في رجب من سنة 569هـ، فورد مكة فاعتمر، ثم سار منها إلى زبيد، فلما قرب منها رأى أهلها قلة عدد جيشه، فقال لهم عبد النبي‏:‏ كأنكم بهؤلاء وقد حمي عليهم الحر فهلكوا.

فخرج إليه عبد النبي فهزمه توران شاه، وأسره وأسر زوجته، وأمر بنهب زبيد، ثم توجه إلى عدن وهزم ملِكها، وأخذ البلد بيسير من الحصار، ومنع الجيش من نهبها، وقال‏:‏ ما جئنا لنخرب البلاد، وإنما جئنا لعمارتها وملكها‏.‏

ثم تسلم بقية الحصون والمعاقل، وخطب للخليفة العباسي المستضيء، وقتل عبد النبي، وكتب بذلك إلى أخيه صلاح الدين يخبره بما فتح الله عليه، وأحسن إليه، فكتب الملك صلاح الدين بذلك إلى نور الدين، فأرسل نور الدين بذلك إلى الخليفة يبشره بفتح اليمن والخطبة بها له‏.‏

وحاول بعض المؤرخين المتحاملين على صلاح الدين أن يصوّروا أن فتحه لليمن إنما كان هروبًا من نور الدين زنكي فيما إذا قرر انتزاع مصر منه!! متناسين أن ضمّ اليمن إنما تم بموافقته، وقد أرسل صلاح الدين بشارة النصر إلى نور الدين الذي أرسل بدوره البشارة إلى الخليفة العباسي.

 

للاستزادة:

1-    الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية.

2-    الحافظ الذهبي، سير أعلام النبلاء.

3-    د. علي الصلابي، صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس.

4-    شاكر مصطفى، صلاح الدين الفارس المجاهد، والملك الزاهد المفترى عليه.

5-    د. عبد الولي الشميري، موسوعة أعلام اليمن ومؤلفيه.

 



[1] - انظر مجلة الراصد، العدد 143، زاوية سطور من الذاكرة، على الرابط:

 http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=6969

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق