موقع الشيعة العرب من المشروع الطائفي ... حقائق عامة
الأحد 19 أبريل 2015

 

 سعيد السويدي – كاتب عراقي

 

 

خاص بالراصد

لعل من أهم أسباب الخلل والضعف في الجبهة السنية المقاوِمة لإيران، وجود أفكار وافتراضات تحول دون رؤية الخطر الإيراني على حقيقته، وكثرة الشبهات والاعتراضات المعيقة لتكوين نظرة سنية مبنية على ثوابت دينية وحقائق تاريخية ومعطيات واقعية.

ومن بين الشبهات المثارة: عزل الشيعة العرب عن المشروع الطائفي لإيران، وتبرئتهم من سياسة "التشيع الفارسي الدخيل"، وهذا التقسيم المفترض بين أبناء المذهب الواحد، تعترضه عدة حقائق ليس من السهل دحضها أو الالتفاف عليها وتأويلها، نذكر بعضها:

أولاً : وحدة الأصول العقائدية للشيعة العرب وغيرهم

إن الأصول العقائدية للشيعة العرب هي ذات الأصول التي يتبعها الشيعة غير العرب، وهي مصدر الخلاف ومادته الأساسية مع جمهور المسلمين، فالعقائد الشيعية المعادية للإسلام السني وحضارته وتراثه قاسم مشترك بين الشيعة العرب وغير العرب، بل عقائد التشيع المنحرفة أسسها العرب ونشروها لغير العرب، وإن كان الشيعة العرب لديهم خلافات جوهرية مع الشيعة العجم في فهم التشيع فعليهم توضيح ذلك بشكل بيّن، وإعادة النظر في تراثهم وتدوين مذهبهم وفقاً لقواعد معتدلة، واعتماد المناهج الجديدة في معاهد التدريس والحوزات الدينية بشكل علني.

أما مجرد الكلام عن براءة التشيع العربي من الطائفية والمشروع الفارسي، فهو أمر لا يغير من الحقائق شيئاً.

فالشيعة الطائفيون -عرباً وعجماً- ينطلقون من نفس العقائد والنصوص، ولديهم أئمة ومراجع مشتركون، ولديهم تجارب تاريخية يعتمدون عليهم ويستندون إليها، في المقابل فإن الشيعة العرب لا يملكون أي مستند شرعي أو تاريخي يؤيد دعاويهم الإصلاحية وبراءتهم من الغلو الشيعي الدخيل، وبذلك لا يمكن اعتبار تصريحاتهم هذه ممثلة للتشيع، بل هي مجرد تصريحات ومبادرات شخصية ورغبات ذاتية "وتشيع جديد" لا يمت للتشيع القديم والحالي بأي صلة.

ثانياً: العبرة بالكثرة المؤثرة

الشخصيات الشيعية العربية التي تهاجم إيران لا تملك أي رصيد شعبي حقيقي بين الشيعة، أو جماهيرية بين أبناء مذهبهم، ومهما قيل عن الأغلبية الصامتة فإنها تبقى أقوالا مجردة وافتراضات محضة ليس لها أي شاهد في أرض الواقع، فلو أراد السنة مثلاً إقامة تحالف سياسي عسكري مع الشيعة العرب لمواجهة إيران فلن يجدوا أحداً، ولن يعثروا على هذا النموذج الذي يفترضونه (الشيعة العرب المناوئين لإيران).

بل إن الأغلبية الشيعية تنطق وتعلن يومياً عن دعمها المطلق لإيران من خلال النشاط المليشياوي والطاعة العمياء للمراجع الدينية الإيرانية.

والاقتصار على الكلام دون وجود أي مقاومة شيعية لإيران يعد ضحكا على الذقون أو تخديرا لأهل السنة وخداعهم، وإنقاذا لسمعة المذهب.

فمنذ احتلال العراق وسطوع نجم الشيعة لم نجد أي أثر لمقاومة عربية شيعية ضد إيران، رغم أننا سمعنا عشرات المرات عن قرب اندلاع الانتفاضة العربية لعشائر الجنوب ضد النفوذ الإيراني، بل إن الجنوب العراقي العربي أصبح مصدرا أساسياً لتغذية المليشيات الشيعية بالقوة البشرية لقتال السنة في سوريا والعراق.

ثالثا: من يدّعي أنه من الشيعة العرب سِجله أسود كالشيعة الإيرانيين

إن من يدعون أنهم يمثلون التشيع العربي في العراق، سجلهم أسود وطائفي كالشيعة الإيرانيين، فيلق بدر من ينسى جرائمه الطائفية عقب الاحتلال أو مشاركته لإيران في حرب بلده العراق منذ نشأته، وجيش المهدي التابع لمقتدى كيف يمكن له أن يتطهر من ألوف الدماء البريئة التي في رقبته من سنة بغداد وغيرهم، والصرخي أليست له ميلشيات تشارك في الحشد الشيعي ضد السنة!!

رابعاً : التواصل بين رموز الشيعة العرب، والشيعة غير العرب

على خلاف الافتراضات التي افتعلها القوميون عن الشيعة العرب واختلافهم عن الشيعة العجم، فإن علماء الشيعة العرب ورموزهم لم ينقطع تواصلهم مع ساسة الشيعة من غير العرب.

فالشريف الرضي والشريف المرتضى كانوا على صلة وثيقة بالبلاط البويهي الديلمي، وعلماء جبل عامل بجنوب لبنان هاجروا إلى إيران لما قام فيها حكم الصفويين([1]) بل هم الذين وطدوا أركان التشيع، وغالب علماء الشيعة العرب -إن لم يكن جميعهم في زماننا- على تواصل مع القيادة الإيرانية الدينية، بل إن محمد حسين فضل الله، المرجع اللبناني المستقل نوعا ما، كان يحتفظ بأوثق الصلات مع النظام السوري العلوي حليف إيران، ولم نشهد أي تنافر أو خلاف حقيقي بين المراجع العربية والمراجع الإيرانية، أو بين المراجع العربية والقيادات السياسية غير العربية، والتعلق ببعض النماذج النادرة لا يعبر عن حالة عامة بقدر ما هو استثناء نشأ نتيجة ظروف وملابسات شخصية في الأغلب ولا علاقة لها بالتشيع العربي وغير العربي.

خامسا: المليشيات الشيعية العربية أدوات للمشروع الايراني

لم تتمدد إيران في البلاد إلا باعتمادها على الشيعة العرب، وهذا ظاهر وليس محلاً للجدل، فالمليشيات الشيعية المنتشرة في دول المنطقة كلها عربية، فالحوثيون عرب، واللبنانيون من أتباع حسن نصر الله كذلك، وشيعة العراق عرب، والعلويون والدروز في الشام من عشائر عربية استوطنت سوريا قبل الإسلام، وهذه الميلشيات الطائفية الهائلة تنسف ما يشاع عن أغلبية شيعية صامتة ترفض سياسة إيران.

وهذا أيضاً يلزمنا بتقسيم جديد للشيعة العرب:

شيعة عرب يدعمون إيران، وشيعة عرب لا يدعمون لإيران!

وهذا بحد ذاته يَرد فكرة التفريق بين سلوك الشيعي العربي، وسلوك الشيعي غير العربي، لأنه مع وجود عرب موالين لإيران فإن الفئة المتبقية من الشيعة العرب تغدو ممثلة لنفسها وليس لدينها أو قوميتها.

سادساً: تعارض فكرة "الشيعة العرب" مع فكرة "علي شريعتي"

علي شريعتي المفكر الإيراني ذو الأصول الفارسية صاحب نظرية التمييز بين التشيع العلوي والتشيع الصفوي، حيث اعتمد في التمييز بين نوعين من التشيع إلى تقسيمه إلى ما قبل العصر الصفوي (القرن العاشر الهجري) وما بعد ذلك.

وما طرحه شريعتي من أفكار نظرية مجردة يتصادم إلى حد ما مع ما يروج له من وجود تشيع عربي غير مرتبط بمشاريع إيران. فالفصل بين نوعي التشيع عند شريعتي قائم على أساس حقبة زمنية ولدت فيها مفاهيم منحرفة، والفصل بين نوعي التشيع عند غيره قائم على أساس قومي.

وهو يشبه محاولة تقسيم أتباع داعش والقاعدة بحسب قومياتهم العربية أو الأفغانية أو الأوروبية!!

 وقد يدافع البعض بأن المقصود هو صراع مفاهيم بين تشيع أصيل، وآخر دخيل، وهذا أمر محتمل لكنه أيضاً يجرد المسألة من بعدها القومي لتعود مناقشة دينية فكرية بحتة، لأنك ستجد الاعتدال والتطرف في التشيع لدى العرب والعجم، العلة إذاً ليست في الشيعة الفرس أو الاذريين أو المازندرانيين، أو الهنود أو التركمان، وإنما في التشيع المنحرف نفسه، وعليه فقد يكون الشيعي العربي أسوأ من الشيعي الفارسي لأن العرق والجنس لا دخل له في تبني التشيع المنحرف.

سابعاً: التشيع الفارسي الصفوي ديانة فعلية للشيعة العرب

من أبرز ما ينتقده الشيعة من معارضي التشيع "الصفوي الإيراني" هو الغلو في الأئمة وتقديس البشر، واعتبار ذلك من المستحدثات التي لا تعبر عن رسالة التشيع وقيمه، إلا أن هذا الغلو الذي يظهر في مواسم الزيارة والحج للمراقد، والطقوس المرافقة لها هو التعبير الفعلي لالتزام الشيعة العرب بمذهبهم، بل إن الشيعي لا يُعرف بالتزامه بمذهبه وولائه له إلا من خلال هذه الطقوس والزيارات والأعمال التي تُصنف على أنها مستحدثات صفوية ونزعات فارسية.

إن الشيعي العامي يتعامل مع الإمام والمرقد بالطريقة الصفوية المليئة بالغلو والتقديس التعبدي، وليس كما يتمنى بعض عقلاء الشيعة ممن لا جمهور لهم.

هذا من جانب، ومن جانب آخر لا يقل أهمية في بيان استقرار غلو الديانة الصفوية بين غالبية الشيعة وعدم اكتراثهم بأفكار التشيع العلوي أو العربي المعتدل، هو انتشار وترسخ اللعن والسب للصحابة بين الشيعة العرب، فهذه العقيدة هي التي تحدد هوية التشيع وتميزه عن غيره، وبدونها لا يمكن للتشيع أن يبقى مذهباً مستقلاً بعقائده ومواقفه السياسية وسلوكه الاجتماعي.

إنّ اعتبار التشيع مجرد محبة وولاء لآل البيت دون اتخاذ موقف عدائي حاد من الصحابة هو حديث عن تشيع لا وجود له فعلياً، لأن نزعة الميل لعلي بن أبي طالب ومحبته وتفضيله على عثمان بن عفان كانت موجودة في أوساط السنة، ولم تستقل بتكوين مذهب وفقه وفكر جديد.

بل وحتى التشيع الذي يفضل علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر دون لعنهما واعتقاد كفرهما (وهو مذهب أكثرية الزيدية) هو مذهب منبوذ، ولا يتبعه إلا فئة قليلة من الأقلية الشيعية الموجودة في العالم الإسلامي، ولا يملكون أي تأثير سياسي ولا أحد يسمع صوتهم أو يلتفت إليهم، لأن أكثرية الشيعة يعتبرون تشيع الزيدية تشيعاً مزيفاً لا روح له.

والخلاصة أن التشيع لا يتميز عن غيره من المذاهب المنتسبة للإسلام إلا بعقائده وأفكاره التي يعتبرها البعض صفوية فارسية دخيلة على التشيع.

 



[1] - لمزيد من التوسع عن هذه الهجرة، انظر كتاب (الهجرة العاملية إلى إيران في العصر الصفوي: أسبابها التاريخية ونتائجها الثقافية والسياسية) جعفر المهاجر، دار الروضة - بيروت (1989).

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق