إشكالية د. طه جابر العلواني
الأحد 19 أبريل 2015

صباح العجاج – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

أبلغني أحد الأصدقاء عن ملتقى علمي لجمعية الحديث الشريف في الأردن وبرعاية الجامعة الأردنية يناقش "منهجية التعامل مع السنة النبوية"، ومن محاوره التي جذبت انتباهي مناقشة كتاب د. طه جابر العلواني "إشكالية التعامل مع السنة النبوية".

ولأنّي كنت قد كتبتُ عن هذه الشخصية، ويعرف صديقي أني متابع لأخباره، طلب منى الكتابة عن هذا الرجل، ولذلك قررت أن أكتب عن إشكالية الرجل نفسه وليس عن كتابه "إشكالية التعامل مع السنة النبوية".

بدايةً طه جابر العلواني عراقي من مواليد عام 1935م، من مدينة الفلوجة بمحافظة الأنبار، حصل على شهادة الدكتوراه من الأزهر سنة 1973، ويعدّ من تلامذة علامة العراق الشيخ أمجد الزهاوي رحمه الله، درّس في السعودية سنين عديدة مادة أصول الفقه، وتولى مناصب فيها، وكان له دور مهم في تأسيس معهد الفكر العالمي، وقبل ذلك كان من مؤسسي الحزب الإسلامي العراقي، ومن قياداته.

والعلواني كاتب معروف وله قلم سيال، وذهن وقاد، وذكاء متميز، ولا زال نشطا في كل المناصب التي تولاها ليومنا هذا، وهو يعيش حاليا في القاهرة.

التأسيس: طه جابر العلواني ابن قديم لبيئة الإخوان المسلمين في العراق، وتتلمذ على أفكار علامة العراق أمجد الزهاوي، في حقبة زمنية تميزت بالنفوذ الشيوعي وانتشار الإلحاد في العالم العربي والإسلامي، وكانا الهمّ المسيطر على الحركات الإسلامية بمناظرته ومقاومته، وكان كابوس التخلّص من الاستعمار ومخلفاته مسيطرا على الحركات الإسلامية، إضافة للهدف الأول لهذه الحركات ألا وهو عودة الإسلام لسدة الحياة بعد أن تعرّض لهجمة شرسة من قبل التيارات اليسارية والقومية والوطنية ونبز التيارات الملتزمة بالرجعية لتجعل الدين تاريخا وهمّا ثانويا في حياة هذه الشعوب.

كانت هذه الهموم المسيطرة تصرف تفكير التوجهات الإسلامية عن المخاطر الأخرى الداخلية؛ والتي كانت أحد أهم الأسباب لتقويض الخلافة العثمانية، وهو خطر الفرق الإسلامية المنحرفة في تاريخنا، والذي ظل علماء العراق -على سبيل الخصوص - يحذرون منه لعدة قرون.

فتأثرت هذه النخب الإسلامية العراقية الجديدة برؤية مصرية تحمل العداء والهمّ الاستعماري الغربي الخارجي، ولا تفهم التشيع وخطورته، وتركز نظرها إلى المخاطر الأخرى التي سبق ذكرها.

ونتج عن إغفال علماء العراق لخطر التشيع مشاكل عدة لا زلنا نعيش نتائجها من تغييب الوعي عند الشباب وجعل هدف مقارعة هذا الداء شأنا ثانويا، ومؤسف أن نقول إن من بين هؤلاء العلماء والوجهاء كبارا ورموزا من أهل السنة، أمثال: العلامة أمجد الزهاوي، ومحمد محمود الصواف، وعبد العزيز البدري رحمهم الله جميعا، والذي يهمنا شخصية العلامة أمجد الزهاوي، لأنه شيخ العلواني، وكان العلواني ينقل عنه أنه كان لا يفرق بين السنة والشيعة ويكرر مقولته: هؤلاء – الشيعة-  إخواننا مسلمون مثلنا، قبلتنا واحدة، ديننا واحد، قرآننا واحد، نبينا واحد، متفقون على تحريم ما حرم الله، وإباحة ما أباح، وفرضية ما افترض".

 كانت هذه من البصمات الأولية على العلواني، والتي وضحت في كتابات العلواني ومقولاته وتساهله في مدح وتمجيد المرجعية وعلماء الشيعة والتعاون التفصيلي معها، وتصريحات العلواني قديمة في مدح مرجعية محسن الحكيم وحكمتها، وكان هذا واضحا في مقدمة كتابه عن حياة أمجد الزهاوي الذي ألفه كاظم المشايخي رحمه الله([1])، مكيلا المديح  لمراجع الشيعة؛ من أمثال محسن الحكيم ودورهم في بناء العراق، ذامّا حكومة صدام حسين والبعثيين، متكلما عن تاريخ الحركة الإسلامية العراقية دامجا الحركة السنية بالشيعية.

في شبابه ساهم العلواني في تأسيس الحزب الإسلامي الذي يمثل الجانب السياسي لجماعة الإخوان المسلمين([2])، والذي استمر خلال فترة الستينات إلى أن أوقف بتاريخ 5/4/1971، وغادر قادته العراق مثل د. نعمان السامرائي، وفليح السامرائي ومنهم طه جابر العلواني([3]).

كانت من مهام الحزب الإسلامي الأساسية مقاومة الشيوعية بتعاون كبير مع الأحزاب الشيعية، كحزب الدعوة الذي تأسس سنة 1959، ويلمح المطالع لتاريخ الإخوان بقلم العلواني أن ثمة مبالغة كبيرة في كلامه حول ذلك، فيذكر العلواني أنّه قدم أحد قيادات حزب الدعوة وهو طالب الرفاعي في مؤتمر للإخوان 1960م ليلقي كلمة دون طلب من طالب نفسه.

والعلواني معروف بثنائه المستمر لعلماء الشيعة ومراجعهم ونذكر نموذجا، يقول العلواني: "وقد كان – والحق يقال – لبعض أئمة إخواننا الشيعة ومجتهديهم دور أساسي في تلك الثورة الكبرى (ثورة العشرين) والتي لولاها لما وجد العراق بحدوده الجغرافية"([4])، وكرر ذلك في كتابه مؤخرا "العراق الحديث بين الثوابت والمتغيرات"، ويبدو أن الشيعة عثروا على كنز عراقي فريد؛ لأن العلواني يروّج للتقريب بين الشيعة والسنة في أفكاره وطروحاته؛ لذلك لا نستغرب أن وجدنا مجموعة من مؤلفاته طبعتها دار الهادي اللبنانية الشيعية في الفترة بين (2000-2004) منها:

-        كتاب إصلاح الفكر الإسلامي: مدخل إلى نظم الخطاب في الفكر الإسلامي المعاصر.

-        مقدمة في إسلامية المعرفة.

-        الأزمة الفكرية ومناهج التغيير.

-        مقاصد الشريعة. 

-        الخصوصية والعالمية في الفكر الإسلامي المعاصر.

-        نحو منهجية معرفية قرآنية: محاولات بيان قواعد المنهج التوحيدي للمعرفة.

وكل هذه المؤلفات تناسب وتزاوج الطرح السني والشيعي.

كما أنه شارك في كتابات عديدة في مجلات شيعية منها: الاجتهاد والتغيير الشيعية اللبنانية، ومجلة البصائر الشيعية التي تصدر عن مركز دراسات حوزة الإمام القائم.

هل استمر العلواني في تنظيم الإخوان؟

 في زيارة لعمان قبل عدة سنوات التقيت أحد قياديي حقبة الستينيات من إخوان العراق وسألته عدة أسئلة عن تاريخ الحزب، كما سألته عن طه جابر العلواني، فقال: قد صدر بحقه قرار إبعاد من الإخوان، فسألته عن الأسباب؟ فقال: من الأسباب تردده إلى إيران دون علم مسبق من الحزب، وهذا الكلام في أوائل السبعينيات (أي زمن حكم شاه إيران) والغريب أن في سيرته التي كتبها في موقعه أنه كان يجيد اللغة الفارسية!!

وهناك حادثة أخرى حدثت في بغداد أخبرَ بها من جرت الحادثة في منزله سنة 1968، فعندما أطاح حزب البعث في العراق بحكومة عبد الرحمن عارف، حيث كان الإخوان في العراق في أقوى أوقاتهم وكان عندهم قرابة 300 ضابط في الجيش العراقي، ولم يكن حزب البعث يملك هذا العدد في الجيش، وكان يمكن لأي وحدة أو لواء عسكري السيطرة على القصر الجمهوري، فقرر بعض العسكريين الانقلاب بخطة محكمة، وكان الجميع مجتمعاً في منطقة زيونة منتظرين ساعة الصفر، ولكن دخل طه جابر العلواني ليخبرهم أنّ السفارة الأمريكية لم توافق على الانقلاب، وأترك للقارئ أن يضع ألف علامة استفهام على الحادثة وعلى هذا الرجل!

خارج العراق: مارس العلواني أكثر نشاطه خارج العراق في معهد الفكر العالمي، وكان الرجل يدعو لتجديد في الدين وعلومه على طريقة د. حسن الترابي، مع انضباط أكثر إلا أن هذه الأفكار لم تبرز يوم أن كان يدرّس في السعودية فقد كان مقربًا من العلماء الملتزمين.

وكان العلواني ومَن على شاكلته يستخدم طريقة خبيثة للطعن بالسنة، تدور على جعل القرآن المرتكز الأول، والسنة فرعا تابعا غير مؤسس ولا منشئ للأحكام الشرعية؛ ولذلك كان أصحاب هذا التوجه يميلون لتضعيف كم كبير من الروايات وإن كانت صحيحة دفعا لمتونها التي لا تتناسب مع توجهاتهم؛ واختيار متون أخرى ضعيفة لأنها تتناسب مع توجهاتهم وطروحاتهم، وأدى هذا التوجه إلى تعطيل كم كبير من السنة، للتماهي مع الغرب في كثير من آرائه وأفكاره على حساب الشريعة.

أفكار طه جابر العلواني:

لست هنا بصدد بيان أفكار طه جابر العلواني الخطرة التي تناولها في عدد من مؤلفاته نحو السنة والقرآن، لكني أنبه إلى ظاهرة: أن أكثر الذين حاولوا الطعن والتقليل من شأن السنة والطعن في الأحاديث لا منهجية عندهم، بل يؤمنون بمجموعة أهواء لأشخاص لهم صلة بالتشيع، منهم محمود أبو رية (1889-1970) في بداية القرن في كتابه "أضواء على السنة المحمدية"، و"شيخ المضيرة أبو هريرة"([5])، والذي تبنى فيه أفكار الرافضة والمستشرقين تجاه أبي هريرة، ومن المعاصرين د. محمد حوى الذي شكك بروايات في الصحيحين ومدح التشيّع وحاول التقرب لبشار الأسد – قبل الثورة السورية- ، ونسيبه عداب الحمش في طعنه بالسنة والصحابة وتقربه من الإباضية والشيعة، ويبدو أنها حالة مضطردة أن من يقترب من الشيعة يطعن بالسنة والعكس.

حادثة توسط العلواني لإيقاف الحرب العراقية الإيرانية:

في سنة 1982 طرح العلواني مشروعا للوساطة بين العراق وإيران، يقوم على أن يرسل الشيخ ابن باز رسالة للخميني ورسالة لصدام حسين غايتها إيقاف الحرب باسم رابطة العالم الإسلامي، ويذكر العلواني أنه حاول أن يجعل الرسالة الموجهة للخميني رسالة تليق بمكانة عالم لم يكن يقل في نظره عن العز بن عبد السلام أو شيخ الإسلام ابن تيمية!! أما رسالته إلى صدام فكانت رسالة من عالم إلى جبار طاغية مستكبر([6]). وأترك التعليق للقارىء عن طريقة تناول الأمور في نظر العلواني!

طه العلواني بعد احتلال العراق:

أصبح العلواني ينشر آراءه وأفكاره الجديدة على موقعه، وصفحته الشخصية على موقع فيسبوك، وبمطالعتها وجدنا العلواني يمدح حزب الدعوة الشيعي، ويمدح التشيع الحقيقي ويذم التشيع الصفوي.

 ولعلي أحسن الظن فيه وأقول إن أحداث العراق الطائفية الشيعية اليوم حركت بعضا من عراقيته فغيّرت كثيرا من مفاهيمه القديمة الخيالية عن التشيع، فمؤخرا كتب عدة كتبات يذم فيها الحشد الشعبي الشيعي، وما فعله في ديالى وتكريت، ويذم الحكومة العراقية وطائفيتها، ولكنه يحنّ إلى مشروع التقريب فيكتب تغريدات وكتابات في مدح حزب الدعوة، والمرجعية الرشيدة([7])، ومن يتمعّن في أفكار هذا الرجل يشعر أن آراءه لا تجري بنسق منطقي، بل نحن أمام رجل يمثل فكره إشكالية تحتاج إلى دراسة أعمق؛ ولعلي في هذا المقال سلطت الضوء على بعض المحطات في حياته.

 



[1] - مقدمة كتاب "الإمام المجدد أمجد بن محمد سعيد الزهاوي فقيه العراقيين والعالم الإسلامي"، كاظم المشايخي، ص (10-11) لطه جابر العلواني، والذي أطنب في مدح الشيعة والثناء عليهم، كما سيأتي، إلاّ أن هذا الفعل- التقديم – لم يكن بإذن-  كاظم المشايخي مؤلف الكتاب، فأعاد طبع الكتاب من جديد في بغداد، وهي الطبعة الشرعية. 

[2] - انظر "أمجد الزهاوي 1883-1967، دراسة تاريخية"، لمجول محمد محمود جاسم العكيدي، رسالة دكتوراه في كلية التربية، قسم التاريخ في جامعة الموصل، 2004، ص (26).

[3] - الحزب الإسلامي العراقي دراسة في الأفكار والمواقف في ضوء انتخابات 2010م، د. خميس دهام حميد.

[4]  - مقدمة كتاب الإمام المجدد أمجد الزهاوي (10-11).

[5] - وقد كانت خاتمته شنيعة، أذ أصبح سكيرا زانيا، إلى أن أصبح قريبا من الزندقة، نسأل الله السلامة.

[6] - كتاب "الإنجاز في ترجمة الإمام عبد العزيز بن باز"، عبد الرحمن بن يوسف الرحمة، دار الهجرة، ص 290.

[7] - وهل حكم العراق بعد الاحتلال إلا قيادات حزب الدعوة : الجعفري – المالكي – العبادي؟! 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق