حقيقة الشيعة العرب في العراق بمناسبة الذكرى 12 للاحتلال الأمريكي
الأحد 19 أبريل 2015

 

 سمير الصالحي – كاتب عراقي

 

 

خاص بالراصد

بعد مرور 12 سنة على الاحتلال الأمريكي والإيراني للعراق ووقوع العراق بيد الهيمنة الإيرانية، ثمة سؤال مهم لا بد من طرحه يتناسب مع الدعوات التي برزت قُبيل وبعد عاصفة الحزم حول تقصير الدول العربية مع العرب الشيعة، وأنه لابد من محاولة لاحتوائهم([1]).

والحقيقة إن هذه فكرة قديمة تبنتها تيارات عروبية وقومية كان من ضمن تصوراتها وطروحاتها أن مشكلة التشيع لا تكمن في التشيع كعقيدة بل في التوجهات الفارسية.

لكننا كعراقيين ذاكرتنا التاريخية تحمل عدة حوادث تخالف هذا التوجه، وتنقض هذا التصور، منها حادثة قديمة قبل أن تصبح إيران شيعية، فإسماعيل الصفوي عندما بدأ بتغيير مذهب إيران من السنة للتشيع واتجه بعدها إلى بغداد ليسيطر عليها ويغير عقيدتها للتشيع، قام نقيب الأشراف الشيعي محمد كمونة([2]) ليقود لجام فرس إسماعيل الصفوي حين دخوله بغداد، وهو عربي هاشمي من آل البيت، يومها خطب ابن كمونة بأهل بغداد السُنّة ليقنعهم بعدالة إسماعيل الصفوي، فلما دخل إسماعيل أمر بذبح أهل السنة بكل وحشية، ومن شدة موالاة ابن كمونة للشاه إسماعيل الصفوي أنه ذهب معه ليحارب العثمانيين في معركة جالديران (920هـ/ 1514م) وقُتل هناك.

وقبل ذلك يعرف الجميع قصة الوزير الشيعي ابن العلقمي عندما خان أمته وملكه في زمن المغول، ولم يكن هناك جمهورية إيران الشيعية، فسلّم ملكه وأمته للمغول انتقاما لطائفته الشيعية الإمامية؛ لذا فهو والطوسي أبطال في نصرة المذهب عند علماء المذهب.

فهذه الحوادث ومثلها كثير يمكن أن تجعل البعض يقول: إنكم تظلمون الإيرانيين فسلوك الصفويين الوحشي ولّدته فتاوى علماء جبل عامل مثل الكركي في لبنان، ومثل نعمة الله الجزائري([3]) الموسوي، وبهاء الدين العاملي وغيرهم من علماء الشيعة العرب ممن أفتى لهم بهذه السلوكيات المتطرفة، وهؤلاء عرب أقحاح مثلما اليوم حسن نصر الله عربي أصيل، وكأن الإيرانيين يقولون: نحن نعيد لكم بضاعتكم المذهبية فلا تعيبوا علينا أيها القوميون!

أما بعد أن تحولت إيران لدولة شيعية وأصبح هناك طموح فارسي قومي مرتبط بالتشيع فلا بد لمثل هذه الطروحات التي تحاول أن تجعل الخطر قوميا فارسيا أحاديا، وأن التشيع العربي لا صلة له بهذا التوجه، أقول إن مثل هذا الطرح يحتاج لدراسات متعددة لتوضيح ملابساته وما يحتويه من صواب وخطأ. وفي هذا المقال أحاول تسليط الضوء على شيعة العراق كنموذج للشيعة العرب.

تشيع العشائر العراقية:

شيعة العراق في منطقة الجنوب وبعض الوسط عرب أقحاح من عشائر وقبائل عدنانية وقحطانية، ولا يمكن لأحد نكران ذلك، وتشيعهم ليس بالقديم إنما عمره 200 سنة فقط. باستثناء مناطق كان التشيع فيها قديما كمنطقة الحِلة والنجف وكربلاء، وبعض مناطق ضواحي بغداد.

لكن ماذا تغير في العشائر العربية العراقية بعد تشيعها؟ لقد تحول ولاؤها لإيران وأصبحت بين الفترة والأخرى تُحدث مشاكل للحكومة المركزية في العراق، وإذا ما طوردت هربت إلى إيران (فارس)، ولقد لاحظ هذه الظاهرة أكثر من كاتب منهم العلامة الألوسي، والشاعر معروف الرصافي في "الرسالة العراقية"، وسبب ذلك أن العلماء والمراجع لا يبنون دين التشيع على عبادة معينة بشكل معين بل إن محور التشيع قائم على كراهة السنة، لكونهم أعداء أهل البيت (نواصب)، ومن ثم تولدت لديهم كراهة دولهم كالدولة العثمانية، ومحبة للدول الشيعية في أرض إيران (فارس) وغيرها.

وكانوا يسمعون ويطيعون لكل ما يأتي من فارس (إيران) سواء كان من العلماء أو الساسة، وعلماء الشيعة العرب في العراق ومراجعهم كلهم غير عرب من فرس أو هنود أو أذريين (أذربيجان) أو أفغان، وهذا ما لاحظه حنا بطاطو في كتابه عن شيعة العراق، وعلماء النجف ومراجعهم كلهم غير عرب، كما أن ولاءهم لحكام إيران.

ويمكنني كعراقي أن أجزم أن شيعة العراق تبعاً لشيعة إيران، وإن أنكروا ذلك ألف مرة، فأكثر من 145 سنة مرّت على شيعة بلادي وهم يؤذنون في حسينياتهم ومساجدهم حسبما أراد لهم حاكم إيران وشاهها في وقته، فعندما زار شاه إيران القاجاري ناصر الدين العراق سنة 1870م وقت أن كان مدحت باشا حاكما على العراق، زار النجف ولم يسمع في الأذان الشيعي "أشهدُ أنَّ علياً وليَّ الله" كما هو في إيران عندها أمر بإعادة الأذان وذكر الشهادة الثالثة، ومنذ ذلك الوقت وإلى يومنا هذا يؤذن الشيعة حسب أوامر شاه إيران، بل أصبح من مقدسات الشيعة، التي يدافعون وينافحون عنها كأنها دين أنزل بنص غير قابل للتغيير([4]).

وحتى المراسم الشيعية هي شيء دخيل على شيعة العراق العرب لكنهم تلقوه بترحاب وقبول؛ فالإيراني صالح بن مهدي القزويني هو من أدخل ركضة طويريج وتبعه عليها الشيعة العرب، والضرب بالزنجيل (السلاسل) أدخلها الشيعة الأذريون إلى كربلاء سنة 1899م، وإلى النجف سنة 1919م.

ومن يراجع قضية اللطم والزناجيل والقامة والتشابيه يجدها عادات غير عربية ولا عراقية جاءت من شخصيات غير عربية، إما أذربيجانية أو إيرانية أو هندية، فأين شيعة العراق العرب، وهل حصل هذا بقناعة أم بالقوة؟!

بعد تشكيل الدولة العراقية سنة 1921 ووقوف الشيعة العرب من قبائل الجنوب ضد الحكومات العراقية الوليدة، ونذكر موقفا مخزيا للمرجع العربي مهدي الخالصي (الجد)([5]) عندما نفي إلى إيران سنة 1927 فقد أمر شيعة العراق بدفع الخمس إلى الجيش الإيراني([6]). ومعلوم رفض عشائر الجنوب بتوجيه من الملالي في النجف التجنيد الإجباري للحكومة العراقية، ليبقى الجنوب هشا غير مسيطر عليه.

كما إنه معلوم أنه توالت مجموعة ثورات في الجنوب وانتفاضات من هذه العشائر منعت الاستقرار في العراق وهي في السنين الآتية: 1924، 1926، 1927، 1928، 1935، 1936 بتوجيه علني من المراجع الإيرانيين. وكما يقول علي الوردي: "بعد أن تحولت إيران إلى التشيع، أخذت تؤثر في المجتمع العراقي تأثيراً غير قليل. فقد بدأ التقارب بين الإيرانيين وشيعة العراق ينمو بمرور الأيام. وصارت قوافل الإيرانيين تتوارد تباعاً إلى العراق من أجل زيارة العتبات المقدسة (عند الشيعة) أو طلب العلم أو دفن الموتى وغير ذلك. وقد نشأ في العراق جراء ذلك وضع اجتماعي فريد في بابه هو أن الشيعة الذين يمثلون أكثرية السكان في العراق هم من العرب بينما أكثر علمائهم من الإيرانيين"([7]). فهل أرغمت العشائر العراقية على هذه التبعية أم هي اختارتها بمحض إرادتها؟!

قبيل احتلال العراق:

لقد خرج أعظم مرجع عربي هو محمد باقر الصدر بكل صراحة ليبارك ثورة خميني ويدعوه للمجيء إلى أرض العراق جهارا نهارا، ولم يراعِ وجود دولة عراقية، فقل لي بربك: أي وطنية لرجل دين يطالب باحتلال بلده، ثم يرفض أتباعه أن يعدوا ذلك خيانة عظمى، ويعتبرونه شهيدا، فهل ترضى دولة في العالم ذلك؟ وما بال عربي آخر ومن نفس العائلة وهو موسى الصدر يرسله الشاه الإيراني ليعمل لحساب إيران (وهي علمانية غير متدينة).

فالشيعة العرب كلّهم مطيع لإيران وفي خدمتها زمن الشاه، ومن بعده خميني، ومن قبله صرح آية الله محسن الحكيم: "إن نظام الشاه هو المدافع الوحيد عن شيعة العالم وهو حصنهم الحصين والوحيد"([8]).

بل إن الشاه الإيراني كان يستغل علماء الشيعة العراقيين لمصالِحه فقد بعث في السبعينيات وبالتحديد سنة 1973 طالب الحسيني الرفاعي إلى مصر، فأنشأ جمعية باسم "آل البيت" وبدأ ينشر التشيّع بين فقراء المصريين عبر موظفي سفارة الشاه وصار المذهب الشيعي طريق الكثيرين من المصريين إلى العمل في الوظائف الحكومية في إيران، وفي المؤسسات الإيرانية في مصر، فتشيّع -لأسباب مصلحية مالية- عدد لا بأس به من المصريين خلال ست سنوات قضاها الرفاعي في مصر.

وقد تكشفت اليوم الحقائق أن حزب الدعوة الشيعي العراقي، أُسس بمباركة شاه إيران سنة 1959م، وكان السفير الإيراني في دولة الشاه يدفع لهم بين الفينة والأخرى([9]).

وممّن أحسن حزب البعث الظن به ودعمه كمرجع شيعي عربي محمد محمد صادق الصدر، والد مقتدى الصدر، الذي أوصى قبل وفاته أن تكون المرجعية لغير عراقيين عرب وهم: كاظم الحائري (إيراني) ومحمد إسحاق الفياض (أفغاني) وكأن العراق خلا من المراجع العرب!!

لقد مارس الشيعة العرب عمليات طائفية قبيل الاحتلال تمهيدا لما سيحصل بعده، فقد كان شيعة بغداد من مدينة الثورة (صدام) – مدينة الصدر حاليا- يمارسون دورا خبيثا طائفيا بإحصاء تام للعوائل السنية في منطقة الرصافة منذ سنة 1998 لغاية 2003، وبدأت تنظيمات الصدريين وقوات بدر تعمل على تكوين ملفات معلومات طائفية، وتعاون أكثر من 700 شيعي خارج العراق مع الجيش الأمريكي بمبلغ 1000 دولار، وكل هؤلاء شيعة عرب من عشائر بني تميم، وخفاجة، وربيعية، وجبور، ولامية، وسودان، وعباد، وعبيد، وشمر طوكة، وغيرها من عشائر لا يشك أحد في عروبتها، والممارسات الطائفية قديمة عند هؤلاء وجميع قياداتهم المتنوعة موجودة في إيران وسوريا ودول أوربا.

شيعة حزب البعث:

الشيعة أصحاب التوجهات غير الدينية توجهوا كبقية العراقيين إلى عدة توجهات علمانية، مثل الشيوعية وحزب البعث والتوجهات القومية، وكان ينبغي لهؤلاء أن يكون تأثير التوجهات الدينية فيهم ضعيفا، من أمثال التبعية لمرجعية أو التقليد الأعمى أو الخرافات المتوافرة في الدين الشيعي، لكن الواقع العراقي يشهد بأمر مختلف، فكثير منهم يحمل أفكارا طائفية أكثر من المتدينين أحيانا، ومن أمثلة الشيعة العلمانيين: أحمد الجلبي وكنعان مكية مؤلف كتاب (جمهورية الخوف) وهؤلاء نموذجان([10]) ساهما بتدمير العراق أثناء وجودهم في الغرب أكثر من التيار الشيعي المتدين، ومنهم مجموعة كتاب مثل فاضل الربيعي ورشيد خيون اللذين يدافعان بشكل ذكي عن الطائفة ويخدعان العرب السنة في الخارج في طروحاتهم.

وشخصيات البعث الشيعة تواجدت بكثرة في حكومة المالكي الأولى والثانية فكثير من أعضاء حزب البعث الشيعة اليوم من قادة الجيش والشرطة والأمن والمخابرات ومن رجالات الدولة من قضاة ومحامين وأكاديميين وأدباء وصحفيين موجودون في كيان الدولة وأسطورة اجتثاث البعث شملت السنة من البعثيين فقط إلا ما ندر.

وحزب البعث الشيعي يمارس كل الإجرام والميل إلى إيران ويقدر عدد الشيعة البعثيين من القياديين في الدولة الشيعية 40 ألف عنصر، وقد مارس كثيرا من هؤلاء الطائفية والتقية وهم داخل حكم حزب البعث إبان فترة الحصار، حيث نفذ كثير من الشيعة في أجهزة الأمن عمليات تصفية جسدية لخصومهم بحجج كاذبة، وقد دوّن بعضها د. طه الدليمي في كتابه (البادئون بالعدوان).

وعندي أشياء كثيرة منها ما كان يكتب لصابر الدوري محافظ كربلاء لخمس سنوات من تقارير حزبية عن تحركات طائفية لبعثيين لصالح إيران ولا يرفعها للقيادة في بغداد، وحتى بعد الاحتلال لم تتحمل طائفية البعثيين الشيعة من إعلان تنظيمات الجنوب والفرات الأوسط في حزب البعث العراقي المنحل، فك ارتباطها بأعضاء قيادة قطر العراق في الداخل والخارج احتجاجا على تعيين قيادة أصلية للحزب من "السنة" واحتياطية من "الشيعة"، معتبرة ذلك من "مخلّفات الاحتلال وتكريسا للنهج الطائفي".

الشيعة العرب بعد الاحتلال:

كشف الغطاء بعد الاحتلال، وخرجت أضغان لم يكن يتوقعها أحد من العراقيين، فظهرت البهجة والسرور بمقدم المحتل، حيث تخرج النساء تهلل وتزغرد للدبابات الأمريكية في بغداد وللدبابات البريطانية في مناطق الجنوب والبصرة، يحملون لهم الزهور ويعانقونهم، حتى ركب بعض المعممين الشيعة على الدبابات الأمريكية فرحين مسرورين مترحمين على الرئيس الأمريكي بوش، هذا الذي حدث على أرض الواقع، ودعوني من تحليلات غير صادقة لرشيد خيون ومَن على شاكلته من علمانيي العراق، الذين يريدون زورا أن يدافعوا عن طائفتهم بخبث يمرروه على القراء السذج تحت غطاء القومية، أو بحجة التحليل العلمي.

بينما الواقع على الأرض هو: أن هناك فرحة شيعية عارمة تريد أن تتخذ يوم 9/4/2003 عيدا، ومن ثم تبارك دخول أحزاب عراقية عاشت بإيران أكثر من 20 سنة، ومن أول أيام دخولها يبدأ مسلسل تصفية قيادات حزب البعث (لغاية شهر 7 / 2003م تم قتل 3000 بعثي، منهم 9 بعثيين شيعة فقط!!) احتلال مساجد للسنة، تهجير عوائل سنية([11])، واغتيال عشرات المرتدين من الشيعة (مصطلح يقصد به الشيعة الذين تسننوا) حيث تم قتلهم علنا. هذا واقع الشيعة العرب في العراق بعد الاحتلال وفي سنة 2003 مباشرة، وفي أيام الاحتلال الأولى.

اجتماعيا: استغرب الناس (السنة) وانصدموا في المناطق المختلطة وخاصة بغداد فقد تحول سلوك الشيعة اجتماعيا، فقد كشر الجار عن أنيابه لجاره وذهبت الوحدة واللحمة الاجتماعية، وشاهدتُ شخصيا طوابير من الشيعة ليأخذ الواحد منهم 20 دولارا ليخبر الأمريكان عن سني مقاوم للأمريكان، أو بعثي متخفٍّ، إنه مجتمع محمل بالأحقاد قبل دخول الإيرانيين وأحزابهم، لكن التقيّة تُلجمه، وتغطي أضغانه، والآن مع زوال نظام صدام كشف عنه الغطاء فأصبح معتدياً على مجتمعه.

في المقابل يفتي السيستاني والحكيم برفض ومعارضة مواجهة الأمريكان، بل إنهم افتوا خفية بقتل العرب (السوريين والتونسيين والأردنيين وغيرهم) الذين قدموا من الدول العربية للوقوف بجانب العراق، قتلوهم غيلة كما اعترف من نجا منهم وعاد لبلده، وهذا حدث في جنوب العراق، فهل كل هذا بتوجيه إيراني! إنه حقد طائفي قديم عمره 14 قرنا يحمله كل من حمل هذه العقيدة.

وكل هذا الواقع المرّ كان قبل ظهور تنظيم القاعدة حتى لا يخلط أحد أوراق التاريخ ويزعم أن القاعدة ضربت الشيعة واعتدت عليهم فرد الشيعة العدوان، لا تزوروا التاريخ أيها العرب العروبيون، فالحقيقة أن  المجتمع الشيعي العربي برمّته وعامته – ولا تخبرني بهذا وذاك فالنادر لا اعتبار له- وغالبهم متوجه نحو طائفية مقيتة يحملها المتدين الشيعي والعلماني رضعوه من أمهاتهم الجاهلات اللواتي لا يعلمن القراءة والكتابة ولكنهن يرضعن الطائفية لأولادهن، يرضعنهن: الزيارة، واللطم، ومقتل الحسين، وأن السنة هم قتلة الحسين، ولأن الأم الجاهلة لقنت أولادها هذه الأفكار فما بال المثقف العلماني تخرج من بين جنباته الطائفية لا يستطيع كبتها فما بالك بالمعمم!

لقد وصل الحد بالعلمانيين أن سلوكهم يجعلهم "لا يتقبلون أي نموذج سني إسلامياً كان أو غيره، لأن مجرد القبول بالتنازل والتعايش مع السني يعني بالضرورة الانخلاع من المذهب والتبرؤ منه، والذوبان في إطار سني يلغي الهوية الشيعية ولا يبقي لها أثراً.

إن عدم وعي العلمانيين السنة بهذه الحقيقة تدفعهم للانخداع بنظرائهم الشيعة، مستدلين على صدق تمسكهم بالعلمانية بسلامة سلوكهم وخطابهم في أيام الحكم السابق، وذاك عهد أُجبر الشيعة فيه على التقيّة السياسية والحديث بلسان سني عروبي قومي، فلما زال الخوف من بطش النظام أسفروا عن وجههم الآخر وتحركت الحمية المذهبية عندهم"([12]).

سيطر الشيعة على العراق كله بعد أن مكنهم الأمريكان، وحلوا كل الدولة السابقة، كان هذا من زمن حكومة الجعفري، والمالكي (8 سنوات) وهو عربي أصيل، وفعلوا بالعراق ما فعلوا، وكلاهما من حزب الدعوة، ومعروف أن حزب الدعوة من أكثر الأحزاب الشيعية بُعدا عن إيران وثمة عداوة بينهما، ومع ذلك فقد سلم العراق لإيران وهو موجود في سدة الحكم، كما أن الجمهور الشيعي العربي يختار في كل الانتخابات أتباع إيران، هذا يعني أن الشيعة كمكوّن عشائري عراقي هو من يختار هؤلاء بمحض إرادته. وأن التوجه نحو إيران غير مفروض كما يتبجح بعض الصحفيين، وإنما هذا يقال من قبل هذا الشيخ وتلك النخبة عندما تخرج خارج البلاد تقية أو لكسب استعطاف العرب لكسب المال.

وثمة سؤال: أين ذهبت النخوة العشائرية والشرف الذي كان موجودا عروبيا، والذي يختفي يوما بعد يوم أمام الهجمة الشيعية الدينية التي تجتاح الجنوب، فبعد أن كان زواج المتعة في العراق مقصورا على الإيرانيات أصبحت بنات العشائر لا تأنف من هذا الزواج (منذ تشيع العشائر قبل 200 سنة إلى سنة 2003)، وذهبت العادات أدراج الرياح؛ لأن المذهب والتدين أقوى بكثير من القوة العشائرية التي تضمحل تدريجيا، وإيران لم تنفق على العشرات من الفضائيات الشيعية التي تبث الكراهة للعرب، بل إن أبناء العشائر الجنوبية هم من ينفقون عليها.

ولا أدري ما سبب عداوة العشائر العربية لمجموعة فلسطينية مشردة من اليهود في فلسطين، تحمل وثيقة تعيش في العراق لعشرات السنين لتتولى العشائر العربية من جيش مقتدى الصدر العربي قتلهم والتمثيل بجثثهم في حي البلديات ببغداد، حتى قتلوا النساء وكبار السن، فأين هي عروبة مقتدى وهو عربي أصيل ليس بإيراني؟!

وحشية طريقة القتل: 

ولم يكتفوا بقتل أهل السنة والعرب، بل تفننوا في قتلهم بطرق وحشية وإجرامية لم تصل إلى خيال مخرجي أفلام هوليود، من قطع الرؤوس، واستخدام المثقاب الكهربائي، وحرق الجثث بالشوارع، وشيّ أطفال لأن أسماءهم عمر أو عثمان، وتقطيع أجسادهم، حتى قام آلاف السنة بتغير أسمائهم السنية كعمر وعثمان إلى أسماء شيعية أو عامة ليتخلصوا من الذبح.

فضلاً عن التهجير بالجملة وحرق وتهديم مساجد السنة، وسرقة ممتلكاتهم، وهذه الجرائم مارسها العرب الشيعة، ولم يمارسها الإيرانيون، فإن كان بتوجيه من الإيرانيين فتلك تبعية تدل على أن هؤلاء قوم لا يملكون قرارهم، وإن كان هؤلاء العرب فعلوا هذه الأعمال برضى منهم فلا معنى للدفاع عن عروبتهم.

الفرق بين الشيعة العرب والإيرانيين:

ربما يعترض معترض ويقول: إنك تناسيت أعمال الصرخي والحسني وغيره من المعتدلين العرب، فأقول له: الشيعة الإيرانيون لهم دافعان في العداء للمسلمين والعرب:

الأول: توجه قومي بأحلام الإمبراطورية الفارسية، الثاني: توجه طائفي يقصي ولا يعترف بغيره.

وأما الشيعي العربي فهو يحمل الدافع الطائفي فقط، لكن التوجه الطائفي هو مكمن لشرور كثيرة.

والسؤال هل يمكن فصل الشيعة العرب في دولنا عن إيران؟

والجواب: هذه أمنية تمناها الساسة العرب ونظروا لها في خطاباتهم ومقابلاتهم، لكن الشيعة عموماً يتحركون بشكل متناغم مع السياسة الإيرانية، ويستجيبون لأهداف هذه السياسة أكثر مِن استجابتهم لسياسات ومصالح الدول التي يسكنون فيها، رغم أنه من الممكن أن تسيطر إيران على مناطقهم وتذيقهم الأمرّين كما هو حادث لشيعة الأحواز، الذين بدأوا ينقلبون على إيران، حيث أصبح بعض شيعة الجنوب يجاهرون برفض السياسة الإيرانية بسبب اعتدائها على مصالحهم.

إن الحوزة مسيطر عليها من قبل إيران منذ 400 سنة تقريبا سواء كانت في قم والنجف وغيرهما، والقيادة والريادة لإيران فيها.

فعلى السنة ألاّ يعوّلوا كثيرا على فرضية عدم ولاء شيعة العراق لإيران لأنه متغلغل بين الشيعة العرب، وحتى لو نُسفت إيران من الخريطة فالتشيع العربي بفكره الحالي هو شر قائم بذاته وإيران شر آخر، فإذا ذهبت إيران بقي شر التشيع، وأحلاهما مرّ.

وأنا كعراقي وأعيش في المنفى أعلم وأدرى بحقيقة التشيع من الصحفيين في مصر والأردن والمغرب العربي ممن لا يعرف التشيع إلا في ثنايا العالم الافتراضي والكتب والدراسات، ها هم الحوثيون العرب الأقحاح يقدمون مذهبهم وتبعية إيران على بلدهم، ويخربون بلادهم!

ومع هذا أقول: لا بأس بتجريب المجرب؛ لأن البعض لا يتعلم إلا من تجربته، وحاولوا أن تفصلوا الشيعة العرب عن الإيرانيين سواء في العراق والبحرين أو اليمن، أو سوريا([13])، ومن باب النصيحة طالبوا الشيعة العرب بخطوات عملية لإثبات أنهم غير تابعين لإيران، ولا تنخدعوا بالوعود والكلام المعسول، نريد خطوات واقعية على الأرض، فلعل كلماتنا تذهب أدراج الرياح ويصدق ما زعمتموه، والله من وراء القصد.

 



[1] - هذه الدعوات أول من نادى بها شيعة عرب مثل العراقي رشيد خيون، والصحفي الشيعي السعودي توفيق السيف، والشيوعي العراقي صائب خليل الراوي وتبعهم على ذلك عدد من الصحفيين العرب. 

[2] - آل كمونة لا تزال عائلة شيعية مرموقة يفتخر بها الشيعة بنسبها لجد خائن لكنه عند عائلته مجاهد لخدمة المذهب والطائفة، وقد عمل عملا عظيما أن سهل دخول الصفويين إلى بغداد.

[3] - ليس نسبة إلى دولة الجزائر كما وقع خطأ، بل إلى منطقة قرب البصرة والبطائح (الأهوار) إلى جُزر من هناك.

[4] - علي الوردي "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث" (2/259)، علماً أنّ علماء الشيعة كانوا يبدّعون وأحيانا يلعنون من يفعل ذلك؛ لأن هذه العبارة مِن بدع فرقة المفوضة الشيعية؛ الذين يدّعون أنّ الله فوّض الخلق لعليٍّ، وعلي ساعد الله على خلق الكون، فمن أجل ذلك كفّرهم الشيعة، فهذه الطائفة المنحرفة هي من أوجد هذه الشهادة الثالثة. (نقلا عن مقال في الراصد: ولاء الشيعة لمن حقائق وأهام منثورة، عبد العزيز بن صالح المحمود، العدد 107، 1433هـ.

[5] - هو وأولاده وأحفاده يحملون الجنسية الإيرانية، وكان يعمل ضد حكومة الملك فيصل الأول في العراق ويسعى لخلعه.

[6] - عن مقال جهود علماء العراق في الرد على الشيعة/ 3، لعبد العزيز بن صالح المحمود، الراصد، العدد 57، 1429هـ.

[7] - لمحات اجتماعية، لعلي الوردي (1/11).

[8] - انظر مقالنا في الراصد "حقائق خطيرة في الشأن العراقي: علاقة أمريكا وإيران بتنظيم القاعدة" العدد 124، 1434هـ.

[9] - كتاب حزب الدعوة، لصلاح خرسان.

[10] - تناولت مجلة الراصد ذلك في مقال رائع (طائفية التيار العلماني الشيعي في العراق/ 1) العدد 106/ 1433هـ.

[11] - في هذه المرحلة قاد السنةَ مجموعةٌ غير واعية من أمثال الحزب الإسلامي (الإخوان المسلمين) وأحمد الكبيسي الذي يشارك في مظاهرات بوسط بغداد (إخوان سنة وشيعة) بينما الشيعة لا يعترفون بهذه الأخوة، ويحملون لافتات لا فرق بين السنة والشيعة.

[12] - من مقال في الراصد بعنوان (طائفية التيار العلماني الشيعي في العراق/ 1) العدد 106/ 1433هـ.

[13] - لأن العلويين (النصيرية) عرب.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق