إغلاق السودان للممثليات والجمعيات الإيرانية .. قراءة في أبعاد القرار
الأحد 19 أبريل 2015

 

 محمد خليفة صديق – كاتب سوداني

 

خاص بالراصد

كان قرار السلطات السودانية إغلاق مكاتب الممثليات والجمعيات الإيرانية كافة بالبلاد في 26/3/2015م، والذى أوردته وكالات الأنباء العربية والعالمية ونقلته عدد من القنوات الفضائية في نبأ عاجل قراراً متوقعاً، وهو يأتي استكمالاً لقرار إغلاق المستشارية الثقافية الإيرانية بالخرطوم والمركز الثقافي الإيراني بأم درمان وتوابعها في 8/2/2014م، قبل أقل من شهرين، وكانت وزارة الخارجية السودانية قد طلبت من المستشار الثقافي الإيراني ومعاونيه مغادرة البلاد خلال 48 ساعة، بعد الكشف عن تجاوز المستشارية الثقافية الإيرانية والمراكز لدورها الثقافي والدبلوماسي، حيث جاء القرار كاستجابة لنداءات عدد من علماء الدين الإسلامي في البلاد وتحذيرهم من إمكانية حدوث فتنة مذهبية.  

كانت الحكومة السودانية أعلنت مؤخراً على لسان وزير الخارجية على أحمد كرتي أن السودان لم يكن في حلف مع إيران على الإطلاق، وقال: "لم أسمع بهذا الحلف وأنا موجود في وزارة الخارجية، وحتى قبل أن آتي إليها لم أسمع بأن السودان حليف لإيران، واصفاً ما تردد بهذا الشأن بأنه ترويج لفرية، وقال: العلاقة مع طهران لم تتجاوز الدبلوماسية، وهي تشاركنا منابر منظمة التعاون الإسلامي ومنظمة دول عدم الانحياز، ولم يكن للسودان موقف خاص تجاهها ولم يدخل معها في مواقفها المذهبية، ونوه بأن إيران تريدنا أن نكذب على العرب بأننا موافقون على مواقفها، واعتبر ذلك تزييفاً.

ومنذ وقت مبكر- وتحديداً- في العام 2012، طفت على السطح خلافات داخل الحكومة بشأن التقارب مع إيران، وخرج وزير الخارجية علي كرتي، في نوفمبر من ذلك العام إلى العلن متحدثا في حوار تلفزيوني مباشر، عن رفض الدبلوماسية للتقارب السوداني الإيراني، بشكله العميق الذي كان يظهر على شاكلة تدريبات مشتركة في سواحل البحر الأحمر حيث ترسو القطع البحرية الإيرانية على ميناء بورتسودان من حين إلى آخر، وأكد الوزير أنه لا يرى مصلحة للسودان في حدوث تقارب شديد مع إيران على حساب علاقاتها مع دول الخليج، ونادى بضرورة توضيح طبيعة العلاقات معها للدول الصديقة إلا أنه أكد أن الجهات التي تود التقارب مع إيران لها أيضا ما يبرر دعمها لهذا التقارب في إشارة منه إلى الاتفاقات مع طهران وعزوف دول الخليج، خاصة المملكة العربية السعودية، عن دعم بلاده.

وطبقا لمصادر فإن وزارة الخارجية كانت على قناعة بأن التقارب مع إيران يضر كليا بمصالح السودان مع دول الخليج، وأشارت إلى أن نافذين في الوزارة لم يملوا، وعلى مدى سنوات، من تنبيه قيادة الدولة إلى الخطر الذي يمكن أن يجلبه ذلك التقارب على المدى الطويل.

سنحاول من خلال هذا المقال قراءة أبعاد قرار السودان إغلاق مكاتب الممثليات والجمعيات الإيرانية كافة بالبلاد، وتبعات ذلك القرار على المؤسسات الإيرانية بالسودان وأتباع المذهب الشيعي، بجانب توضيح تلك المؤسسات التي تم إغلاقها وما تقوم به في أرض السودان.

تمهيد تاريخي:

تاريخيا بدأت حركة التشيع في السودان في عام 1986 بعد توجيهات مباشرة من المرجع الشيعي المدرسي، ومجموعة من الطلبة بحوزة الإمام القائم العلمية، حيث أتى هؤلاء للسودان وأسسوا جمعية الرسالة والتضامن الإسلامية، وكانت هذه الجمعية هي اللبنة الأولى والأساس في نشر التشيع.

وبعد الجمعية استمر التشيع في الانتشار مخترقاً بعض شرائح المجتمع سيما سكان أطراف المدن وغير المتعلمين، وأثر في عدد من التكوينات الاجتماعية، وبدأ تأثيره يتسع ليشمل بعض النخب الثقافية والفكرية، أو على مستوى عامة الناس بحيث أصبح له حضور محسوس.  

بدأت التحرك الشيعي الرسمي في السودان بافتتاح أول مركز ثقافي إيراني في السودان عام ۱۹۸۸ في عهد رئيس الوزراء السابق ورئيس حزب الأمة القومي الصادق المهدي، وقد تزايد نشاط المراكز وتوابعهـا بعد وصول حكومة الإنقاذ للحكم في عام ۱۹۸۹.

تتركز أنشطة المراكز الثقافية الإيرانية الظاهرية على تنظيم دورات في تعلم اللغة الفارسية وعقد المسابقات وتأسيس المكتبات وتزويدها بالمؤلفات الشيعية، حيث أن لكل مركز ثقافي منها مكتبة عامة مفتوحة للجمهور، وهي تشرف على تنظيم رحلات سنوية لزعماء وشباب بعض الطوائف الصوفية وللشباب السودانيين لزيارة إيران، إضافة لمسابقات في مجال القصة القصيرة والرواية والتشكيل بالتركيز على الخط الفارسي.

وقد حاول الايرانيون نشر التشيع في السودان عبر عدة وسائل أهمها المراكز الثقافية والمؤسسات التعليمية والمكتبات والمسابقات وتكوين الروابط والجمعيات وقبول الطلاب وإعانتهم وتوزيع الكتب وغيرها، وفي الجانب الشعبي نشطت إيران في نشر التشيع واللغة الفارسية والاحتفالات الشيعية مثل مولد المهدي والمسابقات الثقافية مثل جائزة الخميني للقصة القصيرة.

المؤسسات الإيرانية في السودان:

عندما شعرت إيران أن الأجواء مواتية لتوسيع نشاطها في السودان، بدأت تتوسع في إنشاء مؤسسات وواجهات مختلفة لنشاطها، ونسجت المؤسسات الإيرانية بالخرطوم علاقات واسعة مع زعامات القوى المؤثرة في السودان وبيوت الطرق الصوفية خاصة بزعم الاشتراك في حب آل البيت النبوي، ثم تغلغلت في أوساط الطلاب عبر نشاط المستشارية الثقافية بالخرطوم، والبعثات التعليمية لجامعات الجمهورية الإيرانية، وتقول بعض المصادر المطلعة إن للشيعة انتشارا بين طلاب الجامعات عبر بيوت الطلبة التي تستأجرها لهم المؤسسات الإيرانية بالخرطوم.

ثم بدأ النشاط الشيعي يركز على المنح الدراسية والتعليمية من أجل دراسة المذهب الشيعي للطلاب السودانيين، بجانب بعض التخصصات العلمية والدراسات العليا في مجالات مثل الطب وغيره، ولم تكن الحوزة العلمية في قم وجامعة الإمام الخميني هما الوجهة الوحيدة لهؤلاء، وإنما شملت أيضاً الحوزة العلمية في النجف بالعراق، وحوزة دمشق. وعادة ما تكون دورات المراكز الثقافية بعاصمتي البلدين الخطوة الأولى، قبل تلك المنح والبعثات.

كما ظهرت المشاركة الإيرانية في المعارض والفعاليات الثقافية بالبلدين، حيث كانت معارض الكتاب، والمعارض الخاصة مناسبات هامة لنشر وتوزيع الكتب والإصدارات وعقد الندوات التي تروج للفكر الشيعي. بجانب المسابقات الثقافية والأديبة وهي الآلية التي تطورت مؤخراً وكانت قاصرة على السودان، من خلال جائزة الإمام الخميني للقصة، والتي أعلنت عنها الملحقية الثقافية الإيرانية بالخرطوم في يناير 2011، واللافت أن المشاركة فيها تعدت اللغة العربية والإنجليزية للغة الفارسية، في سابقة لم تشهدها البلدان العربية من قبل. وقد أوجدت تلك البرامج الثلاثة، قنوات اتسمت بالديمومة وحافظت على الترويج ونشر الثقافة الإيرانية التي تخدم ظاهرة التشيع السياسي والمذهبي.

بدأت مؤسسات نشر التشيع تتوسع بالسودان تحت مسميات ومنظمات عدة، وفي مختلف جوانب الحياة لتشمل:

 1 - المراكز الثقافية.

2 – المكـتبات العامـة.

3- المؤسسات التعليمية والثقافية.

4- الجمعيات والروابط والمنظمات.

5 - مؤسسات اقتصادية ومشاريع استثمارية.

وفيما يلي رصد لبعض المؤسسات والجمعيات الإيرانية التي شملها قرار الإغلاق:

1-  جمعية الصداقة السودانية الإيرانية:

  تعد جمعية الصداقة السودانية الإيرانية من أهم الممثليات الإيرانية ذات الغطاء الشعبي، وهي تنضوي تحت لواء مجلس الصداقة الشعبية العالمية بالخرطوم، وهي مؤسسة شبه رسمية تعمل في مجال تعميق الصداقة بين الشعوب أو ما يعرف بالدبلوماسية الشعبية، وقد ترأسها في بدايات نشأتها وزير خارجية السودان الأسبق د. مصطفى عثمان إسماعيل، ويرأسها حاليا المهندس عبد المنعم السني.

ويحوي مجلس الصداقة الشعبية العالمية عددا من جمعيات الصداقة، من بينها جمعية الصداقة السودانية الإيرانية، وهذه الجمعية مرتبطة بالسفارة الإيرانية مباشرة، وقد أسهمت هذه الجمعية في تنشيط المراكز الثقافية الإيرانية وغيرها من الأنشطة الدعوية الشيعية، وهي تحظى بدعم بعض السياسيين من البلدين، وقد تمكنوا من خلال هذا المجلس والجمعية من الاتصال بجمعيات الصداقة الأخرى، وكذلك بالطلاب الوافدين خاصة من الدول الإفريقية.

وقد ترأس جمعية الصداقة السودانية الإيرانية في بعض الاوقات القاضي الدكتور المكاشفي طه الكباشي عضو مجمع الفقه الإسلامي السوداني، وهو شخصية لها اعتبارها عند العامة نظراً لارتباطه الكبير بالصوفية، فهو من أسرة صوفية معروفة بمنطقة الكباشي شمال الخرطوم، وكان له دور كبير في إقرار قوانين الشريعة الإسلامية إبان حكم الرئيس الأسبق جعفر نميري، وقد ترأسها كذلك في بعض الأوقات وزير الدولة بوزارة العدل الأسبق أمين بناني المحامي وغيرهم.

2-  المؤسسات الإيرانية التعليمية بالسودان:

   أ - المدارس، وهي على النحو الآتي:

    1- مدرسة الإمام علي بن أبي طالب الثانوية للبنين بمنطقة الحاج يوسف في محافظة شرق النيل بالخرطوم. أنشئت هذه المدرسة في هذه المنطقة الشعبية أملاً في إقبال الطلاب عليها نظراً للظروف الاقتصادية لعدد من سكان هذه المنطقة، وقربها من بعض مناطق انتشار التشيع في منطقة أبو قرون بشرق النيل وغيرها.

    2- مدرسة الجيل الإسلامي لمرحلة الأساس للبنين بمنطقة مايو جنوب الخرطوم، وهي أيضاً منطقة نائية في أطراف العاصمة، وذات كثافة سكانية عالية ويغلب عليها الفقر، ويقطنها النازحون إلى العاصمة من جنوب السودان وغربه.

    3 - مدرسة فاطمة الزهراء لمرحلة الأساس للبنات بمنطقة مايو جنوب الخرطوم أيضاً.

ب : المعاهد، وهي على النحو التالي:

  1 - معهد الإمام جعفر الصادق الثانوي للعلوم القرآنية والدينية بحي العمارات: وهو من أخطر مراكز نشر التشيع بالسودان؛ إذ لا يقبل سوى حَفَظَة القرآن الكريم، ويلاحظ تركيزهم على حفظ القرآن ممن لا يحملون علوماً شرعية أخرى لهدف واحد وهو قبول الناس واحترامهم لحافظ القرآن الكريم وخصوصاً أبناء الأرياف والقرى، ومن ثم وبعد التأثير عليهم يُرسل من حفظ منهم القرآن إلى قريته ويتبنى، إما فتح خلوة له أو بناء مسجد يؤمه هو، أو أن يكون إمام مسجد القرية القديم، ثم يبدأ التأثير على أهل قريته وقبيلته ليكونوا من دعاة التشيع.

ومن السهل ملاحظة أن شروط القبول في هذا المعهد، وضعت لتخدم هدفهم المراد، ومنها:

    أ - حفظ القرآن الكريم كاملاً.

    ب - أن يكون عمر الطالب أقل من سبعة عشر عاماً!

    ت - أن يكون الطالب سوداني الجنسية.

    ث - أن يكون الطالب معافى من العاهات المستديمة.

    ج - أن يكون الطالب صوفياً.

ويتكون المعهد من ثلاثة طوابق، وفيه قسم داخلي كبير للطلاب يحوي كل وسائل الراحة، وفيه مطعم يقدم ثلاث وجبات يومية مجاناً، وبه غرف وأسرَّة لكل الطلاب، وبالمعهد مكتبة ضخمة فيها جميع كتب الرافضة والمذهب الجعفري وكتب الفلسفة والمنطق وغيرها، وفيها جهاز فيديو ومكبرات للصوت للأذان، ومن مرافق المعهد قاعة للمطالعة، ومسجد للصلاة، ويقدم المعهد لطلابه كل ما يحتاجون إليه من ملابس وأحذية وغذاء وعلاج ووسائل ترحيل.

وللمعهد أقسام دراسية ثلاثة:

1-  قسم التجويد: ومدة الدراسة فيه سنتان، يمنح الطالب بعدها شهادة إجازة في التجويد.

2-  قسم القراءات: ومدة الدراسة فيه أربع سنوات، يمنح الطالب بعدها شهادة إجازة أهلية في القراءات.

3-  القسم الثانوي العلمي: ومدة الدراسة فيه ثلاث سنوات، يمنح بعدها الطالب شهادة إجازة أهلية في العلوم الدينية.

2-  معهد الإمام علي العلمي الثانوي للقراءات بمنطقة الفتيحاب بمحافظة أم درمان: أنشئ في سنة 1996م، لاستقطاب طلاب الخلاوي والكتاتيب القرآنية، وقد وقعت في المعهد بعض الجرائم والتجاوزات الأخلاقية، فتم على إثرها إغلاقه.

3- الجمعيات والروابط والمنظمات:

يوجد بالسودان عدد كبير من الروابط والجمعيات ذات الصلة بإيران، وتعمل كلها في مجالات ذات صلة بنشر التشيع، أبرزها:

جمعية أصدقاء المركز الثقافي الإيراني: وهي جمعية تضم كل شيعة السودان والمتعاطفين مع إيران وثورتها، وهي أكبر جمعياتهم، وتتم عبرها اللقاءات مع المدعوين للتشيع، وتتم فيها اللقاءات والاجتماعات وإلقاء المحاضرات وتقديم الكتب والهدايا من قبل مدير المركز.

1-  رابطة الثقلين.

2-   رابطة آل البيت.

3-   رابطة المودة.

4-   رابطة الظهير: وهذه الرابطة والروابط الثلاث السابقة هي عبارة عن روابط طلابية يشرف عليها بعض خريجي الجامعات الإيرانية والسورية واللبنانية والتركية، ولها أنشطة مختلفة كإقامة الندوات والمحاضرات، وإصدار مجلات حائطية ومطويات، ويقوم المركز الثقافي الإيراني بتمويل هذه الروابط المذكورة من أجل القيام بأنشطتها؛ بالإضافة إلى دفع الرسوم الدراسية للأعضاء، وتأمين ملابس وكتب دراسية ومبالغ مالية للمواصلات، وغير ذلك مما يحتاجه الطلاب.

5-  رابطة الزهراء، وهي رابطة خاصة بالطالبات بالمدارس والمعاهد والجامعات، وتشرف عليها إحدى أهم الناشطات بالحركة الشيعية النسائية في السودان، وهي أيضاً عضو مهم ومؤثر بالاتحاد النسائي الإسلامي.

6-  رابطة سفينة النجاة الثقافية الإسلامية، وهي رابطة تشكلت من مجموعة من الطلاب الذين يدرسون في الجامعات الإيرانية، وتهدف إلى إدارة شؤونهم كطلاب سودانيين في إيران، وهي إحدى اللافتات الشيعية المهمة في السودان، وهي رابطة نشطة جدا خاصة في بعض قرى شمال كردفان مثل أم دم حاج أحمد.

8- جمعية آل البيت الخيرية: وهي فرع للجمعية التي تأسست في إيران عام 1960م، وتصدر مجلة اسمها "الهدي المحمدي".

9- جمعية الثقلين الخيرية: تشرف هذه الـجمعية حسب بعض المصادر على المساجد والزوايا ذات الميول الشيعية.

10- منظمة طيبة الإسلامية، وهي تعنى بإنشاء المدارس والمعاهد، ويتبع لها بعض المعاهد والمدارس سالفة الذكر، كما يتبع لها ما يعرف بـ "مجلس أمناء المدارس الإيرانية بالسودان"، والذي يضم عدداً كبيراً من الشخصيات السودانية الموالية للرافضة في السودان.

11- منظمة جهاد البناء (جهاد ساندكي): وهي منظمة تعمل في أنشطة متنوعة، وتشرف على نشاط لبعض المؤسسات الطبية الإيرانية، مثل المركز الطبي الايراني بأم درمان، ومركز صحي خاتم الأنبياء الذى كان يقع بشارع الجامعة بالخرطوم جوار الإدارة العامة للمرور.

5- المكتبات العامة:

تركز إيران على بسط ثقافة التشيع والثقافة الفارسية عبر توزيع الكتب ونشرها وإقامة المكتبات العامة، حيث تركز إيران على أن يكون لكل مركز ثقافي من المراكز الثقافية الإيرانية والمؤسسات الأخرى مكتبة عامة مفتوحة للجمهور، وقد توسعت إيران في إقامة خمس مكتبات بالسودان مثل مكتبة الكوثر بحي السجانة، ومكتبة مركز فاطمة الزهراء بحي العمارات، ومكتبة معهد الإمام جعفر الصادق بحي العمارات، وكلها في منطقة وسط الخرطوم، ومكتبة مدرسة الجيل الإسلامي بحي مايو جنوب الخرطوم، وهو حي شعبي ذو كثافة سكانية عالية، وأغلب من يقطنه من أبناء دارفور والفلاتة ومكتبة بالبوستة بأم درمان.

وقد استفادت تلك المؤسسات مجتمعة من الإعفاءات الجمركية التي وردت في الاتفاقيات الثنائية التي وقعت بين البلدين في بعض الأوقات في إدخال الكتب والأشرطة المسموعة والمرئية، وقد بلغ عدد الكتب الشيعية التي أدخلت للسودان على سبيل المثال قرابة 10 ملايين كتاب على أقل تقدير.

وهناك المكتبة العامة الضخمة في المركز الثقافي الإيراني في كل من الخرطوم وأم درمان؛ وهناك كذلك عدد من المكتبات داخل الحسينيات والجمعيات والروابط.

6- الحسينيات:

من مظاهر التشيع في السودان انتشار الحسينيات والزوايا الدينية الشيعية، والتي كانت أكثر وضوحاً بالسودان، فالحسينيات تسمح للشيعة بحرية ممارسة صلاتهم وتنظيم الاحتفالات الدينية.

تشير بعض المصادر إلى أن للشيعة بالسودان قرابة 15 حسينية وزاوية، أغلبها بالخرطوم، وأشهرها حسينية المرتضى، التي تقع شرق العاصمة الخرطوم، ينظم فيها منتدى دوري يتناول الأمور الخاصة بالطائفة الشيعية. وعملها أقرب للسرية ليس تخوفا من السلطات السودانية، حيث تغمض عيناها حيال نشاطها، ولكن تخوفا من الجماعات السلفية المتشددة، وتشير التقارير إلى أن هذه الحسينيات لها مكتبات مقروءة وصوتية، وعبرها يتم الحصول على بعثات دراسية للحوزة العلمية في إيران والعراق.

والحسينيات موزعة بين الخرطوم وولايــات كردفان والنيل الأبيض ونهر النيل، وفي أول ملتقى شيعي تم بصورة علنية في عام ۲۰۰۹ وحضره حوالي ألف من شيعة السودان، كما يتم تنظيم احتفال سنوي بعيد مولد السيدة فاطمة الزهراء ويوم القدس العالمي وذكرى الخميني والمهدي.

7-  مؤسسات اقتصادية ومشاريع استثمارية:

بعد بروز الوجود الإيراني في الساحة السودانية، بدأ هذا الوجود في التوسع في الجانب الاقتصادي عبر بيع النفط والغاز الإيرانيين للسودان، عقب حرب الخليج وغضبة دول الخليج على السودان بسبب موقفه آنذاك، وقامت إيران بتأسيس مجموعة من الشركات والمشروعات الاستثمارية والاقتصادية والمنح المحدودة، وسعت لاستغلال تلك المشروعات ضمن جهود إيران في نشر التشيع في السودان.

ويقال إن إيران كانت لاعباً قوياً في استخراج والتنقيب عن النفط والغاز في السودان، وما تبع ذلك من نشاطات اقتصادية إيرانية، حيث رفع الإيرانيون شعار الأهداف السياسية والاقتصادية في خدمة نشر المذهب الشيعي.

ومن أبرز الأنشطة الاقتصادية الإيرانية في السودان، ما يلي:

1- شركة إيران غاز: وهي إحدى أهم الشركات العاملة في تعبئة أنابيب الغاز ونقلها وتوزيعها في السودان، ويعمل في هذه الشركة وتوكيلاتها عدد كبير من السودانيين، ولها فروع في عدد من مدن ومناطق السودان، وهي لا تعطي توكيل إيران غاز إلا لمن كان شيعيا أو قريبا من التشيع ليكون مصدر دخل للمتشيع، وتقام في الشركة ومقراتها كل مظاهر التشيع، حيث تعتبر مركزا من مراكز التشيع في التوظيف وتوزيع التوكيلات للشركة، وقد تمت تصفية الشركة وبيعها لمستثمر آخر، وسيتم تحويل اسمها من إيران غاز إلى اسم آخر.

2- المطعم الإيراني: وقد أقيم في مبنى فخم من ثلاثة طوابق يطل على شارع المطار، وشارع رقم 15 بحي العمارات، إلا أنه أخفق من ناحية اقتصادية وتم إغلاقه.

3- مشاريع المنح الأخرى: مثل طرق السلام، الذي يربط مدينة رَبَك ومدينة الجبلين بولاية النيل الأبيض بالجنوب الأوسط للسودان، وقد عملت في الطريق عدد من الشركات الإيرانية، في الفترة بين (1994-1999) ، حيث حاول القائمون على أمر الطريق نشر التشيع من خلال العمل في القرى حول الطريق، وقد طالت مدة إنجاز الطريق، وهو لم يكتمل حتى الآن.

4- الاتفاقيات الاقتصادية: تم توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية بين السودان وإيران بقيمة 400 مليون دولار، وخاصة فيما يتعلق بتبادل الخبرات في مجالات الزراعة عن طريق إنشاء مزرعة نموذجية مشتركة وتصدير بعض المحاصيل والمنتجات الزراعية السودانية إلى إيران، والصناعة بإنشاء مصانع سكر وألبان ومصنع للسيارات والجرارات والمقطورات، إضافة إلى إبرام اتفاق للتعاون في كل من المجال العلمي والنفط والتعدين والعمل المصرفي.

5- مشروعات وشركات في مجال المياه وتعبئتها.

6- مشاريع زراعية وحيوانية.

ومن خلال هذه المشروعات الاقتصادية سعت إيران لاستغلال الفقر الذي يعانيه عدد من السودانيين في نشر التشيع، وذلك بتوفير الوظائف للبعض وإعالة الطلاب للبعض الآخر عبر المؤسسات مباشرة أو المراكز الثقافية والأفراد.

خاتمة:

يلاحظ أن الاهتمام الإيراني بالسودان تركز على الشعب والدولة كلاً على حدة، فإيران تنظر للسودان كدولة تستطيع من خلالها تنمية علاقاتها الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية معها، كما ظلت تنظر للسودان كدولة لها نفوذها الديني الإقليمي، وامتدادها العميق باتجاه الغرب الإفريقي والجنوب الساحلي معزَّزة بثقل تاريخي هائل، ولذلك فإن قرار حكومة السودان بإغلاق المؤسسات الإيرانية بالبلاد كافة يمثل قاصمة ظهر للنشاط الشيعي في السودان.

وفي جانب الاختراق الشيعي للمجتمع السوداني تظل بوابة التصوف هي أكبر معبر لدخول التشيع إليه، رغم أن عددا كبيرا من البيوت الصوفية المشهورة تبرأت من التشيع وأهله، بجانب المؤسسات الصوفية مثل المجلس الأعلى للتصوف والمجمع الصوفي العام، ولم يتبقّ إلا بعض الجيوب المحدودة مثل آل أبو قرون الذين ينتمي إليهم النيّل أبو قرون أحد أبرز رموز التشيع بالسودان وأحد أفراد بيت آل حاج الماحي بمنطقة الكاسنجر بشمال السودان، وهناك اهتمام إيراني بقطاع ما يُسمى بـ (الأشراف) ممن لهم انتماء للبيت النبوي في مصر والسودان، مما يحتم ضرورة استمرار جهود محاربة التشيع على كل المستويات، حتى يعود السودان خالياً من أي نابتة للتـشيع.

ومحاربة الوجود الشيعي في القطاعات الشعبية تحتاج لتضافر جهود العلماء والمؤسسات العلمية والدعوية الرسمية والشعبية للوقوف أمام أي محاولات لنشر فكر الشيعة في البلاد، باعتباره فكرا خطيرا ودخيلا  يهدد طبيعة السودان الدينية والتاريخية.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق