سطور من الذاكرة\العدد مائة وخمسة وأربعون - رجب 1436 هـ
صلاح الدين ومؤامرات الفاطميين (4) مؤامرة الجند الأرمن
الأحد 19 أبريل 2015

 

 هيثم الكسواني

 

خاص بالراصد

شكل النصارى الأرمنُ المرتبةَ الثانية في الجيش الفاطمي من حيث العدد والعدّة بعد الجند السودان، الذين تحدثنا عن مؤامرتهم ضد صلاح الدين الأيوبي في العدد الماضي. ومن المعلوم أن العبيديين الفاطميين، أصحاب المذهب الشيعي الإسماعيلي، كانت سياستهم الداخلية تقوم على موالاة اليهود والنصارى، وإعلاء شأنهم، وتوليتهم المناصب الكبيرة، ومنحهم الصلاحيات الواسعة، وكان من آثار ذلك تعرض المسلمين من أهل السنة في مصر والبلاد الواقعة تحت حكم العبيديين إلى صنوف مختلفة من الإيذاء والاضطهاد والتهميش، على يد العبيديين الشيعة واليهود والنصارى، على حد سواء.

كما قامت سياسة العبيديين الخارجية على الصدام مع أهل السنة، والتحالف مع أعداء الأمة، كالصليبيين، واستقدامهم إلى مصر، والتخاذل في مقاومتهم، وكل ذلك من أجل إضعاف الإمارات والدول الإسلامية السنيّة، بما ينسجم مع العقيدة الشيعية التي تجعل السنيّ حلال الدم والمال والعِرض، وتجعل عداوته مقدمة على عداوة غير المسلم، وهو ما تناولناه في الراصد عدة مرات([1]).

 

الأرمن في الجيش الفاطمي

تعود بدايات الوجود الأرمني في الجيش الفاطمي إلى عهد الوزير بدر الجمالي، الذي تولى منصبه سنة 466هـ (1074م). والجمالي أرمني الأصل، كان مملوكاً لجمال الدولة بن عمّار، أحد ولاة طرابلس الشام، فاشتهر بالجمالي.

كان الجمالي -قبل أن يتولى منصب الوزارة- والياً لعكّا، في فلسطين، وقد استقدمه المستنصر بالله، خليفة العبيديين، إلى القاهرة لفرض الأمن وإنهاء حالة الفوضى التي سادت آنذاك نتيجة صراعات الجند وأمراء الأقاليم، وقد اشترط الجمالي لقبول الوزرارة أن يُحضر معه مَن يختاره من جنده الأرمن ليستعيض بهم عن الجند الأتراك والمغاربة والسودان، فوافق المستنصر على شرطه، وأبحر مِن عكا على متن مائة سفينة مشحونة بالأرمن.

 وبعد أن استتبت له الأمور في مصر، أحاط بدر الجمالي نفسه بالجند الأرمن الذين عُرفوا بالمشارقة تمييزا لهم عن الأتراك والبربر والسودان، وقد تفانوا في الإخلاص له، واحتفظ أكثرهم بديانتهم النصرانية، وآثروا البقاء في مصر لتعذّر حصولهم على مقومات الحياة في موطنهم الأول (أرمينيا).

 وصار الأرمنُ عصبَ الجيش الفاطمي –إضافة إلى السودان- بل بقوا كجيش خاص، عُرف بالجيوشية، نسبة إلى الجمالي، الذي كان من ألقابه: أمير الجيوش، وخُصصت لأفراده حارة، أي معسكر، هي حارة الحُسينية التي كانت للسودان، كما استقدم لهم الجمالي بطريركا يرعى شؤونهم، وخُصّصت لهم إحدى الكنائس.

وكما كان الجمالي عطوفا على الأرمن، مواليا لهم، ولديانتهم النصرانية، كان عطوفا أيضا على الشيعة الإسماعيلية، ساعيا لدعم مذهبهم الذي ضعف بتراجع نفوذ أئمتهم (خلفائهم) فأعاد الأذان الشيعي بحيّ على خير العمل، ونظّم دروساً في المذهب، لكنه في المقابل، ضايق أهل السنة، وقتل كثيرا من علمائهم، وأمر بنقش لعن الصحابة.

واستمرت سياسة تقديم الأرمن في عهد بدر الجمالي، وابنه الأفضل بن بدر، ففي عهد الابن لم يقتصر التفضيل على الجند والجيش، بل امتد ليشمل الوظائف المدنية، حتى عُرف النصف الثاني من القرن الخامس الهجري (11م) بعهد الأرمن.

وعاش الجند الأرمن في العصر الفاطمي فترة ذهبية ثانيةً في عهد الوزير يانس الأرميني، الذي لُقّب بناصر الجيوش سيف الإسلام‏، والذي كوّن لنفسه طائفة من الجند الأرمن عُرفت باسم "اليانسية"، لكنّ خليفة العبيديين، الحافظ، تخلص منه في سنة 526هـ (1132م) بسبب استبداده بالسلطة، ولمّا يمضِ على توليته عام واحد.

وفي جمادى الآخرة من سنة 529هـ (1135م) استوزر الحافظُ أرمينيًا نصرانيًا آخر، اسمه بهرام، ولقّبه بالسيد الأجل، أمير الجيوش، سيف الإسلام‏، تاج الخلافة، غيّاث الأنام ... رغم بقائه على النصرانية.

وبمجرد توليه منصب الوزارة تبنّى بهرام سياسة أرمينية نصرانية ضيّقة، فقد طلب من الحافظ أن يسمح له بإحضار إخوته وأهله من تل باشر([2]) وبلاد الأرمن، فأذن له، وبلغ عدد الأرمن في الديار المصرية في عهده حوالي ثلاثين ألفًا، كوّن منهم عصبةً تشدّ أزره، فاستطالوا على المسلمين، وأصاب هؤلاء منهم جورٌ عظيم، وبنوا العديد من الكنائس والأديرة حتى أضحى كل رئيس من الأرمن يُبنى له كنيسة، وقد بلغت من الكثرة حدًّا أقلق المسلمين، وخاف أهل مصر منهم أن يغيروا مِلّة الإسلام.

وأضحى معظم ولاة الدواوين من النصارى، وأقام الأرمن في القاهرة في حي الحُسينية، خارج باب الفتوح، وولّى بهرام أخاه فاساك (أو الباساك) ولاية قوص في الصعيد، وهي يومئذٍ من أعظم ولايات مصر، فاستقوى بأخيه وتمادى في ظلم المسلمين ومصادرة أموالهم.

ولأن المسلمين من أهل السنة لم يرضوا بذلك الوضع الشاذ، فإنهم رفعوا شكايتهم إلى الحافظ، واستدعوا رضوان بن ولخشي، والي الغربية، للقدوم عليهم وإنقاذهم من سيطرة النصارى، فلبى نداءهم واستطاع هزيمة بهرام، وتولى الوزارة بحكم الأمر الواقع ليكون -بذلك- أول سُني يتولى منصب الوزارة في الدولة العبيدية.

وأخذ رضوان يعيد الأمور إلى نصابها، ويضطهد الأرمن، ويستعين بالمسلمين، الأمر الذي جلب عليه سخط الحافظ، فأمر الجندَ بحبسه، واستمر ذلك سنوات، ثم قتله، وبالمقابل آوى الحافظ بهرام وقرّبه، واتخذه مستشارًا، وعندما مات حزن عليه، وأمر بإغلاق الدواوين ثلاثة أيام حدادًا عليه، وأحضر البطريرك لتجهيزه، وسار هو في مقدمة مشيّعيه، وحوله أعيان الدولة، الأمر الذي يؤكد ما ذكرناه في البداية من موالاة حكام الدولة العبيدية الفاطمية غير المسلمين، وتسليطهم على أهل السنة([3]).

 

المؤامرة على صلاح الدين

وإزاء ما عاشه الأرمنُ النصارى في ظل العبيديين الشيعة من ازدهار ونفوذ، وفي ظل السلطة التي امتلكوها لإذلال المسلمين من أهل السنة، وفي ظل التجربة السيئة التي عاشوها سابقا مع الوزير السني رضوان، كان من المتوقع أن ينظروا بعين الريبة، بل الحقد، لصلاح الدين ولمشروعه الإسلامي السني، الذي كان من ضمن ما يسعى إليه القضاء على العبيديين وخياناتهم، تمهيدا لتشكيل جبهة إسلامية موحدة وقوية تكون قادرة على التصدّي للصليبيين.

وقد تزامنت مؤامرةُ الأرمن على صلاح الدين مع مؤامرة الجند السودان، بل وقفوا منهم موقف المؤازر المساند، فإن السودان لمّا اشتبكوا مع جيش صلاح الدين في أعقاب مقتل زعيمهم الخائن، مؤتمن الخلافة، أخذ الأرمن يعيقون تقدم قوات صلاح الدين من خلال رمي السهام عليهم، وكان معظمهم من الرّماة، فسبب ذلك أذى بالغا لجيش صلاح الدين لشدة رميهم.

إن موقف الأرمن من صلاح الدين يتجدد اليوم، وفي زماننا هذا، ويتمثل بتلك الجيوش التي نشأت في أحضان الأنظمة الفاسدة، واستفادت من فسادها وإفسادها لتتحول من جيوش يُفترض أنها تحمي البلاد، إلى أداة للقمع والظلم بحق الشعوب المتطلعة للحرية والكرامة والعدالة.

 

القضاء عليها

ومثلما قضى صلاحُ الدين على السودان، فعل بالأرمن، فأحرق ثكناتهم، فما استطاعوا الإفلات، فقبض عليهم، وكان فيها خلق كثير منهم، وقاتلهم، ونفى مَن تبقّى منهم إلى الصعيد جزاء مؤامرتهم، ليصبح الجند الأرمن في مصر أثرا بعد عين. وكان ذلك في أواخر شهر ذي القعدة من سنة 564هـ (1169م)، أي بعد حوالي خمسة أشهر من تولي صلاح الدين الوزارة.

وبالقضاء على الجند السودان والأرمن، تخلص صلاح الدين من القوة الضاربة للدولة العبيدية الفاطمية، والموالية لها حتى النخاع، وبالتالي أصبحت الطريق ممهدة للقضاء على الدولة ذاتها، وإعادة مصر إلى مذهب أهل السنة ودولة الخلافة العباسية، وهو ما تحقق بالفعل بعد عامين.

 لقد كان صلاح الدين يعي أن القضاء على الفاطميين من الصعب أن يتم دون القضاء على جيشهم وقوتهم العسكرية، وهو ما يجب أن يتنبّه له أهل السنة اليوم، إذ أن مقاومة العدوان الشيعي المتمثل اليوم بإيران وميليشياتها المنتشرة في العراق وأفغانستان واليمن ولبنان وسوريا تكون من خلال تقليم أظافرها، وإضعاف شوكتها، ولعلّ هذا هو ما تقوم به "عاصفة الحزم" من خلال تدمير المعسكرات ومخازن السلاح التي استولى عليها الحوثيون الشيعة في اليمن، وحليفهم الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح.  

 

للاستزادة:

1-  تقي الدين المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار.

2-  د. محمد سهيل طقوش، تاريخ الفاطميين في شمالي إفريقية ومصر وبلاد الشام.

3-  د. أيمن فؤاد سيد، الدولة الفاطمية في مصر تفسير جديد.

4-  د. علي محمد الصّلابي، صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس.

5-  هيثم الكسواني، مقال "العبيديون الفاطميون يُعلون من شأن اليهود والنصارى"، مجلة الراصد، العدد 40، شوال 1427هـ.

 



[1] - يمكن على سبيل المثال قراءة المقالات التالية:

* العبيديون الفاطميون يعلون من شأن اليهود والنصارى، العدد 40، على الرابط:

 http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=5131

* سفارات وهدايا بين الفاطميين والصليبيين، العدد 75، على الرابط:

 http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=4268

* علاقات الفاطميين بالصليبيين بعد الوزير الأفضل، العدد 76، على الرابط:

http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=4238

* الفاطميون والصليبيون: مودة حتى الأيام الأخيرة، العدد 77، على الرابط:

 http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=4230

 

 

 

[2] - مسقط رأس بهرام، وتقع حاليا ضمن الأراضي التركية، وكانت -آنذاك- جزءا من الإمبراطورية البيزنطية.

[3] - كان أهل السنة في مصر –آنذاك- ينتقدون ما وصلت إليه الأمور من تسلط اليهود والنصارى في عهد العبيديين على المسلمين، وكان الشعراء يدلون بدلوهم، فمثلاً يصور الشاعر الدمشقي الحسن بن بشر الدولة الفاطمية وكأنها تحكم بـ "الثالوث": الوزير ابن كلّس اليهودي، والعزيز بالله خليفة العبيديين، والوزير الفضل، فيقول ساخراً:

                     تنصّر، فالتنصّـر دين حق             عليـه زماننــا هذا يدل

                     وقل بثلاثـة عزّوا و جلّوا              وعطِّل ما سواهم فهو عطل

أما نقد سيطرة اليهود، فيعبر عنها الشاعر المصري الحسن بن خاقان، فيقول:

                      يهود هذا الزمـان قد بلغـوا             غاية آمالهـم وقد ملكوا

                      العـز فيهم والمال عندهمـو             ومنهم المستشار والملك

                     يا أهل مصر إني نصحت لكم            تهوّدوا، فقد تهوّد الفلك

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق