الأزمة الشيعية ومحددات الخطاب المعاصر
الأحد 19 أبريل 2015

 

 د. عصر النصر – كاتب أردني

 

 

خاص بالراصد

 لا يخفى على الناظر في واقع الأمة اليوم، ذلك الانفصام بين خطاب الطائفة الشيعية المتمثل بنظام الحكم في جمهورية إيران وبعض الأحزاب المنبثقة عن التجمعات الشيعية في البلاد العربية والإسلامية، وبين سائر مكونات الأمة، حتى أصبح خطابا منفصلا عن واقع الأمة ومخالفا لمنهجها ومربكا لسيرها، مما يستدعي الوقوف على مضامين هذا الخطاب ومعرفة دوافعه وفهم مقاصده.

يعد الاختلاف العام الذي يصيب الأمم والمجتمعات، من أهم مولدات الأفكار، وأكثرها أثرا في انقسام الناس، فإذا أضيف إلى ذلك السمت السياسي بحيث يكون محفزا على الخلاف وداعما له، عند ذلك يعظم الأمر ويشتد سوءًا.

يعد الخلاف في جيش علي بن أبي طالب – رضي الله عنه - الخلاف الأول الذي تفرعت عنه كثير من الخلافات وظهرت على أثره البدع، حيث انقسم الناس إلى قسمين؛ موافق ومخالف، فظهر من رحم هذا الخلاف بدعتا الخروج والتشيع، كبدعتين سياسيتين تتعلقان بنظام الحكم، ثم ما لبث الأمر أن تطور بتفضيل علي –رضي الله عنه- على سائر الصحابة واعتقاد الولاية والحكم فيه وفي نسله دون سائر الصحابة –رضي الله عنهم-، وقد تسبب هذا الاعتقاد بنوع انفصال عن المجتمع وسائر الأمة، كما غذي هذا الانفصام بجملة من العقائد بثها ابن سبأ اليهودي في أوساط الشيعة كالقول بتأليه علي –رضي الله عنه-، مما عمّق الخلاف والعزلة عند أتباع هذه الفرقة، وعلى ذلك جرى أمر هذه الفرقة في منازعة الأمة سلطانها، وقد مثل هذا المنزع محفزا في حقب التاريخ، ومن أوضحها وأكثرها أثرا، حادثة مقتل الحسين بن علي –رضي الله عنهما- فجعلت هذه الحادثة متكئا للفكر الشيعي ونواة لدولة المستضعفين، حيث أقيمت لها المآتم ودور سميت بالحسينيات، وعيد في كل عام يدعى فيه لأخذ الثأر من أمة لا ذنب لها، حيث يستدعى التاريخ في كل وقت وحين ليشعل نارا في نفوس أبناء الشيعة مما يعمّق بُعدهم وعداءهم لأمتهم، يقول الخميني: "إن المجالس الحسينية التي نقيمها، كلها أخلاق وأحكام ومعتقدات، والمنابر تجسد للناس تضحيات الشهيد على طريق الدين، وتلك هي من إحدى البركات التي حفظت حتى الآن مذهب الشيعة وأحكامه... وهذا الشعار المذهبي هو خير وسيلة للحفاظ على الوحدة الوطنية "( كشف الأسرار ص142).

مثّل التشيع بنزعته السياسية ومذهبيته العقائدية، ملاذا لأصحاب الدعوات الباطنية، فكان خير سبيل للوصول إلى غايات دفينة النفوس، وقد اتخذ التشيع وأهله متكئا لمقارعة الدولة الإسلامية عبر التاريخ، من ذلك؛ تعاون الدولة الصفوية مع الحملات الغربية المتوجهة إلى دولة الخلافة العثمانية، مما كان له أثر في إضعاف الدولة وتوقف الفتوحات.

من تأمل في تاريخ الأمة، رأى أنها استطاعت احتواء اختلافاتها وتباين أفكار أبنائها ممن خالف في اجتهاده الكتاب والسنة، فلم يكن ذلك الخلاف داعيا للسيف والقتال، بل كان يجري بين العلماء دون العامة، فيحفظ تدين الناس ويصان معتقدهم، ولم يرفع السيف ويسفك الدم إلا عند أبناء الفرق ذات الطابع السياسي والغلو كالخوارج والشيعة، فالحكم متطلبهم وكل مخالف خصم لهم، فعظمت بذلك البلية على الأمة، وفي العقود الأخيرة من عمر الأمة ظهر التشيع بمظهر المناوئ للأمة والمخالف لسيرها، فاتخذ في رسم سياسته وتعامله مع مكونات الأمة من خلال استحضار محطات فكرية وأحداث تاريخية، قد مضت عليها سنوات طوال، فمن أبرز محددات الخطاب المعاصر لدى الشيعة؛ اعتقاد أن الحكم محصور في علي –رضي الله عنه- و أهل بيته من كان منهم من نسل الحسين –رضي الله عنه-، وأن ذلك كان لهم وصية دون الناس، يقول الخميني: "وبشهادة كتب التاريخ المهمة، والأخبار المتواترة عن السنة والشيعة، فإن أحدا غير علي بن أبي طالب – من بعد النبي- لم يمتلك مثل هذه الخصال والصفات" (كشف الأسرار ص153)، وأن الصحابة –رضي الله عنهم- منعوا عليا ونسله هذا الحق، وتبعتهم الأمة على ذلك، وأن أهل السنة هم من قتل الحسين –رضي الله عنه- ومن هنا كانت فكرة الإمامة عند الشيعة أعظم أركان الدين وأكثرها أثرا في فكرهم، وعند النظر في هذه المحددات نجد شدة أثرها على واقعهم اليوم، فكل نظام في العالمين العربي والإسلامي لا يعد نظاما شرعيا إلا إذا كان شيعيا مواليا لآل البيت، ويبنى على هذا بطلان حكم هذه الأنظمة والبراءة منها، وإنما يكون الولاء للنظام الذي تحقق فيه هذا الشرط، وقد استطاع نظام الحكم في إيران من توجيه ولاء الشيعة إليه، فصار قبلة لهم يوجه أفكارهم ومعتقداتهم، وقد اتخذ هذا النظام وسائل متعددة لإحياء التجمعات الشيعية في المنطقة، من خلال البعثات الدراسية، وأهم من ذلك السياحة الدينيّة، فهي مؤثرة جدا في نشر التشيع وأفكاره في أوساط المجتمعات السنيّة، بحجة زيارة المراقد، مستغلة غفلة الأنظمة الحاكمة وحاجتها للتنمية، ثم يظهر أثر المحدّدات الأخرى، كالقول بالوصية لآل البيت، حيث يبدو أثره واضحا في إضفاء الشرعية على نظام الولي الفقيه دون غيره، على اعتبار أنه يقوم مقام الغائب المنتظر ونائب عنه، ومن آثار تلك المحددات، نصب العداء للأمة باعتبار مشاركتها في قتل الحسين ورضاها بذلك، مما يشعل جذوة الطائفية ويعزز الانقسام في المجتمعات، ولذلك تجد أدبيات الطائفة الشيعية تقوم بصورة واضحة وأساسية على مخالفة ما تقرر عند عموم الأمة المسلمة، ومحل وجودها ونفوذها وتوسعها يتعلق بالأمة المسلمة دون غيرها، وفي الجانب المقابل تقوم العلاقة مع الدول الغربية على نوع من المصلحة وما تمليه من تعاون، ولا يخفى على الناظر أن هذا التسلط الذي تمارسه الطائفة الشيعية متمثلا بنظام الولي الفقيه في إيران ومن يتبعها من أحزاب، كتدخلها السافر في العراق وسوريا واليمن ولبنان، تسبب بظهور حالات من الغلو في أوساط أهل السنة وقد عملت على انتشاره وإضفاء شيء من الشرعية على ممارساته، وهو عامل مهم لا ينبغي الغفلة عنه، فرفع الشعارات الطائفية والقتل لمجرد النسبة والانتساب والاعتداء على مصالح أهل السنة ووجودهم مع ضعف الأنظمة العربية والإسلامية وتقصيرها في حق أبناء أهل السنة، كل ذلك تسبب في ظهور نزعة الغلو كنوع من المدافعة عن الهوية والوجود في أماكن متعددة.

 

وفي الختام؛ عاشت الطائفة الشيعية بتعدد أفكارها وتنوع انتماءاتها في حاضنة الأمة فبقيت ببقاء الأمة ولم تهضم من حقها شيئا، حيث مثل حكم الأمة الضمان لحفظ كل المكونات وتعداداتها، ولا يستقيم أن تتسلط طائفة على تطلب الحكم وتغيب مصالح أمة بكاملها، فيكون ذلك سببا في إذكاء العداء والتفرق, وصرف الأمة عن قضاياها ومصالحها.  

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق