فرق ومذاهب\العدد مائة وخمسة وأربعون - رجب 1436 هـ
الحوزات الشيعية..علم بنكهة الخراب (1)
الأحد 19 أبريل 2015

 معتز بالله محمد – كاتب مصري

خاص بالراصد

الحوزة في اصطلاح الشيعة تعني: حوزة العلوم الدينية أو مركز دراسات الفقه والأصول والحديث وما يرتبط بتربية مجتهدين أو دعاة في الشريعة الإسلامية (1). وهي أشبه ما تكون بالمعاهد الأكاديمية، التي تخصص للدرس والتحصيل، وأصبحت الدروس تلقى في فصول دراسية ويتم اختبار الطالب الدارس للمواد الحوزوية في جميع المراحل بدءاً من المقدمات ومروراً بالسطوح الأولى والعليا وانتهاء بالبحث الخارج (2).

ورغم أن الهدف المعلن للحوزة هو تحصيل العلم، إلا أنها لعبت الكثير من الأدوار الخفية، كإذكاء الصراعات الطائفية، وتمويل المليشيات الشيعية، بل وتجنيد المقاتلين في بؤر الصراع، كسوريا والعراق ولبنان وهو ما سنتعرض له لاحقا.

مراحل الدراسة

يجب التنبه إلى أن الدراسة في الحوزة ليس لها نظام حقيقي أو كتب مقررة وسنوات محددة بل هي أقرب لنظام الكتاتيب لكن للطلبة الكبار.

وهناك ثلاث مراحل في الدراسة الحوزوية تسمى المقدمات والسطوح والخارج، ففي الأولى يدرس الطالب اللغة العربية بكافة أفرعها من نحو وصرف وبلاغة، إضافة لأصول الفقه وحفظ القرآن وتجويده، ويمنح الطالب لقبا مبتدئا، ثم مرحلة السطوح التي تشمل -بخلاف تدريس الفقه الشيعي وعلم المنطق والكلام والحديث والتفسير- دروسا في الفلسفة، وتمتد مرحلتا المقدمات والسطوح إلى سبع سنوات، يحصل الطالب خلالها على لقب "ثقة الإسلام".

وتأتي المرحلة الأخيرة "الخارج" وفيها يصل الطالب إلى رتبة "مجتهد" حيث يطرح آراءه ونظرياته الفقهية الخاصة عبر تقديم أبحاث حرة في الفقه وقضاياه نقدا وتحليلا. هذه المرحلة ليس لها فترة محددة لإنهائها فقد تستغرق سنوات محددة أقلها عشر سنوات وقد تستغرق عمر الطالب حتى نهايته، ويمنح خلالها لقبين، فعند التحاقه بالبحث يطلق عليه "حجة الإسلام" وإذا أجيز بالاجتهاد فإنه يحمل لقب "آيه الله".

قُم رأس الاخطبوط

ومن أهم الحوزات لدى الشيعة حوزة قم في إيران التي يسيطر عليها المرشد الأعلى لـ "الثورة الإسلامية" وتأتي في المرحلة الثانية من حيث الأهمية بعد حوزة النجف العراقية، وخلال حقبة الرئيس صدام حسين، توجه آلاف الطلبة للدراسة في قم، وإن كان الكثير منهم قوبل بالتهميش، لعدم اعتراف الكثير من الشيعة العرب بولاية الفقيه.

يقول عبد المنعم المصلى، ممثل مكتب المرجع الشيعي في النجف: "ولاية الفقيه هي الفكرة والقاعدة التي تستند إليها الدراسة هناك، فمن لا يؤمن بها لا يأخذ فرصته كاملة في طلب العلم" (3).

ولا يقتصر نشاط حوزة قم الواقعة في المدينة التي تحمل نفس الاسم على النشاط التعليمي، فقد شكلت ما يشبه حكومة الظل في إيران، من حيث مراقبتها لعمل رئيس الجمهورية وحكومته وللإعلام والمؤسسات الأخرى في البلاد، بحيث تحرص الحوزة على عدم تجاوز الخطوط الحمر الدينية الشيعية، وخصوصاً في مسائل العقيدة وبخاصة الإمامة وولاية الفقيه وفي الحريات الفكرية والإعلامية والسلوك الاجتماعي للمواطنين(4).

وعلى المستوى الخارجي لعبت الحوزة دورا هاما في استقطاب الطلاب الشيعة من مختلف دول العالم، ليكونوا فيما بعد ممثلين لنظام الولي الفقيه في بلدانهم، وتكفي الإشارة إلى أن الرئيس السابق لجمهورية جزر القمر العربية عبد الله سامبي تلقى تعليمه في حوزة قُم، وفتح جزر القمر لإيران فأنشأت مستشفيات ومراكز تدريب مهني وبعض المؤسسات الثقافية الأخرى، ما فتح الحديث حول نفوذ إيراني في جزر القمر (5).

النجف والاستقلالية الزائفة

الحديث عن حوزة قم، قد يطول، ولسنا هنا بصدد الحديث عنها، وإنما التأكيد على أنها رأس الأخطبوط الذي تمددت منه أذرع حوزوية في العديد من الدول العربية والإسلامية، وبعد سقوط نظام صدام حسين في العراق، بدأت الخلافات تعود من جديد وتظهر على السطح بين الحوزة في كل من قم والنجف، حيث خشي الإيرانيون عودة النجف إلى استقطاب الطلاب الشيعة مجددا، وأفول نجم حوزتهم.

وبرز هذا الخلاف واتسع حول العديد من القضايا ومن بينها الحرب السورية، حيث دعت مرجعية قم في إيران، إلى تجنيد المقاتلين الشيعة من أجل الدفاع عن المراقد الشيعية ومساندة بشار الأسد، فيما رفضت المرجعية الشيعية في النجف بالعراق، الذهاب إلى سوريا، واعتبرت الحرب فيها سياسية وليست دينية. (6) ولكن بالرغم من ذلك فإن عشرات الميلشيات الشيعية العراقية تحارب وتقتل الشعب السوري الأعزل.

لكن هذه الخلافات قد تبدو شكلية ولمجرد تجميل وجه حوزة النجف، وإظهار المرجع السيستاني الذي يقف على رأسها (إيراني الجنسية) بأنه لا يريد توريط الشيعة في حرب طائفية، رغم أن عدة فتاوى صدرت عن مكتبه بقتال أهل السنة في العراق، بعد تفجيري مرقد "الإمامين" الهادي والعسكري بسامراء، ومن قبل أصدر فتواه الشهيرة عام 2003 بحرمة قتال الشيعة المحتل الأمريكي، واليوم فتوى السيستاني هي التي أنشأت ميلشيات الحشد الشيعي التي تعيث فساداً في المحافظات السنية بحجة التصدي لداعش.

وتتبع الحوزة في النجف التقية في كل ما يتعلق بإذكاء الحرب الطائفية ضد أهل السنة، فرغم تصريحات السيستاني برفض تشكيل المليشيات الشيعية، التي ترعرعت تحت الأعين الإيرانية، فقد شاركت الحوزة في إيران في تمويل هذه المليشيات من أموال الخمس التي يتبرع بها المريدون إضافة إلى تبرعات أخرى تأتي من أثرياء الشيعة، وهناك تقارير تتحدث أن دخل الحوزة العلمية يصل إلى 600 ألف دولار يوميا وقد اعترف بذلك عبد الحسين عبطان نائب محافظ النجف (7).

وبخلاف حوزة النجف، التي أقيمت بجوار ما يعرف بمرقد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، هناك عدد من الحوازت أشهرها في كربلاء والحوزة العلمية في سامراء وتدور كل هذه الحوزات في الفلك الإيراني، حتى وإن حاولت الحديث عن استقلالية مزعومة، أساسها الخلاف حول ولاية الفقيه، ولعل الحرب التي يشنها الجيش العراقي والأكراد ضد مسلحي تنظيم داعش، بإدارة قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قد كشفت مدى التقارب بين طهران والحوزات العراقية، التي كان لها دور بارز في تجنيد مقاتلي ما يعرف بالحشد الشعبي.

لبنان .. حوزات عسكرية

عمد تنظيم "حزب الله" اللبناني إلى نشر عدد كبير من الحوزات في لبنان، وهناك تباين واضح في عدد هذه الحوزات ففي حين قال أمين عام هيئة أمناء الحوزات العلميّة في لبنان عبد الكريم فضل الله في اتصال هاتفي مع موقع "المونيتور"، إن عدد الحوزات هو 30 حوزة من بينها 18 مدرسة منتظمة و12 مدرسة غير منتظمة"، فإن بعض الإحصاءات تذهب إلى أن العدد يصل إلى 38 حوزة.

ومعظم الحوزات في لبنان تابعة لـ "حزب الله" الذي عمد بتوجيهات إيرانية إلى نشرها بشكل محموم في جميع المحافظات اللبنانية باستثناء الشمال، فمنذ منتصف الثمانينيات جرى تأسيس عدد جديد من الحوزات الدينيّة، أبرزها: حوزة الرسول الأكرم في حارة حريك برعاية إيرانيّة والمعهد الشرعي الإسلامي برعاية المرجع الراحل محمد حسين فضل الله وغيرهما من الحوزات.

وعلى عكس حوزة النجف، فإن أحدا لا يمكنه الحديث عن استقلالية حوزات لبنان عن إيران، خاصة بعد وفاة فضل الله، الذي كان له بعض الاستقلال عن حوزة قم ومراجعها(8).

لكن وكعادة الحوزات الشيعية، فإن حوزات لبنان في معظمها ليست سوى قناع لمآرب أخرى، فبخلاف ما أثير عن تصنيع حبوب الكبتاجون المخدرة داخل بعض الحوزات الدينية التابعة لـ "حزب الله"، والتي تورط فيها عبداللطيف فنيش، شقيق القيادي بالحزب، وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية محمد فنيش، فهناك تقارير تتحدث عن عمل الحوزات كغطاء لتجنيد مقاتلين للانضمام للحرب في سوريا وحماية نظام الأسد.

ومنذ سنوات تحولت الحوزات الدينية التابعة لحزب الله، المنتشرة في مناطق ضاحية بيروت الجنوبية والبقاع والجنوب، إلى مأوىً للفاشلين دراسيا والهاربين من جحيم التعليم الأكاديمي والعاطلين عن العمل أو الباحثين عن موقع اجتماعي لا يؤمنه لهم سوى "اللباس المقدس"(9).

كذلك فهناك معلومات أكيدة أن مكاتب حزب الله الرئيسية في حارة حريك بالضاحية بدأت تقوم بحملات تجنيد معظم عناصرها من القاصرين، وبدأت الحملات عبر المساجد والحوزات الدينية الشيعية لتشجيع الفتيان على الالتحاق بـ "الواجب الشرعي" والمحاربة إلى جانب الحوثيين في اليمن(10).

حوزات الأسد

من أشهر الحوزات الشيعية في سوريا حوزة السيدة زينب التي أسسها عالم الدين العراقي من أصل إيراني الشيخ حسن الشيرازي، في منطقة السيدة زينب رضي الله عنها عام 1975.

الشيرازي وهو الشقيق الأصغر للمرجع الشيعي محمد الشيرازي، حمل فكرة أخيه في استعادة الفرع الشيعي (العلويين النصيريين) إلى المذهب الأم (الجعفرية الاثني عشرية) ونجح في إقناع شيوخ العلويين بأنهم ينتسبون للشيعة الجعفرية الاثني عشرية، وأكد في بيان «التسمية: (الشيعي والعلوي) تشير إلى مدلول واحد، وإلى فئة واحدة هي الفئة الجعفرية الإمامية الاثنى عشرية»، وصدر في ديسمبر عام 1972 بيان مشترك بذلك، وهذه الفتوى وفتوى موسى الصدر هي التي سوغت لحافظ الأسد تولي منصب الرئاسة في سوريا والتي تشترط الإسلام في الرئيس!!

بعد عام 1980 ونجاح ثورة الخميني، وتحالف نظامه مع حافظ الأسد، بدأت إيران في إنشاء العديد من الحوزات، في إطار حملة لنشر التشيع في سوريا وتحويله إلى تشيّع سياسي مشبع بالأفكار الخمينية، وتضمنت الحملة تحويل بعض الأماكن المقدسة لدى فئات أخرى إلى مزارات شيعية، وهدمت القصور والمباني الأموية في دمشق حتى تدخلت منظمة اليونسكو في الأعوام الماضية للحفاظ على ما بقي منها وضمه إلى قائمة التراث العالمي.

وفي عام 2008 حذرت دراسة للمعهد الدولي للدراسات السورية من زيادة عدد الحوزات العلمية في سوريا، وأشارت الدراسة التي نشرت في 147 صفحة إلى أن التشيع في سوريا يأخذ طابعا دينيا سياسيا مزدوجا عبر الأنشطة الإيرانية التي تقوم على بناء وتمويل الحوزات العلمية.

وبحسب الدراسة فقد لعبت الحوزات دورا كبيرا في تشييع السنة، حيث كان زعماؤها يطوفون على القرى السنية، ويقومون بنشاطهم هناك، ما أسفر عن تشييع 8040 سنيا في الفترة 1999 ـ 2007.

وبإنشاء "مديرية الحوزات العلمية" عام 2005، اتخذت المسألة بعدا آخر، فظهرت حوزات لم تكن موجودة من قبل (الحوزة الحيدرية- الإمام جواد التبريزي- الإمام الصادق- الإمام المجتبى- الإمام الحسين- الإمام زين العابدين- قمر بني هاشم-إمام الزمان- حوزة الشهيدين الصديقين- الإمام المهدي- فقه الأئمة الأطهار، الرسول الأعظم وتعتبر أكبر مؤسسة إيرانية لنشر التشيع في سوريا).

الإيرانيون أنفسهم اعترفوا للأسد بـجميل صنعه، وقال موقع "شيعة أونلاين" الإيراني، بأن الرئيس السوري بشار الأسد أصدر مرسوما رئاسيا إلى وزارة التعليم العالي يقضي بتدريس المذهب الشيعي الإثني عشري بالمناهج الدراسية السورية.

..................................................................................................

(1)- الحوزة الإيرانية في القرن الماضي - المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية.

(2)- الــحـــــوزة الـعــلـمـيـة ــ حقائق وفضائح- شبكة الدفاع عن السنة.

(3)- السيستاني يكرس استقلال مرجعية النجف عن قم- صحيفة الحياة- 4-9-2014.

(4)- الحوزة الدينية في قم بين المرجعية وولاية الفقيه- مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط.

(5)- نماذج من قوى إيران الناعمة في المنطقة - ساسة بوست.

(6)- إيران توسع نفوذها في العراق.. والوضع السوري يوسع شقة الخلاف بين مرجعيتيهما- صحيفة الشرق الأوسط 21-7-2013.

(7)- موقع البينة.

(8)- هل تسيطر إيران على المرجعية الشيعية العربية بعد رحيل فضل الله؟ ملف الأهرام الاستراتيجي- صحيفة الأهرام.

(9)- "الحوزات" في لبنان: فاشلون دراسيّاً باتوا "معمّمين" وجهاز دعاية.. وتجّاراً!- موقع شفاف الشرق الأوسط.

(10)- حملات لتجنيد قاصرين في حارة حريك ردا على عاصفة الحزم- أورينت نت.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق