من رجالات إيران في العراق: أبو مهدي المهندس
السبت 21 مارس 2015

 خاص بالراصد

تمهيد:

لإيران في العراق رجالات كُثر، ليس في زمننا هذا فقط، بل وفي أيام الصفويين، ومن هؤلاء: محمد كمونة (نقيب النجف) الذي مهّد للصفويين دخول لبغداد، ومنهم في زمن حكم شاه إيران محمد رضا بهلوي: المرجع الشيعي محسن الحكيم([1]) الذي كان يأتمر بأمر الشاه، وكان يعتبر الشاه آنذاك حامي التشيّع في العالم الإسلامي([2]).

وحتى فكرة تأسيس حزب الدعوة كانت بترتيبٍ بين شاه إيران والشيعة لمواجهة ثورة 1958 الساعية لتحويل العراق من ملكية إلى جمهورية ضمن الحرب التي فتحت بين روسيا وأمريكا وبريطانيا، ومحاربة التوجهات الشيوعية في المنطقة([3])؛ لذا فعلاقة شيعة العراق بإيران هي علاقة قديمة وليست وليدة مجيء خميني للحكم، لكن اندلاع الثورة الإيرانية عزز هذه العلاقة ووطدها بشكل متميز.

ولابد قبل الدخول في الموضوع من التأكيد على أنّ أكبر حزب شيعي له فضل على إحياء التشيّع في العالم العربي المعاصر من جديد هو حزب الدعوة العراقي، فقد تأثّر هذا الحزب في وسائله وبعض طروحاته المعاصرة بجماعة الإخوان المسلمين وأحيانا بحزب التحرير، وتنظيميا بالحزب الشيوعي([4])؛ لذا كان حزبا عصرياً وله قبول بين الشباب المثقف، وبين أركان وأحضان هذا الحزب عاش أبو مهدي المهندس الرجل الذي يعدّ اليوم أحد أكبر ممثلي إيران في العراق.

حياة أبي مهدي المهندس:

ولد جمال جعفر محمد علي آل إبراهيم (الإبراهيمي) في مدينة البصرة عام 1954، لأسرة إيرانية الأصل نزحت من مدينة كرمان (مركز محافظة كرمان جنوب إيران) بعد قتل عميدها (الرضا خان الإبراهيمي) بعد تحويله العائلة إلى اتباع الفرقة الشيخية الشيعية، والتي يتواجد في هذه المدينة الكثير منهم.

كان والده عند مقدمه يحمل الجنسية الإيرانية لكنه حصل على الجنسية العراقية في أوائل الخمسينات بدعم من المؤسسة الشيخية المقربة من الحكومة العراقية الملكية آنذاك.

انتمى لحزب الدعوة منذ أن كان في الإعدادية أواخر الستينات من القرن الماضي، ودرس في حوزة البصرة (مكتب المرجع الحكيم)، وتمَّ تنظيمه من قبل القيادي في الدعوة (عز الدين سليم) الاسم الحركي لـ (عبد الزهرة عثمان أبو ياسين)([5])، وفي سنة 1973 قُبل في قسم الهندسة المدنية في جامعة التكنولوجيا ببغداد، وتخرج منها سنة 1977م، وبعد إنهائه الخدمة العسكرية، عمل في المنشأة العامة للحديد والصلب في البصرة، ثم حصل على ماجستير في العلوم السياسية.

أبو مهدي المهندس في الكويت:

 عندما شعر بخطر اعتقاله سنة 1980 بعد إعدام محمد باقر الصدر، وحملة اعتقالات رموز حزب الدعوة غادر إلى الكويت([6]) وعمل مصلّحا للسيارات في منطقة الشويخ، وبقي في الكويت إلى أن اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، ونتيجة لمواقف الكويت في دعم العراق ضد إيران، أمرت إيران خلاياها بضرب السفارتين الفرنسية والأمريكية، ومبانٍ أخرى في الكويت بعبوات محلية الصنع في 12/10/1983، والتي أصيب بها 80 غربيا بين قتيل وجريح، وضمن التحقيقات الكويتية الأمريكية جاء اسم المهندس كأحد المخططين والمنفذين للعملية، وكلهم ينتمون لحزب الدعوة وهم (الشيخ أبو مهدي المهندس، الشيخ أبو حسن هيثم، الشيخ أبو مصطفى الشيباني، الشيخ أبو رياض العنزي، الشيخ أبو حيدر الخرمشهري، الشيخ أبو كريم الساعدي، الشيخ صدر الدين القبانجي)، واختفى أبو مهدي بعد أن أصبح مطلوباً للقضاء الأمريكي والكويتي، وصدر عليه حكم بالإعدام، ومنع من دخول دول الخليج ومصر والمغرب العربي فضلا عن أمريكا والدول الغربية، وتمّ تهريبه من الكويت بجواز سفر باكستاني مزور باسم (جمال علي عبد النبي).

أبو مهدي المهندس في إيران:

هرب أبو مهدي إلى إيران، وهناك تحول تنظيمياً من حزب الدعوة إلى المجلس الأعلى وتزوج من امرأة إيرانية تكبره بسنين، ومُنح الجنسية الإيرانية.

وبعد سنتين وبتاريخ (25/5/1985) خطط وهو في إيران لاغتيال أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح، وهي المحاولة التي نفذت بسيارة مفخخة أدّت إلى وفاة عدد من أفراد حماية الأمير، وأصبح مطلوبا من جديد للقضاء الكويتي بتهمة جديدة.

تدرج في قيادة فيلق بدر، الجناح العسكري للمجلس الأعلى([7])، وفي سنة 1987 أصبح قائده العام، لكنه سُحب إلى فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ليعمل بخلية مستقلة تدعى (التجمع الإسلامي) كانت مهمتها في الحرب العراقية الإيرانية مهاجمة مدن عراقية وكان هذا سنة 1988، ومارس ضمن هذه الخلية عمليات إعدام لأسرى عراقيين من الجيش العراقي.

وبعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية سنة 1988 رجع لفيلق بدر وعيّن رئيسا لأركانه بديلا عن محمد تقي المولى لضلوعه بقضية فساد مالي، وبقي في هذا المنصب حتى سنة 2002م.

ويَذكر المهندس عن نفسه أنه شارك في الانتفاضة الشعبانية سنة 1991 ضد النظام العراقي، ثم غادر إلى مدينة حلبجة الكردية.

نشأ خلاف بينه وبين عبد العزيز الحكيم فأُخرج من التنظيم وعيّن هادي العمري بديلا عنه، رغم أن هادي يومها كانت منتميا لحزب الدعوة (جناح آصفي)([8])، لكن إيران فرضته فرضا على المجلس العسكري. 

أبو مهدي المهندس في العراق:

بعد احتلال العراق سنة 2003 ودخول المجلس الأعلى وقيادات بدر ومنهم أبو مهدي المهندس للعراق، عمل بشكل سري لصالح إيران وظهر اسمه لأول مرة سنة 2005 عندما كشفت فضيحة ملجأ الجادرية؛ وهو معتقل سري غير تابع للحكومة؛ كان أبو مهدي المهندس مع مجموعة من الضباط الإيرانيين يحققون مع ضباط في الجيش العراقي السابق شاركوا في الحرب ضد إيران وتعذيبهم وتصفية بعضهم فيه، وكان وزير الداخلية وقتها باقر صولاغ الزبيدي هو من يعتقل هؤلاء بأوامر منه (بشكل رسمي) ثم يحولون للملجأ، وكانت القوات الأمريكية هي التي اكتشفت السجن، وادعى صولاغ وقتها أن اختراقا بعثيا حصل لتشويه صورة الحكومة العراقية، ذلك أن نوعية التعذيب التي مورست فيه كانت في غاية البشاعة؛ من حرق وثقب بالدريل، واغتصاب الزوجات أمام الضباط.

وقد فضح هذه المعلومات أحد الضباط الذين شاركوا القوات الأمريكية (حيدر جمال) في الهجوم على الملجأ، والذي سرب كثيرا من المعلومات؛ لذا فقد تمَّ تصفيته بعد الحادثة بتاريخ 26/11/2005 ليختفي التسريب؛ لأن الأمريكان يستخدمون مثل هذه المعلومات كورقة ضغط ولا يسربون مثل هذه الفضائح إلا بما يحقق مصالحهم.

أدرجت أمريكا اسم المهندس كمشرف على ملجأ العامرية بعد هروبه إلى إيران لأنه أصبح مطلوبا، وقد ساعده نوري المالكي على الهرب سنة 2007، وأصبح مطلوبا للانتربول لجرائمه السابقة واللاحقة.

لم يقتصر نشاط المهندس على هذا فقط، بل كان له دور فاعل في تهيئة كوادر مؤثرة لصالح المشروع الإيراني في العراق كاختياره لأشخاص من أمثال علي فيصل اللامي([9]) المدير التنفيذي لهيئة اجتثاث البعث، والذي ارتبط بإيران منذ سنة 1999، وكانت توجهاته تميل للتيار الصدري الذي جندته إيران (أنصار الشهيد الصدر)([10]) في منطقة الأهوار لمهاجمة العراق، والذي ارتبط بفرع رمضان التابع لفيلق القدس الإيراني.

ومن أعمال المهندس في هذه الفترة تأسيس البيت الشيعي في سنة 2005، ومن ثم الائتلاف الوطني العراقي، والتحالف الوطني. وكلها مؤسسات أسستها إيران للمّ شعث التفرق والخلاف الشيعي الشيعي.

 كما يمتلك المهندس علاقات متميزة مع المرجعيات الشيعية والقيادية، لكنه شخصيا كان يكنّ بغضا وكراهة للصدريين ويصفهم بعدم الإيمان، ويعتبر أن مرجعية السيستاني هي أفضل مرجعية بعد محسن الحكيم (ت: 1970)، فهو لا يحترم مرجعية الخوئي ولا والد مقتدى (محمد صادق الصدر) ويعمل على تهيئة الوضع لبشير النجفي لخلافة السيستاني.

وأبو مهدي المهندس أسس مركزا للدراسات في مدينة الكاظمية ببغداد (مركز تواجد القيادات الإيرانية) وكان يريد تأسيس قناة فضائية لكن المشروع لم ينجح، وفي انتخابات سنة 2006 ترشح على قائمة نوري المالكي باسم جمال جعفر محمد علي الإبراهيمي عن محافظة بابل، وفاز كنائب للبرلمان وعُين في لجنة مؤسسات المجتمع المدني.

كذلك عمل بشكل دؤوب لتأسيس تشكيلات ميليشاوية جديدة؛ فأسس سنة 2006 مليشيا حزب الله على غرار حزب الله اللبناني، ترتبط مباشرة بفيلق القدس، وقرر أن تعمل في بغداد والبصرة، لاستهداف القوات الأمريكية، كما أنه أسس خلايا صغيرة مدربة على استخدام الأسلحة والتفجيرات، كل مجموعة لا تنقص عن 20 ولا تزيد عن 50 شخصا.

وساهم أبو مهدي في تأسيس عدة مؤسسات ثقافية في الظاهر وفي حقيقتها هي مؤسسات إيرانية التوجه للتجسس والتخريب داخل العراق مثل:

1- مؤسسة دار القرآن: التي نشطت في المدن الجنوبية للعراق وبغداد، وتعتبر إحدى أكبر المؤسسات الثقافية (في الظاهر) الناشطة التابعة لهيئة (مبين) في (قوة القدس) في العراق. وكان أحد أعضاء الهيئة المركزية للمجلس الأعلى عدنان إبراهيم محسن المحسني ولقبه (أبو علي البصري) برتبة عميد في فيلق القدس([11]) على رأس إدارة هذه المؤسسة، وهو من الضباط القدامى في فيلق القدس، كما كان قائداً لقوات بدر في إيران، وللمؤسسة مركزان في مدينتي العمارة والبصرة.

2 - مؤسسة الإمام الهادي: ويديرها في البصرة شخص إيراني (أبو تماضر) واسمه الحقيقي محسن المحسن، وهو تابع لفيلق القدس، وأقام في إيران لمدة طويلة وعمل في قسم الأفراد والتحقيق لقوة بدر، وهو من مسؤولي تنظيم (التجمع الإسلامي) التابع لأبي مهدي المهندس وكانت له علاقات وطيدة مع هيئة (مبين) و (قوة القدس).

3- مؤسسة المدينة المنورة: تم تأسيسها من قبل شخصين هما: (أبو فرقد) صادق عبد الأمير محمد السعداوي([12]) و(أبو زكي الأسدي) ([13])، وتعتبر هذه المؤسسات الثلاث الشركات الوهمية التابعة للشبكات التي يقودها أبو مهدي المهندس في العراق.

وأكرر أن هذه المؤسسات في الحقيقة هي مؤسسات تجسس إيرانية تتبع فيلق القدس بواجهات منظمات مجمتع مدني.

بعد الانسحاب الأمريكي عاد أبو مهدي المهندس للعراق، وتقرب من نوري المالكي بل وأصبح من مستشاريه غير المعلنين وله صلة وطيدة به، وغدت آراؤه موطن احترام وتقدير عند المالكي، وتميّز أبو مهدي بعزوفه عن الظهور المعلن على الشاشات، كما لا يميل لكثرة التصريحات، بل يعمل بصمت وتخطيط.

أبو مهدي المهندس بعد انتخابات 2014:

تغيرت الأمور منذ ظهور داعش في 10/6/2014، وتصاعد الضغط الأمريكي لإزاحة نوري المالكي؛ وتعيين حيدر العبادي الذي لا ترغب به إيران، ولا تملك صلات قديمة معه؛ لذلك كان لابد من ترشيحات تحفظ لإيران بقاء الدولة العراقية تابعة لها ولو بدون رئيس وزراء تابع لها، وحاولت تأسيس حكومة ظل إيرانية، فقام أبو مهدي المهندس بترشيح وزير الداخلية محمد الغبان كونه مرتبطا بفيلق القدس من رجال إيران، بعد أن رفضت أمريكا ترشيح هادي العامري.

 كما أن إيران أظهرت دور المهندس؛ وأنه في الواقع الممثل الفعلي لفيلق بدر وما هادي العامري إلا تابع له أو نائب، وقد حرص المهندس على أن يُظهر العامري في الواجهة ويتولى إطلاق التصريحات.

ويمتلك المهندس عدة مقرات غير معلنة، وعليها حراسات مشددة ومما عرف من مقراته: فيلا على نهر دجلة كانت عائدة للأخ غير الشقيق لصدام حسين (وطبان إبراهيم الحسن)، وكذا بناية في مجمع القادسية، وبناية في منطقة العطيفية، وبناية في الكرادة الشرقية، هذا هو المعلن ولا يمنع هذا من وجود مقرات سرية أخرى.

وبعد أن قررت إيران أن تواجه داعش مباشرة، لتثْبت لأمريكا أنها قادرة على القضاء على داعش والسيطرة على العراق دون الحاجة لها، اضطرت إيران إلى أن تظهر رجالاتها في العراق، فظهر المهندس مُصرحا ومخططا؛ فبدأ إعلاميا بمهاجمة السعودية على أنها ممولة لداعش بالرجال والمال، في ذات الوقت مدح إيران، وأنها هي من تساعد العراق، وأعلن أنها ترسل ثلاث طيارات يوميا كسلاح للحشد الشعبي (المتكون من 42 ميليشيا) كما صرح أنه سيشن هجوما على صلاح الدين بالحشد الشعبي ليحررها من داعش.

 وظهرت صوره على الدبابات على أنه نائب رئيس الحشد الشعبي، وأن تحت إمرته 70 ألف شخص مدرب من الميليشيات التابعة للحشد الشعبي.

وكان يخاطب الحشد الشعبي ويحثهم على القتال، ويصرح أن نهاية داعش قد اقتربت خلال أشهر معدودة، وستنتهي داعش في محافظة صلاح الدين، وأنه تمّ تحرير محافظة ديالى، وأنه قد يشارك في تحرير الموصل بمشاركة أهلها، لكنه صرح أن تحرير تلّعفر مهم (لأنها من مدن الشيعة)، وسيشارك عشائر أهل السنة تحرير محافظة الأنبار.

ومن خبثه في تصريحاته أنه كان يروج لفرية خطيرة، وهي أن عدد الأجانب في داعش بالعراق قليل، في تلميح وإشارة إلى أن الموجودين كلهم سنة عراقيون، ويصرح علنا أن الوهابية والبعثيين هم أعداء العراق، وأنه لولا إيران لضاع العراق.

هذه هي سيرة مختصرة لحياة أشهر رجالات إيران المخلصين في العراق.

 



[1] - محسن الطباطبائي الحكيم (1889-1970م) المرجع الشيعي، والد محمد باقر وعبد العزيز الحكيم، وجد عمار الحكيم وكلهم يحمل الجنسية الإيرانية.

[2] - كان لابنه مهدي الحكيم صلة بالسافاك الإيراني ورئيسه الجنرال فرازيان ومن ثم منصور بور، قبل مجيء خميني سنة 1979.

[3] - بل الشاه كان وراء ابتعاث موسى الصدر للبنان ليبعد الشيعة عن التنظيمات الشيوعية.

[4] - انظر مقال: حزب الدعوة نسخة من الإخوان المسلمين لعلي الكوراني، وكالة براثا 19/2/2014، http://burathanews.com/news/229475.html

[5] - رئيس سابق لمجلس الحكم العراقي الانتقالي، اغتيل في بغداد سنة 2004م.

[6] - عندما نقرأ تاريخ الأحزاب الشيعية سنجد أن أغلب مؤسسيها فرّ من العراق ليستقر في كل من: الكويت، البحرين، الإمارات، وواصل نشاطه التخريبي والإرهابي في غياب تام للحس الأمني لهذه الدول. 

[7] - شكله محمد باقر الحكيم سنة 1983 في إيران.

[8] - انقسم حزب الدعوة لعدة أجنحة وكان هذا الجناح تابعا لإيران.

[9] - تم اغتياله سنة 2011 بمسدس كاتم للصوت.

[10] - هذه المؤسسة فعّلتها إيران بعد اغتيال محمد صادق الصدر، والد مقتدى.

[11] - اسمه الإيراني عدنان محسني يتولى.

[12] - كان يُعرف في إيران باسم صادق سعداوي.

[13] - وهو إيراني يدعى محمد صادق عباس الأسدي.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق