سطور من الذاكرة\العدد مائة وأربعة وأربعون - جمادى الأخرة 1436 هـ
صلاح الدين ومؤامرات الفاطميين (3) مؤامرة الجند السودان
السبت 21 مارس 2015

 

 هيثم الكسواني – كاتب أردني

 

خاص بالراصد

لم تدَع هذه المؤامرة صلاحَ الدين الأيوبي يلتقط أنفاسه، ذلك أنه لم يفصلها عن سابقتها سوى ساعات قليلة، فلم يكد صلاحُ الدين رحمه الله يقضي على مؤامرة مؤتمن الخلافة الذي كاتب الصليبيين للقدوم إلى مصر حتى ثار الجند السودان على صلاح الدين في اليوم التالي انتقاما لمقتل مؤتمن الخلافة، المسؤول (الخادم) الأول في القصر الفاطمي، والذي كان أيضاً قائدا للجند السودان.

 

من هم الجند السودان؟

تشكل الجيش الفاطمي من عناصر عديدة، ففي بدايات تأسيس الدولة طغى عليه العنصر المغاربي البربري، بحكم أن نشأة الدولة سنة 297هـ كانت في بلاد المغرب العربي، لكن سرعان ما أُبعد البربر بعد ثورة أبي ركوة([1])، كما كان الجيش يضم في صفوفه الترك والديلم، لكنهم أيضا تم إبعادهم بعد ظهور دولة السلاجقة السنة، الذين ينحدرون من أصل تركي، وبدلاً من هؤلاء وهؤلاء تكاثر في جيش الفاطميين العنصر الأسود والأرمن والعربان والمصريون.   

أما الجند السودان (أي السود) فقد أتى بهم المُعز([2]) من السودان الغربي (أي غرب أفريقيا) ضمن جيشه، ومما جعل نفوذهم يزداد وأعدادهم تكثر مساندتهم للحاكم بأمر الله، سادس حكام الفاطميين في القبض على أبي ركوة، ولأن المستنصر بالله، ثامن حكامهم، والذي حكم الدولة قرابة ستين عاماً (ت: 487هـ/ 1094م)، كانت أمّه جارية سوداء.

وكان الجند السودان في أواخر عمر الدولة يشكلون قوة عسكرية يُحسب لها ألف حساب وبلغ عددهم في عهد العاضد (آخر حكامهم) 50 ألفاً، وكان لهم طوائف واضحة القوة في الدولة، منها: المنصورية والريحانية والميمونية والحسينية والجيوشية والفرحية، ويقيمون بحارات بظاهر القاهرة تُعرف باسم طوائفهم. وكانوا إذا ثاروا على وزير قتلوه وأذلوه، كقتلهم الوزير طلائع بن رُزَّيك سنة 556هـ (1161م)، وكانوا لا يدينون بالولاء إلا إلى خليفة الفاطميين.

 

تفاصيل المؤامرة

يعود السبب المباشر لاصطدام الجند السودان بصلاح الدين ومحاربتهم له إلى رغبتهم بالانتقام لمقتل زعيمهم، مؤتمن الخلافة، على يد صلاح الدين بعد انكشاف مؤامرته المتمثلة بمكاتبة الصليبيين من أجل القدوم إلى مصر، فيخرج صلاح الدين لملاقاتهم، وحينها ينقض عليه مؤتمن الخلافة وجنده من الخلف، فيصبح صلاحُ الدين وقواتُه بين فكّي كماشة، وهي المؤامرة التي تحدثنا عنها في العدد الماضي من الراصد([3]).

أما السبب غير المباشر فيعود إلى ضياع نفوذهم ومصالحهم بعد تولي صلاح الدين منصب الوزارة، وهو الذي أخذ على عاتقه إضعاف الدولة الفاطمية ومذهبها الفاسد، تمهيدا لإعادة مصر إلى مذهب أهل السنة والدولة العباسية كما كانت قبل قدوم العبيديين الفاطميين إليها.

وهنا ينبغي التنويه على أنه ليس بالضرورة أن يكون كل هؤلاء الجند على دين أسيادهم العبيديين، أو من أتباع مذهبهم الشيعي الإسماعيلي، لكنهم من أصحاب المصالح والأهواء، أو مِن الذين تملّكهم الخوف، تماما كما يحدث في سوريا مثلا في الوقت الحاضر، حيث يصطف بعض أبناء السنة مع النظام البعثي النصيري ضد ثورة أبناء سوريا المتطلعة إلى الحرية والكرامة، والتخلص من نظام القمع والإرهاب، وكما يحدث في غير بقعة من بلاد المسلمين، حيث نرى بعض الجماعات والحركات السنيّة تتقاطر نحو إيران طمعا في أموالها وعطاياها.

وبمجرد أن تنامى إلى مسامعهم مقتل مؤتمن الخلافة حتى أعلن الجند السودان ومعهم عدد من الأمراء والعامّة الحربَ على صلاح الدين، وفي بالهم القضاء على تلك القوة السنية الفتيّة، وفي المقابل كان صلاح الدين يتوقع خطوة كهذه، فهو يعلم أن طريقه دوماً محفوفة بالصعاب. وكان ذلك في شهر ذي القعدة من نفس السنة التي تولى فيها صلاح الدين الوزارة، أي 564هـ.

 ووصل بهم الحقد مبلغاً جعل العماد الأصفهاني يقول في شأنهم: "ولمّا قُتِلَ هذا الخادم سار السوّدان وثاروا، ومن استِعار السّعير استعاروا، وأقاموا ثاني يوم قتْله وجيَّشوا، وكانوا أكثر من خمسين ألفًا ... وما في قلوبهم رحمة".

وسار السودان إلى دار الوزارة لمقاتلة صلاح الدين، فانبرى لهم شمسُ الدولة توران شاه أخو صلاح الدين، وكان السلطان نور الدين محمود زنكي قد أرسله إلى أخيه في مصر ليشد من أزره ويساعده على إدارة الدولة.

وركب صلاحُ الدين ومعه الجند، ودارت معركة عنيفة بين الطرفين، عانى فيها صلاح الدين وقواته الأمرّين، ويصف المقريزي المشهد بقوله: "واشتدّ الأمر وعظم الخطب حتّى لم يبق إلا هزيمة صلاح الدين وأصحابه. فعند ذلك أمر توران شاه بالحملة على السودان، فقُتل فيها أحد مقدّميهم، فانكفّ بأسهم قليلا...".

أما العاضد، فكان في هذه الوقعة يشرف من المنظرة([4])، وكلّه أمل بانكسار صلاح الدين وجيشه، وأخذ مَن في القصر يرمون جندَ صلاح الدين بالسهام والحجارة، ما أدى إلى تراجع جيشه وانكساره، وحينها أمر صلاح الدين النفّاطين([5]) بإحراق المنظرة، فأحضر شمسُ الدولة النفّاطين وأخذوا في إعداد قارورة النفط وصوّبوا بها على المنظرة التي فيها العاضد.

 فخاف العاضد على نفسه وعلى قصره، ما أدّى إلى انقلاب كامل في موقفه، وما هي إلاّ لحظات حتى فتح بابَ المنظرة أحدُ مسؤولي القصر، وقال بصوت عالٍ: "أمير المؤمنين (أي العاضد) يسلّم على شمس الدولة ويقول: دونكم العبيد الكلاب، أخرجوهم من بلادكم". فلمّا سمع السودان ذلك ضعفت قلوبهم وتخاذلوا، ذلك أنهم كانوا يعتمدون على تأييد العاضد لهم، فحمل عليهم جند صلاح الدين فكسروهم.  

القضاء عليها

وبدأ الجند السودان يتقهقرون، وأخذ جيش صلاح الدين يتتبعهم، وأرسل صلاح الدين إلى محلّتهم المعروفة بالمنصورة (أو المنصورية) التي فيها أهلوهم ودورهم فأحرقها، وكانت أعظم حاراتهم، فولّوا عند ذلك مدبرين، فصاروا كلّما دخلوا مكانا أحرق عليهم وقتلوا فيه، وقُتل منهم خلق كثير، ثم طلبوا الأمان فأجابهم إليه صلاح الدين، وأخرجهم إلى الجيزة([6])، ثم خرج إليهم توران شاه، وقاتلهم هناك وقضى على بقيتهم.

يقول المقريزي: "وكان من غرائب الاتّفاقات أن الدولة الفاطمية كان الذي افتتح لها بلاد مصر وبنى القاهرة جوهر القائد (المعروف بجوهر الصقلي)؛ والذي كان سببا في إزالة الدولة وخراب القاهرة جوهر المنعوت بمؤتمن الخلافة هذا".

كان لتلك المعركة المعروفة بواقعة العبيد أو واقعة السودان نتائج حاسمة، أهمها أن صلاح الدين نجح في تصفية جيوب المقاومة والخيانة الداخلية التي وقفت حائلا دون تنفيذ مشاريعه، فتفرغ لمواجهة الزحف الصليبي الذي كان قد بدأ على مصر، وهو مطمئن.

ومنها أن هزيمة الجيش الفاطمي تعني الهزيمة للعقيدة الشيعية الإسماعيلية، التي عمل الفاطميون على نشرها، وبالتالي انهيار أحد الحواجز الذي كان يقف أمام عقيدة أهل السنة.

 

للاستزادة:

1-  الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية.

2-  عماد الدين الأصفهاني، البرق الشامي.

3-  تقي الدين المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار.

4-  د. محمد سهيل طقوش، تاريخ الفاطميين في شمالي إفريقية ومصر وبلاد الشام.

5-  شاكر مصطفى، صلاح الدين الفارس المجاهد، والملك الزاهد المفترى عليه.



[1] - اسمه الوليد بن هشام، ولُقّب بأبي ركوة لأنه كان يحمل ركوة ماء لوضوئه دوما. وقد قاد أبو ركوة ثورة على العبيديين الفاطميين زمن خليفتهم الحاكم بأمر الله سنة 395هـ (1005م) مستعينا بقبائل البربر في المغرب العربي الذين كانوا يطمحون بالقضاء على دولة العبيديين في بلادهم، واستطاع في البداية تحقيق انتصارات مهمة على العبيديين، وأن يهز الدولة، لكن الفاطميين تمكنوا في نهاية الأمر –بمساعدة من النوبيين السود- من إخماد ثورته وقتله.  

[2] - رابع حكام الدولة العبيدية، وفي عهده احتل العبيديون مصر، توفي سنة 365هـ (975م).

[3] - يمكن قراءتها على الرابط التالي:

http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=6969

 

[4] - جاء في تعريف المنظرة لغوياً: "مكان من البيت يُعدّ لاستقبال الزائرين"، وفي تعريف المنظر: "اسم مكان من نظَر: مكان المراقبة وهو مكان عالٍ يوقف عليه لتتسع الرؤية"، يشبه البلكونة اليوم لكنه مغطى فيرى من فيه الخارج ولا يرى.

[5] - النّفّاط هو الذي يرمي السهام المشتعلة بالنِّفط.

[6] - كانت مدينة مستقلة بجوار القاهرة.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق