هكذا تبني إيران دولتها في العراق؟
الأحد 22 فبراير 2015

 

 عبد الهادي علي – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

كان يوم 12 حزيران 2014 مفصليا في العراق، فقد أعلنت المرجعية الجهاد الكفائي ضد تنظيم داعش حيث دعت الشيعة القادرين على حمل السلاح للدفاع عن "المقدسات" ضد التكفيريين، وتحول هادي العامري يومها من وزير للنقل في حكومة المالكي إلى قائد لهذا التجمّع، المتكون من مجموعة من الميليشيات الشيعية المختلفة، وكانت أول عملية ناجحة لهم هي الهجوم على مدينة آمرلي بغطاء جوي أمريكي وبمساندة عمليات دجلة (الحكومية الشيعية)، وكان الهمّ الأول للشيعة هو تطهير المنطقة المجاورة لإيران من داعش وهي محافظة ديالى، هذه المنطقة التي يشكّل فيها السنة أكثر من 75%، وفيها مطامع للأكراد ومطامع للشيعة وإيران.

بعد القتال بين داعش والميلشيات تمَّ تهجير أكثر أهالي محافظة ديالى السنة في مخيمات في المناطق الكردية، وبعد ذلك أُعلن عن هزيمة داعش من قبل هادي العامري في يوم 26/1/2015 وغدت منطقة ديالى محافظة آمنة خالية من داعش ... مع العلم أن هناك اتفاقيات موقعة بين الأطراف الكردية والشيعية وداعش لتسليم بعض المناطق دون قتال في إطار صفقات مالية.

عندما هجم داعش في 10/6/2014 واحتل مدينة الموصل وهُزم الجيش العراقي، توحّد جميع الشيعة (السياسي ورجل الدين والإنسان الشيعي العادي) في خندق واحد، فأسس رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي بعد يوم من هزيمة جيشه (11/6/2014) مديرية الحشد الشعبي، وبعد أيام وصل عدد المتطوعين إلى مليون شيعي، بينما أعلن بعد فترة إلى وصول العدد إلى مليون ونصف. كلهم جُهزوا بالسلاح، وجرى عمل إعلامي كبير لتجييش الشيعة نحو حرب كبيرة.

وإيران موجودة دائما، فقد أحضرت عددا كبيرا من العسكريين والخبراء لتدريب الحشد الشعبي والميليشيات.

ورسميًا الدولة العراقية هي التي تدفع الرواتب وتمد الحشد الشعبي والميليشيات بكافة أنواع المعدات العسكرية التابعة للجيش، وتملك قيادة الحشد الشعبي ترخيصا بقيادة معارك دون الرجوع إلى وزارة الدفاع.

هذا الترخيص مكّنها من تهجير وإبادة وسرقة بيوت السنة وقتلهم في مناطق عدة، كان آخرها مجزرة ديالى، وحرقت جثث ومثل بها بحجة محاربة داعش، وشرعوا بقيادة هادي العامري بعمليات تهجير وتغيير ديمغرافي، ومنع العوائل السنية من العودة إلى بيوتها.

وأصبح في العراق الآن ثلاثة أنواع من القوات العسكرية التابعة أو الموالية للحكومة العراقية:

-        الجيش الرسمي وأكثره شيعة وفيه قليل من السنة بقيادة وزير دفاع سني.

-        قوات الحشد الشعبي.

-        ميليشيات أشهرها: عصائب أهل الحق (بقيادة قيس الخزعلي)، ميليشيا بدر([1])( بقيادة هادي العامري)، الكتائب، سرايا السلام (التابعة لمقتدى الصدر).

تركز إيران بشكل واضح على قوات الحشد الشعبي التي أصبحت بإشراف بعض قوات الباسيج الإيرانية، وهي التي تقود بعض العمليات، مما أدى لمقتل قياديين إيرانيين نتيجة لتلك المعارك، كما أن الحشد الشعبي أوكل له وبقيادة إيرانية حراسة العاصمة العراقية بغداد وبناء طوق حولها، وكان مخطط قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، أن يكون هذا الطوق (80 كم بصورة قطرية دائرية حول بغداد) تابعا لقوات الحشد الشعبي. وهو لم ينفذ هذا حتى الآن لكنه يسعى له.

وكالة فارس الإيرانية للأنباء صرحت في نهاية سنة 2014 بأن فيلق القدس هو المشرف الحقيقي على قوات الحشد الشعبي العراقي الذي سيمنع سقوط بغداد بيد داعش.

عراقياً كان نوري المالكي (نائب الرئيس العراقي حالياً) هو المكلف (غير الرسمي) ولكن فعلياً  فإن إيرانياً هو المكلف بالإشراف على قوات الحشد الشعبي، وتوحي بعض تصرفاته (المالكي) هذه الأيام أنه يريد ذلك رسميا، لذلك استقبل قيادات الحشد الشعبي في مكتبه طمعا بهذا المنصب، لكن رفض الشركاء الشيعة له مثل مقتدى الصدر، وعمار الحكيم سيمنعه من ذلك، وأن المرشح لهذا المنصب هو موفق الربيعي ( كريم شاهبور).

مقدمة إيرانية لبناء دولة عراقية تابعة لها:

تقوم سياسة إيران في الدول التي بها مكوّن شيعي قادر على التحرك بنفسه على تكوين دولة داخل الدولة تابعة لها؛ إما أن تقود الدولة أو تعرقل مسيرة الدولة.

في لبنان تكوّن حزب الله ليكون دولة داخل الدولة اللبنانية له جسم عسكري وجسم سياسي يزحف نحو الهدف وهو شل الدولة إلا منه. فحزب الله منع المقاومة في الجنوب إلا من وجوده ليكون هو المقاوم الوحيد وتحت شرعية الدولة ويزحف نحو الهيمنة التدريجية والمعلنة، فضلا عن كونه أداة ضاربة لإيران، كما يفعل اليوم في سوريا.

نفس الشيء تكرر في اليمن ويمثل الحوثيون نموذجا واضحا؛ دولة داخل دولة مسلحة تستطيع شل الدولة متى شاءت.

وتسعى لذلك في البحرين مستقبلا وفي الكويت، وربما هو مخطط له في سوريا بشكل مغاير.

في العراق يعلم جميع الساسة أن الحكومة الشيعية التي تكونت سنة 2005 بقيادة إبراهيم الجعفري ومن ثم نوري المالكي ارتكبت أخطاء لا تريدها إيران، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فقد كانت تلك المرحلة هي مرحلة تبعية واضحة للساسة العراقيين الشيعة لأمريكا ولإيران، بينما تريد إيران في النهاية أن تكون الأمور لها بشكل خالص.

استطاعت أمريكا أن تفرض حيدر العبادي وهو رجل مشترك بين حزب الدعوة والغرب، وإيران لا تميل إلى أن يكون القائد في العراق من حزب الدعوة لأسباب كثيرة منها عدم وجود الوئام التام والارتياح بينهما. كما أنها لا تميل إلى مقتدى الصدر لأسباب بسبب عربيته والعداء لوالده؛ لذلك خططت لسحب ميليشياته وقياداته منه بالتدريج، حتى المجلس الأعلى الذي أسسته غير مرتاحه لوجود طموحات خاصة لقياداته، وتبقى قوات بدر تشكل التبعية التامة لإيران؛ لذلك أبرزت شخصية هادي العامري بشكل معلن بعد أن شعرت أن المالكي([2]) أصبح غير قادر للعمل لها.

لكنها تصر على وجود المالكي في جسم الحكومة العراقية لأنه ملك كثيرا من المفاصل خلال 8 سنوات من حكمه، ولحين أن تستلم منه بقية الأمور ستتخلص منه.

بعد كل هذه المقدمات تشعر الحكومة الإيرانية أن حكومة العبادي غير تابعه لها؛ لذلك تفاوضت معه للموافقة عليه ودعمه شرط وجود مستشارين له ووزراء تابعين لفيلق بدر، فإيران تعتمد على رجالاتها الحقيقيين الذين تربوا داخل إيران مثل: هادي العامري، ومحمد الغبان، وأبي مهدي المهندس وغيرهم، ونجحت اليوم في الحصول على مجموعة وزارات:

1-               محمد الغبان والذي فرضته كوزير للداخية (أهم وزارة في العراق).

2-              محمد مهدي البياتي وزير حقوق الإنسان (قائد قوات المصطفى في فيلق بدر)!

3-               عبد الكريم يونس عيلان (أبو مريم الأنصاري) وزيرا للبلديات والأشغال.

4-              عبد الحسين عبطان وزيرا  للشباب (مسؤول كبير في فيلق بدر، منفذ مجزرة الزركة ضد الشيعة المخالفين لإيران).

5-               حسن كاظم راشد وزيرا للاتصالات (صاحب فرقة محمد رسول الله في فيلق بدر).

لذلك تعتبر هذه الحكومة في الحقيقة امتدادا للسيطرة الإيرانية الحقيقية داخل الدولة العراقية،  ولكن هذا لا يكفي في نظر إيران فلا بد من وجود جيب عسكري تابع لها تحت كل الظروف تستخدمه داخيا وخارجيا، وسيكون أول استخدامه خارجيا -بعد السيطرة على العراق- أو على القسم الأكبر منه التوجّه لزعزعة الكويت، وبعض دول الخليج.

هذه هي خلاصة المخطط الإيراني لبناء دولة عميقة صعبة الزوال داخل العراق تابعة لها ولخدمة مصالحها.



[1] - وصل عدد قوات فيلق بدر إلى 100 ألف مقاتل بعد 10/6/2014. علما أن رئيس المجلس الأعلى محمد باقر الحكيم الذي كان فيلق بدر تابعا له أراد تحويل فيلق بدر إلى منظمة سياسية، استمر آل الحكيم (عبد العزيز وعمار) في سيطرتهم على المجلس الأعلى إلى سنة 2012 فأعلن هادي العامري عن الفراق التام بينهما.

[2] - المالكي من حزب الدعوة ولعب بذكاء بين أمريكا وإيران لكن رغبته بولاية ثالثة حولته إلى رجل إيران مما اضطر أمريكا لإقصائه عن المشهد.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق