سطور من الذاكرة\العدد مائة وثلاثة وأربعون - جمادى الأولى 1436 هـ
صلاح الدين ومؤامرات الفاطميين (2) مؤامرة مؤتمن الخلافة
الأحد 22 فبراير 2015

هيثم الكسواني

خاص بالراصد

رأى العبيديون الفاطميون وأعوانُهم في تولي صلاح الدين الأيوبي الوزارة في دولتهم خطرا محدقا بهم وبِمصالحهم، لذلك أخذوا يحيكون له المؤامرات تلو المؤامرات، والسبب الأهم في ذلك أن صلاح الدين –رحمه الله- سُنّي، بعكس العبيديين أصحاب المذهب الشيعي الإسماعيلي، إضافة إلى أن كل نظامٍ حاكم تحيط به فئة منتفعة متطفلة، تخشى من ضياع مصالحها إن ذهب هذا النظام أو ذاك.

تولى صلاح الدين الوزارةَ في جمادى الآخرة من سنة 564هـ (1169م)، خلفاً لعمّه أسد الدين شيركوه، الذي لم يمكث في هذا المنصب سوى شهرين، وقد فصّلنا في العدد الماضي في أسباب قدوم صلاح الدين إلى مصر، حيث مركز العبيديين، وظروف تولّيه الوزارة([1]).

كان الهدف البعيد من الحملات العسكرية الثلاث التي سيّرها الملك نور الدين محمود زنكي بقيادة شيركوه إلى مصر هو إسقاط دولة العبيديين الفاطميين، وإعادة مصر إلى مذهب أهل السنة ودولة الخلافة العباسية كما كانت قبل قدومهم إليها في منتصف القرن الرابع الهجري، تمهيدا لتشكيل جبهة قوية من مصر وبلاد الشام تكون قادرة على صدّ عدوان الصليبيين، وطردهم من البلدان الإسلامية التي احتلوها، وهو الأمر الذي لا يمكن تحقيقه طالما بقي العبيديون الغارقون في الخيانة وموالاة أعداء الأمة.

لذلك كان من المتوقع أن تتوجه سهام العبيديين وأتباعهم إلى صلاح الدين منذ أن وطأت قدماه أرض مصر، هو وعمّه أسد الدين، ولم تدعْه هذه المؤامرات يلتقط أنفاسه، ولعلّ أولى المؤامرات التي واجهها صلاح الدين بعد توليه الوزارة مباشرة هي تلك التي اصطلح على تسميتها: مؤامرة مؤتمن الخلافة.

 

من هو مؤتمن الخلافة؟

هو خادم أسود خَصيّ يُعرف بجوهر وبالطواشي وكبير الطواشية([2]) وبمؤتمن الدولة. وكان أكبر الموظفين في قصر حاكم العبيديين الفاطميين، العاضد، وأحد أكثر المقرّبين منه، والمؤثرين عليه. والحاشية في القصر آنذاك كان يقدر عددها بثمانية عشر ألفاً، وهي عظيمة النفوذ، وكانت تشكل بؤرة المؤامرات على صلاح الدين، وعلى بعض الوزراء قبله مثل الوزير طلائع بن رزيك.

كما كان مؤتمن الخلافة قائدا للجند السودان، الذين أتى بهم المُعز([3]) من السودان الغربي (أي غرب أفريقيا) ضمن جيشه، وبلغ عددهم في عهد العاضد 50 ألفاً، أي أنهم كانوا يشكلون قوة عسكرية يُحسب لها ألف حساب.

أما منصب مؤتمن الخلافة فكان منصبا مهمّاً في أواخر عهد الدولة العبيدية الفاطمية، وهي الفترة التي شهدت وجود حكام ضعفاء وصغار في السن، وهو يشبه اليوم منصب قائد الحرس الملكي أو الحرس الجمهوري، بل ربما أكبر من ذلك، فهو يحتوي على جانب سياسي –إضافة إلى العسكري-، يصلح معه تشبيهه اليوم بمنصب رئيس الديوان الملكي.

وبالرغم من مكانته المهمة في الدولة وفي القصر الملكي، كان لمؤتمن الخلافة طموحات سياسية أكبر، إذ أنه كان يرغب بتولي الوزارة عقب مقتل الوزير شاور على يد شيركوه، لأن الوزير في تلك الفترة كان هو صاحب السلطة الفعلية في الدولة، وهو ما يفسّر جزءا من مؤامرته، إذ طالما جرّت الأطماع والمصالح الشخصية الويلات على الأمة، فكيف إذا اجتمع معها سوء المعتقد؟!

قد لا يكون مؤتمن الخلافة شيعياً إسماعيلياً، وكذلك الكثير من أنصار الدولة العبيدية الفاطمية، راعية ذلك المذهب، لكن المؤكّد أن المصالح والأطماع كانت تحرّكهم بشكل كبير، وهو ما يتجلى هذه الأيام في الثورات المضادة التي وقفت بوجه الشعوب المتطلعة إلى الكرامة والحرية، وأحالت الربيع العربي إلى خريف باهت، واضطرابات لا أوّل لها ولا آخر، تماما كمؤتمن الخلافة، الذي رأى في صلاح الدين خطرا على منصبه وامتيازاته ووجوده.

  

تفاصيل المؤامرة

اتفق مؤتمن الدولة مع مجموعة من أمراء الدولة وأنصار الدولة العبيدية على مكاتبة الصليبيين، وتحديدا ملك بيت المقدس عموري الأول، للقدوم إلى مصر، وإخراج صلاح الدين منها، وكانت خطتهم تفترض أن صلاح الدين ما إن يعلم بقدوم الصليبيين حتى يخرج لملاقاتهم بجنوده وقواته المتمركزة في القاهرة، وحينها ينقضّ العبيديون عليه بقواتهم من الخلف ويطوّقونه، ليصبح بين فكّي كمّاشة، ويسهل القضاء عليه، ثم يتقاسم العبيديون والصليبيون الديار المصرية، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان صورة العلاقات الحميمة التي نشأت بين الدولة العبيدية الفاطمية والصليبيين، واستعانتها المتكررة بهم، وهو ما تناولناه في "الراصد" عدة مرات([4])، وهو ما يطبق اليوم ضد الثورة السورية حيث قام بشار الأسد بطلب تدخل القوات الأجنبية لتعاونه في حرب الإرهاب ويقصد فصائل الثورة السورية الشريفة الوطنية والإسلامية، لأنه لا يحارب قوات داعش التي تفتك بالثورة السورية.

وأرسل مؤتمن الخلافة رسولاً منه يثق به، ليحمل الرسالة إلى الصليبيين، ولكي لا ينكشف أمر الرسالة، تم وضعها داخل نعلين جديدين، وتمّت خياطتهما، وحملهما المبعوث، وعندما وصل إلى منطقة البئر البيضاء، قريبا من بلبيس([5]) لقيه شخص تركماني من أنصار صلاح الدين، فارتاب في أمره، وفي أمر النعلين، لأن حامل الرسالة كان رث الهيئة، سيء الحال، في حين كان النعلان جديدين، وقال التركماني: لو كان هذان النعلان مما يلبسهما هذا الرجل لكانا خَلِقين ولظهر فيهما أثر الاستعمال. وقبض عليه وسلّمه إلى صلاح الدين.

 وبناءً على ذلك، تمّ فتق النعلين ونزْع خياطتهما، وعُثر بداخلهما على الرسالة، واهتدى صلاح الدين إلى كاتبها، فإذا به رجل يهودي([6])، وقد أُحضِر وضُرِب، فخاف وأسلم ونطق بالشهادتين، وأخبره بالخبر، وأنه كتبها إلى الصليبيين بأمر من مؤتمن الخلافة.

 

القضاء عليها

لم يكشف صلاح الدين لمؤتمن الخلافة عن أمر المؤامرة، وسكت عنها، إلاّ أن مؤتمن الخلافة أحسّ بكشف صلاح الدين لمؤامرته، واستشعر الخطر وخاف على نفسه، وصار ملازماً للقصر لا يخرج منه، وإن خرج فإنه لا يبعد عنه، وظل على هذا الحال فترة من الزمن.

وعندما شعر مؤتمن الخلافة بعد مدة بشيء من الاطمئنان، واغترّ بإعراض صلاح الدين عنه، خرج إلى مزرعة له أو بستان خارج القاهرة، بالقرب من قليوب، للتنزه أو الصيد، وعندما علم صلاح الدين بتواجده خارج القصر، أرسل إليه بجماعة من أصحابه هاجموه وقتلوه، وأحضروا رأسه إليه، جزاء خيانته ومؤامرته، وكان ذلك في شهر ذي القعدة من نفس السنة التي تولى فيها صلاح الدين الوزارة، أي 564هـ.

ومن أجل محاصرة المؤامرات التي تنبعث من القصر الفاطمي، قام صلاح الدين بعزل وإبعاد جميع الخدم الذين يتولون أمر القصر الفاطمي، وولّى عليه مملوكه بهاء الدين قراقوش، وأمره أن يطلعه على جميع أمور القصر، صغيرها وكبيرها.

 

مؤامرة تلد أخرى

أثار قتل مؤتمن الخلافة غضبَ أتباعه من الجند السودان، فاصطدموا بصلاح الدين في صبيحة اليوم التالي، في مؤامرة أخرى من المؤامرات الفاطمية، والتي سنتحدث عنها في العدد القادم إن شاء الله.

 

للاستزادة:

1-  الحافظ ابن كثير الدمشقي، البداية والنهاية.

2-  ابن الأثير الجزري، الكامل في التاريخ.

3-   تقي الدين المقريزي، اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا.

4-  د. علي الصلابي، صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس.

5-  د. محمد سهيل طقوش، تاريخ الفاطميين في شمالي إفريقية ومصر وبلاد الشام.

6-      شاكر مصطفى، صلاح الدين الفارس المجاهد، والملك الزاهد المفترى عليه.



[1] - على الرابط التالي: http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=6935

 

[2] - الطواشية هم الخصيان الذين كانوا يُكلّفون بخدمة الحريم السلطاني، وكانت لهم منزلة مهمة.

[3] - رابع حكام الدولة العبيدية، وفي عهده احتل العبيديون مصر، توفي سنة 365هـ (975م).

[4] - انظر الأعداد: 75، 76، 77.

[5] - من أقدم مدن مصر، وتقع شمال شرق القاهرة، وهي حاليا ضمن محافظة الشرقية.

[6] - اشتهرت الدولة العبيدية بكثرة الاستعانة باليهود والنصارى والإعلاء من شأنهم، ولا يزال هذا ديدنهم، ويمكن قراءة المزيد حول ذلك مقالي: "العبيديون الفاطميون يعلون من شأن اليهود والنصارى"، مجلة الراصد، العدد 40، على الرابط التالي:  

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق