فرق ومذاهب\العدد مائة وثلاثة وأربعون - جمادى الأولى 1436 هـ
المستشاريات الثقافية الإيرانية.. القوة الناعمة لأخطبوط التشيع
الأحد 22 فبراير 2015

 

 معتز بالله محمد – كاتب مصري

 

خاص بالراصد

لم تقدِم حكومة الخرطوم على إغلاق المستشارية الثقافية الإيرانية وفروعها في السودان مطلع سبتمبر الماضي من فراغ، وإنما جاءت هذه الخطوة بعد أن وقف السودانيون على حقيقة النشاطات المشبوهة لتلك المكاتب والتي جعلت من بقائها خطرا يهدد الأمن القومي للبلاد ويعصف بسيادة السودان على أراضيه.

وتعد المستشاريات الثقافية الإيرانية حول العالم واحدة من سلسلة مؤسسات ودوائر أسستها إيران كي تصبح أذرعا متعددة لوزارة الخارجية. وتنتشر هذه المستشاريات في الكثير من دول العالم، بدعم من وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، وتمثل القوة الناعمة لإيران، وهي عبارة عن مكتب أو ملحقية ثقافية تتبع للسفارة الإيرانية في البلد المعين.

 ورغم أن نشاطات الملحقيات الثقافية بشكل عام دائما ما تنصب حول التعريف بثقافة البلد المعين وموروثاته ومعالمه السياحية والحضارية وكذلك رعاية الطلاب المبتعثين في البلد المضيف، لكن إيران انحرفت بهذه المستشاريات عن غرضها الدبلوماسي والثقافي المعلن، فتحولت إلى أذرع أخطبوطية لنشر التشيع والترويج للكتب والرسائل المحملة بالفكر الشيعي ونشر اللغة الفارسية، وغيرها من المناشط ذات الصلة بنشر المذهب.

 وتكفي نظرة واحدة على الميزانية الضخمة التي ترصدها طهران للنشاطات الثقافية خارج حدودها لمعرفة ما تمثله لها من أهمية، فقد بلغت موازنة إيران الثقافية عام 2008م حوالي 2500 مليار تومان، ذهب منها 386 مليار تومان إلى وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، والباقي صرف على النشاطات الدعائية والترويجية الثقافية الإيرانية([1]).

  وتقف رسالة ماجستير للباحثة سماح عبد الصبور عبد الحي المدرسة المساعدة في قسم العلوم السياسية بجامعة القاهرة على أهمية تلك المستشاريات ومن مسمياتها أيضا المراكز والممثليات وكذلك الملحقيات الثقافية، حيث اعتبرت أن السياسة الثقافية من أهم أدوات القوة الناعمة الإيرانية.

  هذه القوة الناعمة تهدف إلى إقامة العلاقات مع المجامع العالمية المختلفة، وتطوير الجمعيات الثقافية خارج "الجمهورية الإسلامية"، وتأسيس مراكز ثقافية مثل الملحقيات الثقافية، وجامعة إسلامية عالمية، ومؤسسة بحوث ثقافية عالمية، وتأكيد الوجود الفعال والمؤثر في الأوساط الثقافية العالمية، وإرسال الفرق والمنتجات الثقافية والفنية إلى خارج البلاد، وتوسيع وتقوية فروع اللغة الفارسية وقواعدها خارج البلاد([2]).

  

الأهداف المعلنة

 وبحسب وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي الإيرانية فإن هناك مستشاريات إيرانية في أكثر من 68 دولة في العالم تنشط في مجال تعزيز وتوسيع العلاقات الثقافية مع مختلف شعوب العالم، وتؤكد على المشتركات الثقافية والتبادل الإيجابي للقيم الثقافية.

  وتتسع المهام المعلنة لتلك المستشاريات والممثليات الثقافية وتتشعب لتغطي نشاطات متعددة من بينها التعريف بالثقافة والحضارة الإسلامية والإيرانية وتوضيح السياسات الثقافية للجمهورية الإسلامية. وتوفير الدعم المادي والمعلوماتي للدراسات والبحوث الإيرانية في جامعات الدول الأجنبية، وتوسيع مراكز الدراسات الإيرانية في الخارج، إضافة إلى نشر وإشاعة اللغة والأدب الفارسي، وإبراز التأثير التاريخي المزعوم للثقافة الإيرانية في الشعوب الأخرى. كذلك تحرص تلك المراكز على التعريف بأبرز الشخصيات الاجتماعية والثقافية الإيرانية وتعرض مؤلفاتهم.

آليات العمل

لا تدخر المستشاريات الثقافية الإيرانية جهدا في تحقيق تلك الأهداف مستفيدة من ميزانيات عملاقة ترصدها الجهات المعنية في طهران لهذا الغرض،  وحرية تحرك في الدول التي تنتشر بها، وتقيم في سبيل ذلك المعارض المختلفة سواء كانت مستقلة أو بالاشتراك في المعارض الإقليمية، بهدف استعراض الثقافة الإيرانية وتعريف أبناء الثقافات الأخرى بالثقافة الإيرانية وتحديدا الشيعية والمعالم التاريخية والسياحية لإيران وذلك عبر توزيع الكراسات المجانية.

كذلك فهناك الكثير من المعارض ضمن نشاطات تلك المستشاريات كمعارض الخط والرسم والمنمنمات والتذهيب (أحد فنون الزخرفة الإسلامية) فضلا عن معارض الصناعات اليدوية الإيرانية، ومعارض القرآن الكريم والصور.

وتنشط أيضا في إقامة الأسابيع الثقافية التي تستغرق من  ٧ إلى ١٠ أيام وتشمل نشاطات متعددة من بينها إقامة المعارض وإلقاء المحاضرات والندوات الثقافية وعرض الأفلام السينمائية وإقامة أسابيع الأفلام الإيرانية.

وتخضع المستشاريات الإيرانية في الخارج لإدارة موحدة تسمى "رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية" وقد تأسست عام 1995 بتصديق من المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بهدف "إيجاد حالة من المركزية في الإدارة واتخاذ سياسة واحدة والتنسيق اللازم في النشاطات الثقافية والإعلامية خارج الجمهورية الإسلامية الإيرانية"([3]).

 "قواعد مخابراتية"

وقبل أن نتطرق للتجربة السودانية لمعرفة ما إن كانت تلك المستشاريات تلتزم بأهدافها المعلنة أم تتعداها متجاوزة الحدود المسموح بها وجب الإشارة إلى الاهتمام الإسرائيلي بالنشاطات الإيرانية في الخارج، ومن بينها ما يخص المجال الثقافي مقابل ندرة وجود دراسات عربية مفصلة عن طبيعة عمل تلك المستشاريات.

ووجد الخبير الإسرائيلي في الشئون الإيرانية الدكتور "رونين سولومون" أن المستشاريات الإيرانية هذه لا تعدو أن تكون واجهة لنشاطات أخطر قائلا: "تشغل إيران مراكزها الثقافية برعاية سفاراتها وقنصلياتها في العديد من الدول التي تحوي على أرضها جالية إيرانية ومسلمة، خاصة لبنانية وعراقية. تستخدم هذه المراكز لنشر مبادئ الثورة الإسلامية وتجنيد مؤيدين محليين، كذلك تستخدم أيضا كبنية تحتية لوجيستية للنشاطات الاستخبارية".

 ومضى يقول: "تنتشر المراكز الثقافية الإيرانية في مواقع مختلفة من العالم الإسلامي، ودائما ما وصفت بأنها قواعد لوجيستية لعمليات الاستخبارات الإيرانية وتحديدا الخاصة بـ "فيلق القدس" في عملياته بالعراق وأوروبا وأمريكا الجنوبية. فكان على سبيل المثال خلال محاولة تهريب أسلحة عبر نيجيريا أن انكشف أمر عملاء إيرانيين من قبل السلطات فسارعوا للاحتماء بسفارة إيران"([4]).

 التجربة السودانية

وتبقى الحالة السودانية شاهدة على انحرافات تلك المكاتب الإيرانية وتجاوزها الخطوط الحمراء كافة، ورغم أن السلطات السودانية أعلنت في الأول من سبتمبر 2014 إغلاق المركز الثقافي الإيراني في العاصمة الخرطوم وكافة ولايات البلاد، وطالبت الملحق الثقافي وطاقم المركز بمغادرة البلاد في غضون 72 ساعة، إلا أن هناك من يرون أن القرار جاء متأخرا وبعد أن عاثت تلك المكاتب فسادا في البلاد.

 ففي عام 2006م تورط المركز الثقافي الإيراني في طرح كتب خلال معرض الخرطوم الدولي تضمنت طعنا واضحا في صحابة الرسول الكريم، بجانب محاولتها النيل من السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فلأول مرة في تاريخ السودان، نظم الشيعة بشكل علني وبالتنسيق مع الحكومة المحلية، أول ظهور حاشد للاحتفال بمولد الإمام المهدي أحد أبرز أئمتهم عام 2009 وبرعاية المركز الثقافي الإيراني.

 هذا الاحتفال الذي نظم في استراحة بمنطقة جبل أولياء جنوب الخرطوم كشف عن عدة حقائق أهمها أن المشاركين وبلغ عددهم نحو 700 شخص ينتمون جغرافياً إلى ولايات (الخرطوم، نهر النيل، النيل الأبيض وكردفان الكبرى)، وأنهم توزعوا بين طلاب في مرحلة الثانوية والجامعات وأساتذة للجامعات، وسياسيين، وصحفيين وطلاب يدرسون في الحوزات الدينية بمدينة (قم) الإيرانية.

 ولا توجد إحصاءات دقيقة لعدد الشيعة في السودان، حيث تتفاوت الإحصاءات غير الرسمية في تقدير العدد بشكل كبير ففي حين ذهبت بعضها إلى أن شيعة السودان لا يتجاوز عددهم 12 ألف شخص، اعتبرت تقديرات أخرى غير رسمية أن هذا العدد وصل عام 2013 إلى 130 ألف شيعي وأن هذا العدد يضم فئات متعلمة ومثقفة إلى حد بعيد، إلى جانب انتشار الحسينيات الشيعية، ليصل عددها في الآونة الأخيرة إلى ما يقرب من الـ (15) حسينية وفقًا لتقديرات غير رسمية، فضلا عن سيطرة الشيعة على عدد من المساجد والزوايا في مختلف أرجاء الدولة([5]).

 إغراءات مختلفة

وفي تونس على سبيل المثال يتضح حجم الإغراءات التي يقدمها المركز الثقافي الإيراني لكل تونسي يطرق بابه، فبينما جرت العادة تنظيم المراكز الثقافية للدول المختلفة دورات لتدريس لغات بلدانها بتخفيضات قد تصل إلى النصف كحد أقصى، نجد أن المركز الثقافي الإيراني في تونس ينظم دورات مجانية تماما لتدريس اللغة الفارسية، وهو ما يطرح العديد من علامات الاستفهام([6]).

 وفي أواخر سبتمبر الماضي أصدرت الملحقية الثقافية الإيرانية في الكويت كتابا بعنوان "أيام في إيران" ويضم ذكريات وآراء مجموعة من أساتذة الجامعات، والصحفيين والمفكرين الكويتيين والعرب الذين زاروا إيران ومدنها المختلفة بدعوة من الملحقية الثقافية الايرانية في الكويت، في خطوة تكشف استدراج تلك الملحقية للمثقفيين العرب وربطهم معنويا بإيران وما لذلك من أثر يلقي بظلاله على كتاباتهم عنها فيما بعد. ويؤكد الكتاب زيارة هؤلاء المثقفين العرب بيت المرشد الأول للثورة الإيرانية الخميني، وانبهارهم بـ "الحياة البسيطة التي كان يعيشها.

 أما المركز الثقافي الإيراني بالعاصمة القطرية الدوحة فلا تستهدف نشاطاته الطلاب والمثقفين فقط، وإنما تبدأ من النشء، انطلاقا من المبدأ المعروف" التعليم في الصغر كالنقش على الحجر" وذلك عبر تنظيم أسابيع صداقة الطفل الإيراني والقطري عبر برامج تستهدف الأطفال في المرحلة العمرية من 7 إلى 15 سنة من المدارس الإيرانية والمدارس القطرية بشكل خاص وأيضا الأطفال في المدارس والجاليات بشكل عام.

 وخلال هذه النشاطات يقدم أبرز الخبراء الإيرانيين في المركز عددا من الفعاليات الفنية المتنوعة والجذابة للأطفال والمراهقين كصنع دمية، وورشة الخزف، وعمل المرايا، والرسوم المتحركة، ورواية القصص، والرسم وإلقاء الشعر وعرض الدمى ورواية القصة، إضافة إلى الألعاب الترفيهية وعرض الفيلم التي كلها من إنتاج المركز([7]).

 السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل تعي الدول السنية الدرس وتبادر إلى إغلاق أو حتى تحجيم نشاطات المستشاريات الثقافية الإيرانية ووضعها تحت الميكروسكوب بالنظر إلى التجربة السودانية، أو ما آلت إليه الأوضاع في المنطقة العربية نتيجة للأطماع التوسعية الإيرانية، والتي كان آخرها الانقلاب المسلح لجماعة الحوثي الذراع الإيرانية المسلحة في البلاد على النظام المنتخب هناك واحتلال جحافلها العاصمة صنعاء وغيرها من المحافظات الاستراتيجية في البلاد. فضلا عن مشاركة الحرس الثوري الإيراني في تهجير أهل السنة في العراق وتنفيذ مجازر يشيب لها الولدان بالتعاون مع الحكومة المحلية والتحالف الدولي تحت عنوان قتال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

 

 



[1] - الراصد، دور المستشاريات الثقافية الإيرانية في الترويج للمذهب الشيعي.. السودان نموذجاً، للكاتب السوداني محمد خليفة صديق، فبراير 2014.

 

[2] - رسالة الماجستير للباحثة سماح عبد الصبور عبد الحي، حول "القوة الذكية في السياسة الخارجية: دراسة في أدوات السياسة الخارجية الإيرانية تجاه لبنان منذ 2005"- مجلة السياسة الدولية- 13 مارس 2014.

 

[3] - أضواء على رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية في إيران، الدكتور محمد علي آذرشب، المستشار الثقافي الإيراني السابق في دمشق، الموقع الالكتروني لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.

[4] - ورقة بحثية للدكتور "رونين سولومون" بعنوان "الأخطبوط الإيراني"، صحيفة "إسرائيل اليوم" بتاريخ 16 مارس 2012.

[5] - إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية.. آخر العلاج، الكاتب مجاهد باسان، صحيفة الرأي العام السودانية، 2 سبتمبر 2014.

 

[6] - موقع المستشارية الثقافية الإيرانية في تونس.

 

[7] - موقع المستشارية الثقافية الإيرانية في الدوحة.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق