مصر و"حزب الله" كيف ذابت جبال الجليد؟
الخميس 22 يناير 2015

 المعتز بالله محمد – كاتب مصري

خاص بالراصد

شهدت الفترة الماضية تقاربا ملحوظا ربما لا تزال الكثير من تفاصيله غامضة بين تنظيم "حزب الله" اللبناني الشيعي ونظام الرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر. الحديث عن ذلك ربما لا يبدو منطقيا لدى البعض، لعدة أسباب أهمها أن المملكة العربية السعودية هي الداعم الاقتصادي الأكبر للسيسي، لذلك فإن الأخير لن يغامر بضياع هذا الدعم من أجل حزب الله، في وقت تواجه بلاده أزمة اقتصادية عاصفة يحذر محللون من أنها تشكل تهديدا قويا على استقرار نظامه.

"داعش" والتحالفات الجديدة

لكن الحقيقة أن ظهور تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وتمدده بهذا الشكل في العراق وسوريا، وتهديده المباشر للمنطقة العربية بما فيها الخليج، قلب جميع الحسابات، وفتح باب التحالفات على مصراعيه لكل أعداء الأمس رغم اختلافاتهم وخلافاتهم المذهبية والسياسية. فعلى سبيل المثال لا الحصر بات العراق ساحة لتعاون عسكري فاضح بين كل من الولايات المتحدة والغرب من جهة، وإيران والمليشيات الشيعية من الجهة الأخرى. وشاركت دول عربية سنية في غارات التحالف الدولي على سوريا ليس لاستهداف مواقع النظام السوري العلوي، بل لدكّ مواقع "الدولة الإسلامية".

زيارات غامضة

هكذا تتغير المواقف سريعا ويعاد رسم التحالفات الدولية في سياسةٍ الثابت الوحيد فيها هو المتغير. لكن حين الحديث عن تقاربٍ بين نظام السيسي وحزب الله، فلا بد أن نتحدث أولا عن علاقة نظام بشار الأسد والسيسي، تلك العلاقة التي اتخذت منحى متصاعدا خلال الفترة الأخيرة، عبرت عنه زيارة عماد الأسد، ابن عم بشار، إلى القاهرة في ديسمبر الماضي، وهي الزيارة التي بُذلت جهود جبارة للتعتيم على دوافعها الحقيقية وأهدافها السياسية.

وبتاريخ 4 يناير الحالي كشفت شبكة "إرم" الإخبارية نقلا عمّن وصفته بالمصدر السياسي المصري عن لقاءات سرية أجراها عماد الأسد في القاهرة مع عدد من أعضاء الائتلاف الوطني السوري المعارض، لبحث ضرورة فرض حل سياسي على الأزمة والابتعاد عن الحل العسكري، مع وضع عدة طرق لتسويات ترضي الأطراف المتناحرة، والمتفقة في الوقت ذاته على عدم تقسيم سوريا.

الباحث "جوزيف أولمرت" حاول في مقال بموقع "هافينجتون بوست" يحمل عنوان "الأزمة الروسية والعلاقة السورية" البحث في زيارة عماد الأسد لمصر قائلا: "استضافة مصر لوفد سوري بقيادة عماد الأسد (ابن عم الديكتاتور بشار) من أجل رؤية للوصول إلى حل سلمي لا تبعث على الدهشة، لأن الجيش المصري هو عدو جماعة الإخوان المسلمين التي تدعم المعارضة السورية السنية، كما أنها تحظى بدعم أردوغان العدو اللدود للنظام المصري الجديد".

خدمة السيسي للأسد

لكن كراهية الإخوان ليست سر التقارب الوحيد، وهو ما كشفه الصحفي البريطاني "جوناثان ستيل" في مقال، بالموقع البريطاني "ميدل إيست آي" الأحد 28 سبتمبر 2014 مؤكدا أن النظام السوري يعول على الرئيس المصري الجديد لبدء الترويج بأن سوريا دولة مدنية تواجه تهديدات من إسلاميين وجهاديين.

وتابع "إنهم يثقون في أن السيسي سيقوم بطرح ذلك الأمر، ليس فقط على صعيد القادة العرب، ولكن لواشنطن أيضا، بالرغم من إدراكه أن مصر تعتمد ماليا على قروض السعودية والخليج، ولن تستطيع بسهولة تحدي مموليها، أو الدفاع عن الأسد علنا".

تطابق مصالح

هكذا إذن ذهبت العلاقة بين الأسد والسيسي لأبعد ما كان يتوقع كثيرون، ليصبح المجال مفتوحا بعد ذلك لفتح صفحة جديدة مع "حزب الله" في لبنان وهو ما تحدثت عنه صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في تقريرها المنشور بتاريخ 6 يناير 2015 حيث كتب "روعي كايس" محرر الصحيفة للشئون العربية يقول: "الكثير من العداوة بين مصر السُنية والتنظيم الإرهابي الشيعي، بالطبع منذ كشف الخلية الإرهابية اللبنانية التي خططت لتنفيذ تفجيرات في مصر منذ خمس سنوات. لكن على خلفية الصراع ضد داعش ومدّ يد السيسي للأسد، حدث للمرة الأولى منذ سنوات تطابق في مصالح معينة بين القاهرة ونصر الله. فإلى أي مدى يمكن أن يصل ذلك؟".

ووفقا للتقديرات الإسرائيلية فإن جملة أسباب أدت إلى حدوث هذا التقارب على رأسها الحاجة لحل الأزمة في سوريا والحرب على تنظيم الدولة الإسلامية الذي يسيطر على مساحات واسعة في سوريا والعراق. فتجنب السيسي الحديث عن إسقاط نظام الأسد أو عن تدخل عسكري، بل فقط عن حل سياسي جعله محط تقدير وإعجاب من قبل حزب الله والنظام السوري على حد سواء.

النظام المصري كوسيط

التقرير الإسرائيلي الذي حمل عنوان "مصر تتقارب مع حزب الله" مضى يقول: "النظام المصري ورغم المشاكل الكثيرة التي يواجهها، فقد لوحظ خلال الأسابيع الماضية أنه يحاول التدخل في الأزمة السورية، حيث أعلن السيسي عن استعداده لرعاية حوار بين النظام السوري والمعارضة. وخلال الأيام الأخيرة تم استضافة رموز بالمعارضة السورية في القاهرة لبحث سبل حل الأزمة".

وفي الحقيقة وبمجرد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي لعب السيسي دورا كبيرا في تقييد حركة المعارضة السورية في بلاده وطرد اللاجئين، وفي المقابل سمح بعد شهرين فقط على الانقلاب العسكري الذي تزعمه بخروج تظاهرة مؤيدة لنظام الأسد في ميدان التحرير وسط القاهرة.

جبال الجليد

المتتبع لتاريخ العلاقات بين حزب الله ومصر خلال السنوات الماضية يكاد يجزم بأن ذوبان الجليد بينهما يتطلب معجزة، فمع اندلاع حرب لبنان الثانية في 2006 اتهمت القاهرة التنظيم الشيعي بجرّ لبنان لحرب مدمرة دون التفكير في عواقبها، وفي عام 2009 تزايد الخلاف بعد أن دعا حسن نصر الله القاهرة للتدخل عسكريا لوقف العدوان الإسرائيلي على غزة، وهو ما اعتبرته مصر تحت حكم مبارك تدخلا سافرا في شئونها.

وفي أبريل 2010 وجّه نظام مبارك ضربة قوية لـ "حزب الله" عندما أوقعت السلطات المصرية بخلية شيعية يتزعمها سامي شهاب، اتهمت بالتخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية في مصر، وشنَّ رموز مبارك حربا كلامية على التنظيم وإيران التي قالوا إنها تدعم تلك النشاطات.

في الأيام الأولى للثورة المصرية فرّ شهاب من سجن وادي النطرون، وجرى الاحتفال به في مراسم رسمية بلبنان شارك فيها حسن نصر الله رغم اعتباره في القاهرة سجينا هاربا. وبصعود الإخوان المسلمين للحكم سادت مرحلة من جس النبض بين القاهرة و"حزب الله" وتحدث البعض عن فترة من الهدوء بل والتقارب البسيط على المستوى الخارجي، وقتها قال السفير المصري في لبنان إن بلاده تسعى لإقامة علاقات مع التنظيم على اعتبار أنه لا يمكن تجاهله.

كان من الواضح أن بقاء نظام الإخوان لن يصب في مصلحة "حزب الله"، وهو ما ترسخ لدى الشيعة بوجه عام بعد استقبال ملعب القاهرة مهرجان «سوريا الثورة»، بحضور الرئيس مرسي نفسه ورموز نظامه. كذلك وقبل أيام من الإطاحة به أمر الرئيس الإسلامي بقطع العلاقات مع نظام الأسد، مطالبا "حزب الله" بوقف تدخله في الحرب السورية بشكل فوري.

اعترافات الفرزلي

الحديث عن ذوبان جبال الجليد بين الحزب الشيعي اللبناني ونظام السيسي ليس محض افتراء أو تخمين، وإنما واقع احتفت به صحيفة "السفير" المقربة من حزب الله على لسان نائب رئيس المجلس النيابي السابق إيلي الفرزلي المعروف بعلاقته الوطيدة برجال التنظيم.

كتب الفرزلي على صفحات السفير بتاريخ 19-12-2014 مقالا بعنوان "رؤية متقاربة للحل السوري.. ومواجهة التكفيريين.. مصر وحزب الله ينهيان سنوات الجفاء"، مؤكدا أن مع كل يوم يمر "تتقلص القضايا الخلافية بين مصر وحزب الله". وأن جبل الجليد صار مستنقعاً فيه بعض من الجليد الذي لا يؤثّر بقاؤه في العلاقة التي صارت مبنية على أسس يصفها أطرافها بالمتينة والثابتة، على حد وصفه.

قواسم متشركة

وحدد الفرزلي خمسة قواسم مشتركة بين مصر وحزب الله بعد تحسن العلاقة بينهما وهي الحفاظ على أمن لبنان ودعم جيشه ومكافحة ما وصفه بـ "الإرهاب التكفيري" في البلدين وفي المنطقة، ونشر الاعتدال في البيئة السنية ومواجهة التطرف من خلال البعثات الأزهرية، بالإضافة إلى إعادة تعزيز دور دار الفتوى. والتأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، وأخيرا ضرورة الحفاظ على وحدة الدولة السورية ومؤسساتها وجيشها، والتأكيد على الحل السياسي ومواجهة التنظيمات التكفيرية فيها.

إيران الأساس

وصدق الكاتب إذ أكد أن توطيد العلاقة المصرية مع "حزب الله" لا يمكن فصله عن التحسن الذي تشهده العلاقة مع إيران، ذلك التحسن الذي عبّر عن نفسه في مشاركة وفد إيراني برئاسة أحمد المبلغي، رئيس جامعة المذاهب الإسلامية الإيرانية، في مؤتمر الأزهر لمواجهة التطرف والإرهاب الذي عقد مطلع شهر ديسمبر بالقاهرة كممثل رسمي عن إيران، إضافة لاتخاذ النظام المصري سلسلة من الخطوات في عدد من القضايا لاقت استحسان النظام الإيراني (راجع مقالي "الأزهر.. حصان طروادة الإيراني لاختراق القاهرة"، بالراصد العدد الماضي).

السعودية و"حزب الله"

ويرى العارفون ببواطن الأمور أن السعودية ورغم ما فعلته الحرب على "داعش" من خلط للأوراق، إلا أنها لا يمكن أن توافق بحال على تجاوز التقارب المصري مع حزب الله الحد المسموح به. لذلك لا عجب أن يمارس التنظيم ضغوطا ناعمة على نظام السيسي لتخفيف ارتباطه بالمملكة، وهو ما عبر عنه الفرزلي قائلا: "وبالرغم من تفهم الحزب للأزمة المالية المصرية ولكون السعودية كانت من أوائل الدول التي اعترفت بالنظام الجديد، الذي كان يشهد عزلة دولية في حينه، فهو ينصح من يلتقيهم من المصريين بالتخفيف من حدة هذه العلاقة، التي ينظر لها في بعض الأوساط بأنها علاقة تبعية".

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق