ما بعد الصدمة: نحو مقاربة شاملة لمواجهة المشروع الشيعي
الأثنين 22 ديسمبر 2014

 

 بوزيدي يحيى– كاتب جزائري

 

 خاص بالراصد

تسعى الاتجاهات الدينية التي ترى في التشيع خطرا كبيرا على المجتمعات السنيّة إلى تطويق الظاهرة قبل استفحالها، وتبذل في هذا السياق جهودا تتفاوت من اتجاه لآخر، غير أنها لا زالت جلها تنحصر في طرق (تقليدية) تتمثل تحديدا في دروس الوعظ الديني التي تحذر من الآثام الكبيرة للمسلم بتعرضه لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمنا عائشة رضي الله عنها، وغيرها من الشبه المثارة من طرف الشيعة، والتنبيه والتحذير من مجالسة أهل البدع والأهواء، ومتابعة فضائياتهم التي قد تكون صورة جديدة من ذلك.

لا يمكن من حيث المبدأ إنكار دور هذا البعد في مواجهة التشيع، كما يستحيل أن يستغنى عنه لأنه يسد ثغرة محورية بحكم أن المسألة دينية بالأساس، إلا أنه في المقابل لا نستطيع الارتكان إليه لوحده لمحاربة التشيع والاعتقاد بأن المسؤولية والواجب حول هذا الموضوع ينتهي هنا. ولعل استمرار الظاهرة بالانتشار خلال العقدين الأخيرين رغم الجهود الوعظية في التنبيه منها يستوجب الوقوف عند أسباب عدم نجاعة الأسلوب الوعظي في الحد من الظاهرة، والبحث عن مقاربات جديدة في محاربتها. فما هي الأساليب المغيبة أو الهامشية في محاربة التشيع التي يمكن الاستفادة منها؟

استطاع الشيعة النفاذ إلى المجتمعات السنية وتشكيل بؤر تشيع بغض النظر عن حجمها وخطورتها على المدى القريب أو البعيد، إلا أن الأساليب التي مكنت الشيعة من هؤلاء تستوجب الوقوف عندها، ومن خلالها التفكير في أساليب أخرى مضادة لها.

1-             على مستوى الإعلام والسياسة:

شكل البعد السياسي أهم المداخل لنشر التشيع حيث استغلت إيران والقوى الشيعية الأوضاع السياسية الداخلية والخارجية في جل الدول العربية، وتبنت خطابا ينسجم مع ما تتطلع إليه الشعوب العربية وتفتقده في دولها، وهذه الجزئية، على أهميتها، إلا أن ما يتوجب الوقوف عنده في هذا الموضوع هو القدرة على تحويل المادة السياسية إلى مادة فعالة في ضرب المعتقدات السنية.

وهنا نجد وسائل الإعلام لعبت دورا كبيرا جدا في هذه العملية، لذلك توليها إيران أهمية بالغة جدا، فهي تمتلك إمبراطورية إعلامية كبيرة، إلى جانب وسائل إعلام شيعية لمؤسسات في دول أخرى تصب في نفس الهدف، وهي مجتمعة توفر مواد تغطي كل الفئات والأعمار والمجالات، وتعمل بشكل تكاملي مع القوى السياسية، وهذا ما يجب رصده وصدّه في نفس الوقت.

فبالنسبة للفضائيات نجد أن المخصصة منها لمحاربة التشيع تعد على الأصابع، وكلها خليجية وكأن المسألة لا تعني الدول والمجتمعات الأخرى، رغم أنها الأكثر استهدافا، وحتى الحركات الإسلامية المتبنية لفكرة "خطر التشيع" حتى الساعة ما زالت عاجزة عن تأسيس فضائيات في هذا المجال أو إقناع متبرعين وداعمين لها كما يحصل على سبيل المثال لقناة الصحب والآل المصرية التي لم يستطع القائمون عليها إطلاقها لنقص الدعم.

والوضع فيما يخص الفضائيات الناطقة بالفارسية أسوأ بكثير، فهي شبه منعدمة، وعلى قلتها، فإنها دينية فقط، ويفترض أن تكون هناك فضائيات متخصصة في مختلف المجالات بما في ذلك الأطفال، وتهدف إلى تقديم المعتقدات السنية وتبيين مكامن الخلل في العقيدة الشيعية بأسلوب احترافي يشرف عليه متخصصون، وغيرها من البرامج التي تستهدف كل فئات المجتمع الإيراني.

لا شك أن إنشاء فضائيات تغطي كل المجالات والفئات كما سبقت الإشارة وفوق ذلك متخصصة ومحترفة تحتاج لأموال كبيرة جدا وتمويل من طرف دولة أو دول، ولا بد من إيجاد حلول أو العمل على مستويات أقل بالموارد المتوفرة ومحاولة استثمارها بشكل جيد، وهذا يتطلب توحيد الجهود في هذا المجال كمرحلة أولى، وخلق فرصة جديدة من خلالها، ومن الأفكار العملية محاولة القيام ببث مشترك، فكما توجد بعض المواضيع المتعلقة بحقوق الناس، وخاصة حق المرأة، والبيئة، والتي أصبحت مشتركة، وتتبنى عرضها الكثير من الفضائيات، فيمكن أن تتبنى الفضائيات الإسلامية برامج محددة أو برنامجا حول محاربة التشيع يعرض في كل الفضائيات الإسلامية.

وفي هذا الإطار يجدر التنويه على ضرورة تنويع الوجوه الإعلامية والدينية المواجهة لخطر الظاهرة، فكما يحرص الإيرانيون على تقديم رموز دينية عربية ومن مختلف البلدان وبلغات متعددة لشرعنة عقيدتهم وترويجها على أوسع نطاق، لا بد أيضا من برامج مشابهة بنفس الطريقة، ولعل تجربة برنامج "ساعة مغاربية" التي كان يقدمها الكاتب والإعلامي الجزائري أنور مالك على قناة وصال تستحق الإشادة والإعادة أو المحاكاة وابتداع برامج أخرى.

أما بالنسبة للكتاب فيبقى (ورقيا أو إلكترونيا) أحد المصادر الأساسية، لذلك يتوجب الاهتمام بالكتاب الموجه لهذا الغرض مع ضرورة وجود لجان من مختصين في شتى الجوانب يراعون مختلف الجزئيات حتى تطوق كل الشبهات، والبحث عن الطرق الأنسب لتأثيره. ويجب أن يكون بلغات مختلفة ومتعددة، وتراعى في كل لغة وحتى بلد طبيعة المجتمع، وأحسن المداخل، فالكتاب الذي يصلح للمجتمع الخليجي مثلا لا يصلح (جزئيا) للمجتمعات المغاربية. وللعلم فإن غالب الفئات المستهدفة بالخطاب الشيعي حتى وإن كان الموضوع دينيا إلا أنها لا تتقبل الخطاب الوعظي وتميل إلى النقاشات العقلية باعتبارها ذات ميول فكرية وفلسفية، لذلك يجب أن يعطى هذا البعد أهمية كبيرة في كل البرامج والمجالات.

أما بالنسبة للمواقع الإلكترونية فإن هذا المجال أكثر تقدما في محاربة التشيع، وهناك جهود معتبرة وتعاون بين بعض المواقع الإلكترونية التي أصبحت بعد عقد أو أكثر بقليل تشكل مرجعية ومصدرا في رصد الظاهرة، وشكلت رصيدا معتبرا في مواجهتها. ونظرا للأهمية المتزايدة للإنترنيت بشكل عام، فإنه يتوجب ولـ (سهولتها) إنشاء مواقع أخرى، ولربما أكثر تخصصا، حيث تهتم بدقائق الأمور في جزئيات معينة، مع ضرورة أن تكون لكل موقع صفحة بالفارسية، حتى نتحول من الدفاع إلى الهجوم.

2-             على مستوى المؤسسات الإسلامية:

يقع على عاتق المؤسسات الإسلامية جزء كبير من تنفيذ الأفكار المشار إليها أعلاه، باعتبار أن العمل مجتمعي بل (ثغر مهم للعودة بالأمة الإسلامية إلى مجدها وعزتها)، كل حسب طاقته وقدراته، ومن الأمور البسيطة التي في مقدور كل مؤسسة إسلامية القيام بها:

-        العناية بـ (الثقافة السياسية) داخل الحركات الإسلامية لفهم دور هذا البعد في حركة التشيع والشيعة والمحاججات السياسية كمدخل لمواجهة التشيع، كما على القوى الإسلامية السياسية التي فشلت فشلا ذريعا في فهم السلوك السياسي الإيراني والشيعي، والتي أصبحت جزئيا على الأقل تستحي من علاقتها بإيران وحزب الله، أن تعود إلى السياسة "كعلم" وأخذ آراء المختصين (يمكن تعميم ذلك على كل المجالات) حتى لا تكرر نفس الأخطاء.

-        استحداث فروع بمختلف المؤسسات الإسلامية تهتم بموضوع المشروع الشيعي ومواجهته، والآليات القانونية والسياسية التي تتوفر لدى تلك المؤسسات والتي يمكن تفعيلها في هذا المجال، سواء عبر البرلمانات أو العلاقات الشخصية على المستوى الحكومي، والتواصل مع الحركات الإسلامية وغير الإسلامية في الموضوع ومحاولة حشد الدعم منها.

-        السعي لفتح المجال للإيرانيين السنة لطلب العلم والدراسة في الجامعات الإسلامية. وإنشاء مراكز تقوم بنفس العمل داخل إيران التي استخدمت وسخّرت المؤسسات الرسمية ممثلة في السفارات الإيرانية في الدول العربية لنشر التشيع، ودعم المؤسسات الدينية الشيعية المشتغلة في هذا المجال. بكل تأكيد لن يكون الأمر سهلا حيث ستعترض طهران لا محالة، ولكن حينها يمكن استغلال ذلك إعلاميا، وتوظيفه ضدها في المحافل الدولية لحقوق الإنسان.

-        إنشاء نوافذ متخصصة في المواقع الإلكترونية الرسمية لمختلف المؤسسات الإسلامية تهتم بالرد على الشيعة وإذا تعذر ذلك فعلى الأقل إبراز المواقع المتخصصة في هذا المجال على نوافذها الإلكترونية والإشهار لها.

-        التنسيق مع المشتغلين على هذا المجال وتخصيص مساحة لهذا الموضوع في مختلف النشاطات التي تقوم بها المؤسسات والحركات الإسلامية من ندوات ومؤتمرات.

-        ظهرت في دول عربية بعض الهيئات المختصة بمحاربة التشيع على غرار ائتلاف الصحب والآل في مصر، والهيئة الشعبية لمكافحة التشيع في الأردن، كما تُبذل بعض الجهود في مواقع التواصل الاجتماعي من طرف بعض الشباب كما هو حال صفحة "الفاضح لشيعة الجزائر"، التي تهتم برصد تحركات المتشيعين الميدانية، وما يكتبه البعض منهم أو مؤيدوهم في وسائل الإعلام، وهو تقريبا نفس الأسلوب الذي ينتهجه ائتلاف الصحب والآل في مصر. وحتى يكون لهذه الهيئات مردودية أكثر فإنها تحتاج -إضافة إلى الدعم المادي والمعنوي- أن تتبادل الخبرات والتجارب، كأن تعقد مؤسسة إسلامية مؤتمرا دوليا تستضيف فيه هؤلاء. ولعل من القضايا الملفتة للانتباه التي تتابع في مواقع التواصل الاجتماعي كيف تحيد بين الفينة والأخرى هذه الصفحات عن خطها لتدخل في مواضيع أخرى تخصم من رصيدها بشكل أو آخر، كما تصبح ساحة لتصفية حسابات معارك أيديولوجية بين تيارات تتبنى نفس الموقف من التشيع الذي يفترض أنه عامل توحيد لها وليس تفريق، حبا لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته الطيبين الأطهار. 

3-             على مستوى مجاﻻت حقوق الإنسان:

يحاول الشيعة مواكبة التحولات الدولية والسعي للاستثمار فيها بشكل جيد لنشر التشيع، ومن ذلك تشكيل مؤسسات متخصصة في حقوق الإنسان مثل منظمة "شيعة رايتس ووتش" وهي أول منظمة شيعية عالمية، تعنى برعاية وحماية حقوق المسلمين الشيعة في مختلف دول العالم وأروقة الأمم المتحدة. تأسست عام 2011 ومقرها واشنطن([1]). تدلل هذه النشاطات على قدرة في التكيف من طرف الشيعة تفتقد كثيرا في المجال السني للأسف الشديد، وبطء الحركة والعقبات المادية والمعنوية التي ليس آخرها الخطاب الإحباطي والاتهامات بالعمالة التي يتعرض لها المبادرون لمواجهة خطر التشيع، لذلك يتوجب الإسراع في إيجاد هيئات مشابهة تقف عند كل الجرائم التي يقوم بها الشيعة في مختلف البلدان خاصة في الداخل الإيراني، وتفعيل الآليات القانونية خاصة في الدول الأجنبية برفع دعاوى قضائية ضد سياسيين ورجال دين شيعة يمارسون أو يساهمون بشكل غير مباشر في انتهاك حقوق السنة، والتواصل مع الهيئات الحقوقية الدولية لإعاقة نشاطاتهم على الأقل.

4-             على مستوى الاقتصاد:

تمتلك المؤسسات الشيعية دعما ماديا كبيرا من طرف إيران كما يوفر لها "الخمس" مردودا كبيرا لتمويل نشاطاتها، والتبرع للمؤسسات الإسلامية في المجتمعات السنية ليس منعدما وإنما هناك تحسس من هذه المواضيع أو عدم اهتمام وشعور بالمسؤولية تجاهه، وقد سبقت الإشارة إلى الصعوبات الكبيرة التي تواجه فضائية الصحب والآل في مصر على سبيل المثال لا الحصر، لذلك يتوجب على الخطاب الوعظي التركيز على هذه الأمور، والتنبيه على ضرورة الاهتمام بقضايا التشيع وتخصيص حتى أوقاف إسلامية لهذا الغرض، ودعم المناطق الإسلامية في الدول الإفريقية وتحديدا التي ينشر فيها التشيع من مدخل الفقر والعوز.

الخلاصة:

 تعتبر المرحلة السابقة مرحلة الصدمة الأولى التي صعب حينها إدراك المشكلة الشيعية من مختلف الزوايا. ولكن مرحلة ما بعد الثورة السورية التي أبانت عن أحقاد الشيعة التي كانت تتحدث عنها كتب التاريخ، وأوضحت القدرة التخريبية لهذا المشروع تستدعي الوقوف مطولا عند هذه الإشكالية من مختلف الأطياف الإسلامية لصياغة رؤية متكاملة حول الموضوع. وصياغة مشروع مضاد يغطي كل الجوانب، ويسد كل المداخل بل وأكثر من ذلك يستشرف المستقبل ويضع موانع تحول دون تسرب الظاهرة للمجتمعات السنية ثانية، واستحداث آليات فكرية تستشعر مثل هذه المخاطر، ولِم لا، الانتقال إلى مرحلة الهجوم وتطويق الظاهرة في بيئاتها.

 

 



([1]) تهدف المنظمة حسب رؤيتها إلى لفت انتباه المجتمع الدولي ورفع الوعي الدولي لما يجري من انتهاكات ضد الشيعة في العالم. وتعتمد المنظمة منهجية وإستراتيجية الاستقصاء الصحفي وتوثيق الحوادث عبر ممثليها في مختلف الدول وعرض التقارير الدورية والتبليغ عن الانتهاكات بهدف حماية حقوق الشيعة، غير أن هناك أبعادا أخرى للمنظمة خاصة لاختيارها العاصمة الأمريكية واشنطن مقرا لها، لتفاصيل أكثر حول الموضوع انظر: معتز بالله محمد، شيعة رايتس ووتش، لحقوق الإنسان وجوه أخرى، مجلة الراصد، العدد 132، 31/03/2014، على الرابط:

http://alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=6576

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق