الإلحاد في مصر.. دعوة المواجهة بين السياسي والديني
الأثنين 22 ديسمبر 2014

أسامة الهتيمي – كاتب مصري

خاص بالراصد

هل كانت التحذيرات التي أطلقتها مؤخرا مؤسسة الأزهر الشريف - أهم وأكبر مؤسسة دينية في مصر -  حول ما يشكله تزايد عدد الملحدين في البلاد من خطورة وأثر ذلك على الأمن القومي تعكس خوفا حقيقيا من قبل هذه المؤسسة ورجالها على وضع الدين الإسلامي وحالة التدين لدى الشعب المصري ومن ثم فإن إطلاق هذه التحذيرات بمثابة قوة دفع لكل المعنيين بالتحرك لوقف تفشي هذه الظاهرة ؟

 أم أن مثل هذه التصريحات لم يكن إلا جزءا من حزمة مواقف وتحركات ضمن السياسة العامة لكل مؤسسات الدولة المصرية في إطار حالة الصراع السياسي التي تشهدها البلاد منذ أكثر من عام ونصف خاصة وأن العديد من المؤسسات والمراكز البحثية الدولية كانت قد سبقت الأزهر الشريف ونبهت إلى هذه الظاهرة منذ أكثر من عامين حتى أن بعض هذه الجهات أكدت أن نسبة الملحدين في البلاد وصلت إلى 3% من عدد السكان، أي ما يقارب الثلاثة ملايين نسمة ومع ذلك لم يقابل الأمر بأي اهتمام سواء من الأزهر الشريف أو حتى من وسائل الإعلام المصرية التي يعرف عنها الميل إلى تناول كل ما هو مثير والتي كان يمكن أن يمثل لها حديث الإلحاد والملحدين مادة إعلامية خصبة تستقطب الكثير من المتابعين والمشاهدين..

بل على العكس من ذلك إذ غلبت على تعليقات الكثير من الأزهريين أن الأرقام التي تطرحها وسائل الإعلام عن الملحدين تحمل الكثير من المبالغة وأن القضية لم ترق لمستوى الظاهرة فالشعب المصري – ووفق تصورهم – شعب متدين .. وظل ذلك هو موقف الأزهر وجامعته ومشايخه حتى جاء نشر تقرير مركز "ريد سي" التابع لمعهد "جلوبال" الذي لفت إلى أن مصر تتصدر الدول العربية في عدد الملحدين بـ 866 ملحدا بعدما كانت تتصدر الدول الأكثر تدينا في العالم 2009 بنسبة 100%.

إحصائيات افتراضية

ربما من السهل جدا التشكيك في صحة الإحصائيات المتعلقة بأعداد الملحدين في مصر ذلك أن هناك أسباب قوية تمنع بالفعل من إعلان الملحدين عن أنفسهم خشية البطش بهم سواء على المستوى القانوني أو حتى من جانب الجماهير بالإضافة إلى أن هناك ملحدين بالفعل لم يلتفتوا لقضية الإلحاد أو يعيروها أهمية بمعنى أنهم يمارسون حياتهم بتصورات عقدية خاصة دون التوقف عند مسألة الإعلان عنها أو الاستجابة لدعوى حقهم في الدفاع عن حرية الاعتقاد فالمسألة لا تشغلهم من قريب أو من بعيد إذ الأهم لديهم هو ممارسة حياتهم وإشباع رغباتهم.

كما يطعن في صحة هذه الأرقام أيضا أن إحصاء أصحاب الاعتقادات الأخرى بخلاف الإسلام والمسيحية أمر غير وارد على المستوى الرسمي ذلك أن بطاقات الهوية المصرية لا تسمح للمصريين سوى بتسجيل إحدى الديانتين وعليه فإن تقدير الأعداد ربما يعود لمصادر غير دقيقة منها مواقع التواصل الاجتماعي وبعض "الجروبات" التي تعلن عن أعداد للملحدين وهو أمر مشكوك فيه أيضا إذ لا تسلم هذه الصفحات من شبهة المبالغة في إطار دعوة آخرين وتشجيعهم على الإلحاد وتصوير الأمر وكأنه شيء طبيعي يشاركه فيه الكثيرون.

ولا يعني أن تشكيكنا في صحة الأعداد تقليل لخطورة الأمر فلربما كانت الأعداد أقل أو أكثر لكننا فقط أردنا أن نشير إلى أنه يجب أن لا تكون مسألة الأعداد هي الحاكمة لنا في تقييم القضية والتعاطي معها فإلحاد مسلم واحد كفيل بأن يدفع الجميع إلى النفير لبحث الأسباب وتلاشيها والعمل على عدم تكرار ذلك خاصة إذا انتقل هذا الشخص من طور الخروج عن ملة الإسلام إلى الجهر بذلك والدعوة للإلحاد فالإسلام لا يجبر مطلقا أحدا على الإيمان به. يقول الله تعالى: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" لكن ما يرفضه الإسلام هو الجهر بهذا الكفر والدعوة له فذلك من قبيل محاربة الله ورسوله التي يجب أن يتم الوقوف لها بالمرصاد حتى لا تكون تهديدا لأمن واستقرار المجتمع الإسلامي.

البعد السياسي

والحقيقة أن تصريحات الأزهر الشريف والهيئات المحسوبة عليه حول الإلحاد وفي هذا التوقيت لا تخلو من بعد سياسي إذا بدا أن المؤسسة أرادت توظيف تنامي ظاهرة الإلحاد وتزايد عدد الملحدين بشكل سياسي تنطلق في إطار تناوله لتوجيه أصابع الاتهام لتيارات الإسلام السياسي ورجالاته والذين وفق ما صرح به العديد من مشائخ الأزهر ودعاته المتهمين والمسئولين الأوائل عن وجودها وهو ما أكده الدكتور مجدي عاشور مستشار مفتي الجمهورية في تصريح صحفي قال فيه "إن بيان الإفتاء الصادر اليوم بزيادة معدلات الملحدين في مصر كان لجسّ النبض من قبل الجماعات المتطرفة وما أوصلت الأمة إليه وسببته بعزوف الشباب عن الدين والاتجاه إلى الإلحاد لما رأوه منهم".

وعلى الرغم من أن مثل هذه التصريحات لم تشر بشكل صريح إلى جماعة الإخوان المسلمين أو أي من الجماعات المصرية المناصرة لها إلا أنها تحمل إسقاطا عليها بعد أن تم وصف الجماعة وبشكل رسمي وقانوني بأنها جماعة إرهابية فضلا عن أن ما ترسخ في وعي الكثير من القطاعات أن المعني بهذا الاتهام هم قادة الجماعة وكوادرها إذ حملت الكثير من التحليلات والمقالات والتحقيقات الصحفية والإعلامية اتهاما صريحا مفاده أن الفشل الذي منيت به الجماعة في إدارة الدولة بقيادة الرئيس الدكتور محمد مرسي كان دافعا للكثير من الشباب إلى الإلحاد إذ تم الربط بين هذا الفشل والدين الإسلامي وتعاليمه بالإضافة إلى أن مرسي وشركاءه بدوا أمام الجماهير وكأنهم كاذبون لم يصدقوا فيما قطعوه على أنفسهم من وعود لم يتمكنوا من الوفاء بها وظهروا بمظهر اللاهثين فقط خلف الكراسي متساوين في ذلك مع باقي رجالات السياسة الذين يرفعون شعارات الزيف والخداع.

كذلك فقد لفت علماء الأزهر إلى وجود علاقة بين حالة التشدد الديني لدى بعض المنتسبين لجماعات إسلامية وبين الإلحاد رابطين في ذلك بين ما شهدته أوروبا من موجه إلحاد عاتية وبين مغالاة الكنيسة وسيطرتها على مناحي الحياة، الأمر الذي أحدث ردة عقائدية في المجتمع الأوربي وهو التفسير الذي لا شك أنه واقع تاريخي ثابت أشارت إليه كتابات الملحدين أنفسهم لكن السؤال وهل هؤلاء المتشددون دينيا من عناصر الجماعات الإسلامية  – إن جاز وصفهم بذلك – يمثلون الدين لدى الجماهير أم أنهم مجرد أفراد لا يعبرون إلا عن أنفسهم وقناعاتهم فيما يفترض أن تبقى المؤسسات الدينية هي مرجعية كل المسلمين في البلاد؟

كما كانت تصريحات الأزهر توظيفا يخدم تطورات المشهد الإقليمي والدولي الذي يشهد حالة صراع فيما بين ما يسمى بالتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الجماعات المقاتلة في سوريا والعراق وخاصة ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وجبهة النصرة – التابع لتنظيم القاعدة - وغيرهما من التنظيمات الداعمة والمبايعة لهما في كل البلدان العربية والإسلامية ومن بينها مصر نفسها التي بايع فيها مؤخرا ما يسمى بتنظيم "أنصار بيت المقدس" تنظيم "داعش".

وقد حاولت مؤسسة الأزهر وما يتبعها من هيئات الربط بين ما يبثه الإعلام حول هذه التنظيمات من سلوكيات بعيدة عن القيم والروح الإسلامية وبين اتجاه الشباب للإلحاد إذ تثور داخل أذهان هؤلاء الشباب تساؤلات كثيرة في إطار الرفض والاحتجاج على ما تقوم به هذه التنظيمات كونه فعلا لا إنسانيا، ولا يمكن أن يعبر عن أن فاعليه ينتمون إلى أي قيمة أخلاقية ومن ثم يحملون تلك العقيدة التي يؤمنون بها مسئولية ما يفعلونه وهو ما أشار إليه إبراهيم نجم مستشار مفتي الجمهورية في مداخلة هاتفية لأحد البرامج التلفزيونية حيث قال: ''اشتغلنا 90 ساعة على تقرير الإلحاد، ومسحنا المواقع الإلحادية ووجدنا أنهم تأثروا بالمشاهد التي تدعيها الحركات المتشددة وقالوا لا يمكن لأي من الأديان التي تدعي السماحة أن يرتكب فاعلوها العنف والقتل والسبي''.

وعلى الرغم من أن مثل هذه الأسباب ربما تكون بالفعل وراء تنامي الظاهرة وتفشيها أو على الأقل أحد الإشكاليات التي تدفع البعض للتشكك والنفور من الدين وتعاليمه إلا أن هذا لا يمنع من أن الأزهر بهذه التصريحات يبدو وكأنه يقوم بدور سياسي محدد خاصة وأن التصريحات جاءت متزامنة مع المؤتمر الذي عقده الأزهر حول الإرهاب ومواجتهه في الوقت الذي خلت فيه كلمة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب أو أي من الكلمات الافتتاحية من الإشارة إلى الإرهاب الذي تمارسه الأنظمة بحق شعوبها أو تلك الانتهاكات التي ترتكبها قوات الاحتلال الصهيوني بحق الفلسطينيين أو ما ترتكبه القوات الأمريكية بحق معتقلي جوانتانامو أو ما تمارسه الدولة الإيرانية الفارسية بحق السنة في إيران أو العراق وكأن الإرهاب مقصور بحسب على المسلمين السنة.

وهنا نجدنا مدفوعين مرة أخرى إلى التساؤل حول تقييم الدور الذي يقوم به الأزهر وغيره من المؤسسات الدينية .. فإذا كانت مثل هذه الجماعات الإرهابية قد دفعت ببعض الشباب إلى الإلحاد فإن هذا يعني أن هذه المؤسسات لا تقوم بواجبها ودورها على أكمل وجه وأن هؤلاء الشباب غير المتدين بالأساس أو على الأقل غير المتعمق في العلوم الشرعية تعاطى مع هذه الجماعات كونها تمثل الإسلام فيما غابت هذه المؤسسات عن الساحة على الرغم من أنه يفترض أن تقوم هي بتصحيح المفاهيم والرد على ما يثار من شبهات وتبرئة ساحة الإسلام وتعاليمه مما يرتكبه البعض من المنتسبين له.. لكن الحقيقه أن مؤسسة الأزهر والهيئات التابعة له تشارك هي الأخرى بشكل أو بآخر في حالة تنفير الشباب من الإسلام وذلك للكثير من الأسباب لعل من بينها سلوك بعض المحسوبين عليه وانخراط البعض من دعاته وعلمائه في الصراع السياسي وإصدارهم فتاوى تشعر متابعيها بأنها فتاوى مفصلة لا تستند إلى دليل شرعي وأنها ليست إلا محاولة لإرضاء السلطة لتحقيق تطلعات خاصة بأصحابها.

بل والأسوأ أن يكون من بين الملحدين والمروجين للإلحاد طلاب وأساتذة في جامعة الأزهر وهو الأمر الذي لم يعد خافيا على أحد بل أصبح حديثا متداولا عاما بين الجميع يتحدثون به علانية وهو بالطبع أمر مثير للحيرة والأسف فمثل هؤلاء لا يفسر موقفهم على الفهم الخاطئ للدين أو أنهم يفتقدون القدرة على كشف التباين بين ما يسلكه البعض من المنتسبين للدين الإسلامي من سلوكيات عنيفة وخاطئة وبين الإسلام وتعاليمه وعليه فإن ثمة خللا كبيرا يجب أن تلتفت له وفورا مؤسسة الأزهر الشريف كونها المنوط بها أصلا الدفاع عن الإسلام وقواعده.

الدوافع والأسباب

قضية الإلحاد بمعنى إنكار وجود إله - الذي هو أحد أشكال الكفر- واحدة من القضايا القديمة المتجددة ذلك أنه لم يخل منها عصر أو حقبة تاريخية ما كان دافعا للمجتهدين والعلماء المسلمين للرد عليهم والاجتهاد في فهم الآيات القرآنية التي تناولت شبهاتهم ليس فقط لإقناع الضآلين أو الملحدين بالعودة ولكن أيضا للمشاركة في تحصين الآخرين من الوقوع في هذا الفخ.

وبطبيعة الحال ظلت هناك أسباب واحدة تتكرر مع كل زمان وعصر تعلقت هذه الأسباب بأوهام ومزاعم فلسفية تبناها البعض فوصلت بهم إلى حد الكفر والإلحاد.

وعلى الرغم من أنه تم تناول مثل هذه القضايا ورد وتفنيد ما أوقعته من إشكاليات أثارت البلبلة والتشكيك إلا أن الجهل بهذه الردود لدى البعض دفع بهم إلى هاوية الإلحاد.

في المقابل فقد تجددت أسباب ودوافع أخرى مع كل مرحلة تاريخية وفق ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية خاصة وهو الأمر الذي يحتاج إلى كثير من جهد العلماء والدعاة والباحثين في محاورة الفئات الواقعة تحت تأثير هذه الظروف والتي يمكن أن تودي بهم إلى هاوية الإلحاد.

ولعل استقراء الكثير من التجارب لمن أعلنوا إلحادهم تكشف عن أن فارقا كبيرا بين الدافع للإلحاد في السابق والإلحاد في الوقت الراهن فمبررات الإلحاد لم تعد فلسفية كما كان عليه الأمر بل ارتبطت بالكثير من إنكار بعض القيم الإسلامية بل وأحيانا السلوكية سواء كان الصحيح منها أو الخطأ أو الذي عبر عن اجتهاد لدى بعض الشخصيات الإسلامية معتبرين أن هذه الشخصيات حجة على الإسلام رغم أن المبدأ الإسلامي نفسه أن (الرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بالرجال).

ومن أبرز الأسباب وراء الإلحاد في العصر الحديث:

1-  المحاولات الدائمة والمتكررة من قبل القوى الدولية والأنظمة العربية والإسلامية لشيطنة الإسلاميين.

2- الدور الخبيث الذي تلعبه بعض المؤسسات البحثية ووسائل الإعلام لتشويه صورة الإسلام وإثارة الشبهات حوله.

3- إلهاء المسلمين بالعديد من وسائل اللهو لإبعادهم عن دينهم والانصراف عن العلم والدعاة.

4- تحطيم القدوات والتقليل من شأن الشخصيات الإسلامية والترويج إلى أن الفنانيين والمغنين هم القدوة التي يجب أن تحتذى.

5- تردي الأوضاع الاقتصادية والتباين الشاسع في المستويات المعيشية.

6- تصدر بعض غير الفاهمين للدعوة بما يتسمون به من خطاب منفر وسطحي وغير قادر على الرد على الشبهات.

7- طغيان المادية وتحكم الاقتصاد الرأسمالي.

8- الهزيمة الحضارية للعالم الإسلامي في مقابل التجبر الغربي المسيحي. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق