الأسرة المسيحية تحت المجهر قراءة في ثنائية المقدس واللاأخلاقي
الأثنين 22 ديسمبر 2014

 

 فاطمة عبد الرءوف- كاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

تعددت أوجه الإعجاز التي جاء بها ديننا الحنيف والتي جاءت متوافقة مع كونه الدين الخاتم الذي لن يأتي دين آخر لتكملته أو تصحيح بعض أحكامه وما يترتب على ذلك من ضرورة أن يستطيع الانسجام والتفاعل والإصلاح مع كل المتغيرات البشرية في طورها التاريخي النهائي وهو ما لا تستطيع أي نظرية أو فلسفة القيام به على مدار كل هذه القرون إلا أن تكون شريعة وعقيدة إلهية صحيحة فالخالق العظيم هو من يعرف حقيقة وكنه الإنسان وأغوار نفسه وما يستطيعه وما لا يستطيعه ومن ثم يقدم له التشريعات التي تُصلح أحواله ومعاشه.

نستطيع القول إذن إن الشريعة الإسلامية وما تضمنته من أحكام هي أحد أوجه الإعجاز الخالدة التي جاء بها الإسلام لأنها شريعة تتعامل مع واقع الإنسان بكل ميوله ومشاعره المعقدة وتسمو بها لاقصى درجات السمو التي يستطيعها وتجعل لذلك حدا أدنى يستطيعه كل إنسان بقليل من المجاهدة وحدا أقصى من يحاول تجاوزه يغوص في مستنقع الغلو والبدع.

ولو تحدثنا عن الجانب الاجتماعي تحديدا والتشريعات المتعلقة بالمرأة والأسرة وما إلى ذلك سنجد أكبر توضيح لهذا الإعجاز، ويتضح الأمر أكثر إذا استخدمنا المنهج المقارن فقارنّا بين التشريع الإسلامي في هذا الجانب وبين أي تشريع آخر وسنتناول في هذا المقال ذلك المنهج المقارن مع أحكام وشكل الأسرة المسيحية كما تمثلتها أدبيات الكنيسة القبطية المصرية.

الزواج للضعفاء

عندما يخلق المولى عز وجل دافعا في النفس البشرية لا يخلقه عبثا ولا يتركه هملا فإن استقامة الإنسان رهن بإشباع هذا الدافع بطريقة لائقة بمن كرمه المولى وأسجد له ملائكته وليس ثمة ما يخجل الإنسان منه وهو يسعى لإشباع دوافعه وفقا لمنهج خالقه. ومن الدوافع الفطرية الأصيلة الدافع الجنسي الذي نظر له الإسلام باحترام وسعى لإشباعه بصورة سوية حتى أنه اعتبر هذا الإشباع صدقة يؤجر عليها وفقا لقاعدة بسيطة ورائعة وهي أن كل أمر مباح وطبيعي إذا أشبع وفقا لمنهج الله يثاب عليه الإنسان، كما سيعاقب لو تم إشباعه بطريقة منافية للمنهج، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟، فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ») رواه مسلم.

في حين نظرت المسيحية باشمئزاز للدافع الجنسي واعتبرته موطن ضعف، ورأت أن الكمال يتأتى باستعلاء الإنسان عليه، يقول القديس أغسطين: (الآن يعمل الرجل أحسن لو أنه لم يتزوج حتى زوجة واحدة، إلا إذا كان لا يستطيع أن يضبط نفسه)، وإذا ترمل الرجل أو المرأة فعليه ألا يعيد هذه التجربة مرة ثانية لأن ذلك زواج غير المتعففين وبالتالي لن يباركه الكاهن وبدلا من ذلك سيصلي له صلاة الاستغفار، "وهكذا سمح بالزواج الثاني لغير المتعففين".

إن الذي يفكر في إحصان نفسه وتكرار تجربة الزواج يبعد ويعاقب، ( تأخذ الكنيسة إجراءات حازمة مشددة تجاه من يتزوج ثانية بعد وفاة زوجته الأولى.

أول تلك الإجراءات هو أنها تفرض عقوبة على المتزوج ثانية، بأن تبعده عن الكنيسة وعن تناول الأسرار المقدسة مدة من الزمن، شرحها القديس باسليوس الكبير في القانون الرابع من رسالته القانونية الأولى. فقال: "الذين تزوجوا للمرة الثانية، يوضعون تحت عقوبة كنسية لمدة سنة أو سنتين. والذين تزوجوا للمرة الثالثة لمدة ثلاث سنين أو أربع. ولكن لنا عادة أن الذي يتزوج للمرة الثالثة يوضع تحت عقوبة لمدة خمس سنوات، ليس بقانون وإنما بالتقاليد). والذي يتزوج ثانية يمنع من الكهنوت أما الذي يفكر في الزواج لثالث مرة فيعتبر من الأنجاس في زعمهم، ("الزيجة الثالثة هي علامة الغواية لمن لم يقدر أن يضبط نفسه. والأكثر من الثالثة هي علامة الزنا الظاهر والنجاسة التي لا تذكر"). بل بلغ التضييق والتعنت أنهم يحثون الأزواج على التضييق والكبت للحد الأقصى اللاإنساني، (" كل واحد منا ينظر إلى زوجته التي تزوجها حسب القوانين التي وضعت بواسطتنا، وهذه فقط لغرض إنجاب البنين، وكما أن الزارع يلقي بذاره في الأرض منتظرا المحصول، ولا يلقي فيها أكثر، هكذا معنا...").

(فليتحرروا أولا فترات قصيرة من قيد الزواج ويتفرغوا للصلاة. وعندما يذوقون حلاوة العفة، سيطلبون دوام تلك المتعة الوقتية [متعة البُعد عن المعاشرة]).

فأين هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِيعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وَجَاءٌ». رواه البخاري ومسلم.

وعندما جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي – صلى الله عليه وسلم – يسألون عن عبادة النبي – صلى الله عليه وسلم -، فلما أُخبِروا كأنهم تقالُّوها [أي: عدُّوها قليلة]، فقالوا: أين نحن من النبي – صلى الله عليه وسلم -؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا [أي: دائما دون انقطاع]، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر [أي: أواصل الصيام يومًا بعد يوم]، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.

فجاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" رواه البخاري ومسلم.  

نهى الإسلام إذن عن التشدد "لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم فى الصوامع والديار"، رواه أبو داود. فديننا يسر بسيط متوافق مع طبيعة النفس البشرية "إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه" رواه البخاري.

الزوجة الواحدة

(إن وحدة الزواج في المسيحية أمر مسلم به عند جميع المسيحيين في العالم كله على اختلاف مذاهبهم من أرثوذكس إلى كاثوليك إلى بروتستانت.

اختلفوا في موضوعات لاهوتية وتفسيرية كثيرة، واختلفوا في بعض التفصيلات في موضوع الأحوال الشخصية نفسه. أما هذه النقطة بالذات "الزوجة الواحدة"، فلم تكن في يوم من الأيام موضع خلاف. وإنما سلمت بها جميع المذاهب المسيحية، وآمنت بها كركن ثابت بديهي من أركان الزواج المسيحي.

فعلى أي شيء يدل هذا الإجماع، الذي استمر بين هذه المذاهب كلها طوال العشرين قرنا من بدء نشر المسيحية حتى الآن؟ واضح أنه يدل على أن هذا الأمر هو عقيدة راسخة ليست موضع جدل من أحد).

تبعا لفلسفة المسيحية في النظر للدافع الجنسي بازدراء كان من المنطقي أنه وفي حالة الضرورة لضعفاء الناس أن يتزوجوا حتى لا يقعوا في فاحشة الزنا، وكما سبق وأوضحنا فإنهم يسعون للتعفف حتى داخل هذه العلاقة الواحدة، بحيث لا يلجأ الزوجان للعلاقة الحميمة إلا في حالة الضرورة، كلون من الورع والترفع عن المتع الجسدية، وبلغ بهم الرفض لشريعة تعدد الزوجات أنهم رأوا فيه خطيئة تتجاوز الزنا ("تعدد الزواج بالنسبة إلينا، خطية أكثر من الزنا، فليتعرض المذنبون به للقوانين"، القانون 80 من الرسالة القانونية الثالثة للقديس باسيليوس، وذلك طبعا لأنه زنا دائم، وليس زنا عرضيا) إنهم يضعون الأمر في قالب فلسفي ولكنه هش للغاية ( قال لهم "أما قرأتم أن الذي خلق، من البدء خلقهما ذكر وأنثي". وقال "يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا؟ إذن ليسا بعدُ اثنان بل جسد واحد. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان" (متّى 19: 4-6).

 لا يستطيع جسد ثالث أن يدخل بينهما ويفرقهما -ولو إلى حين- ليوجد له اتحادًا -إلى حين- مع طرف منهما. لأن الزواج ليس متكونًا من ثلاثة أطراف بل من طرفين اثنين فقط، كما ظهر من كلام السيد المسيح، وكما تكرر التعبير بالمثنى في كلامه أكثر من مرة).

إذا كان الأصل أن يكون للزوج زوجة واحدة فإن ذلك لا يمنع من أن هناك عقبات كثيرة جدا قد تواجه هذا الزواج ..عقبات مادية ونفسية وصحية معقدة وضرورات متنوعة بتنوع الإنسان وجنسه البشري تجعل من الضروري أن يتخذ الرجل زوجة ثانية وربما أكثر، ولعل أشهر هذه الحالات عدم إنجاب الزوجة أو مرضها ولكن ثمة أسباب كثيرة خاصة قد تدفع بالقبول بتعدد الزوجات بضوابط كثيرة يأتي على رأسها العدل ولكن الكنيسة لا ترى الواقع ولا تريد أن تراه، ونظامها الاجتماعي كله لا يرتبط بالواقع قيد أنمله ولكنهم يصطدمون بتعدد زوجات الأنبياء كسيدنا إبراهيم وسيدنا يعقوب فيحاولون جاهدين ليّ أعناق الحقائق حتى يصلوا لشريعة الزوجة الواحدة فتارة يتعللون بالواقعية التي ينبغي أن تتحلى بها الشريعة (وكان من غير المعقول أن يعطي الله الناس شريعة فوق مستواهم لا يستطيعون تنفيذها) أفلا يرون أنهم أوقعوا الناس في عنت ولم يفكروا أن يقدموا أحكاما تناسب أتباعهم؟ وتارة يتحدثون عن مباركة الرب للنسل الكثير ("أعجيب"... بعد كل هذه المواعيد بكثرة النسل كنجوم السماء ورمل البحر... أن يتخذ إبراهيم له أكثر من زوجة؟! ظانًا في نفسه أن هذا قد يتفق ومشيئة الله في مباركة نسله)!

بل إنهم يحكون قصصا موغلة في القبح ولا تليق بالأنبياء ولا يرون في ذلك بأسا ولا انحطاطا ويتم تأويلها تأويلا روحانيا (وإنما تسرى إبراهيم في عصر خافت فيه ابنتا قريبه لوط من انقراض العالم بعد حرق سادوم وعمورا، وهرب هذه العائلة الصغيرة وحيدة في الأرض، فأسكرتا أباهما، وأنجبتا منه نسلًا دون أن يعلم (تكوين 19: 31-38)... ليس عن شهوة ولا دنس، وإنما رغبة في النسل، وخوفًا من انقراض الأسرة في الأرض).

 وتارة يغرقون في تفسيرات باطنية لا دلالة عليها وإنما هو ضرب من الخلط اللامعقول كعادتهم في عقائدهم أيضا (كانت زوجات الآباء الكثيرات رمزا لكنائس مستقبلة من شعوب كثيرة تخضع لعريس واحد هو المسيح . أما سر الزواج بواحدة في أيامنا، فيشير إلى وحدتنا جميعًا في خضوعنا لله، نحن الذين سنصبح فيما بعد مدينة سمائية واحدة").

الطلاق المحرم

ولعل أقسى ما يعانيه شعب الكنيسة هو معاناته مع قضية الطلاق فهم وقد قبلوا على مضض فكرة ضرورة الزواج لأبناء الكنيسة من العلمانيين، وقبِل المسيحيون بشريعة الزوجة الواحدة التي تم اجبارهم عليها دون سند واضح من نصوص الإنجيل المحرف الذي بين أيديهم ولكن عندما تضيق الحياة مع هذه الزوجة الواحدة وتنكسر كل رابطة ولا يبقى إلا الكره يعشش في القلوب تظل الكنيسة على اعتقادها بأسطورة الجسد الواحد الذي هو أحد  أسرارها السبعة ويبقى من يحصل على طلاق بحكم المحكمة ويتزوج ثانية يعامل كزان فاحش في نظر الكنيسة وشعبها وفي دولة كمصر لا يزال للكنيسة الأرثوذكسية المرقسية دور معتبر حيث لم يتم تجاوزها كما الكنيسة الكاثوليكية في أوربا، تتفاقم أزمة المطلقين ومن يرغبون في الطلاق دون أن تتعاطف الكنيسة مع قضيتهم العادلة بل بقيت في برجها العاجي تتحدث عن الجسد الواحد المقدس والمسكون بالرفض والكره في نفس الوقت، إنهم يستدلون على منع الطلاق بالنص التالي: 

(عندما أتى الكتبة والفريسيون يسألون السيد المسيح عن الطلاق ليجربوه، قال لهم "إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم، ولكن من البدء لم يكن هكذا" (متّى 19: 18) يفهم من هذا ضمنا أن السيد المسيح يهمّه أن ترجع الأمور إلى ما كانت عليه منذ البدء. لأن النظام الذي وضعه الله للبشرية منذ البدء كان هو النظام الصالح له، وإذا حادت البشرية عنه كان يجب أن ترجع إليه).

لقد ألغي الطلاق في العهد الجديد، إلا لعلة الزنا، لأن هذه الخطيئة بالذات تكسر جوهر الزواج من أساسه ـ الكنيسة الكاثوليكية ترفض الطلاق حتى لو ثبتت علاقة الزنا ـ فهل هذه الخطيئة فقط ما يكسر جوهر الزواج؟!

احتقار المرأة

على الرغم من أن الظاهر أن شريعة الزوجة الواحدة تقف في صف المرأة حتى لا تكون لها ضرة، وعلى الرغم من أن منع الطلاق قد يحمل نوعا من الأمان للمرأة إلا أن الحقيقة غير ذلك تماما فالمرأة التي قد تقضي أسبوعا من كل شهر في حالة حيض مخلوق نجس في شريعتهم بحيث ينبغي اجتنابها وعدم الاقتراب منها أو لمسها بل وحتى المرأة المستحاضة التي تصلي وتصوم ويجامعها زوجها في شريعتنا هي في نظرهم نجسة كالحائض تماما (أن مسها وهي "في نجاسة طمثها" يصبح هو أيضًا نجسًا إلى المساء وكذلك إن كانت ذات سيل، في غير أيام طمثها (لاويين 15: 19، 27).

وعلى نحو ما تساوت الأرملة والمطلقة والمدنسة والزانية، ولا يسمح العهد القديم للكاهن الأعظم بالزواج بها ويرى في ذلك الأنبا شنودة لمسة على طريق البتولية "هذا يأخذ امرأة عذراء أما الأرملة والمطلقة والمدنسة والزانية، فمن هؤلاء لا يأخذ بل يتخذ عذراء من قومه امرأة (لاويين 21: 13، 14). ولا يمكن في هذا الصدد أن ننسى اجتماع مجمع ماكون الكنسي لبحث ما إذا كانت المرأة روحا أم جسدا لا روح فيه عندما قرر رجال الكنيسة مجتمعون أن المرأة خلو من الروح الناجية – من عذاب جهنم – ما عدا أم المسيح عليه السلام.

فكيف يكون نصف الجسد الواحد خاليا من الروح الناجية ثم يتحدثون عن تشريعات تنصف المرأة فأين ذلك من قوله تعالى : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النحل :97.

السقوط اللاأخلاقي

يقول القديس باسيليوس الكبير (من آباء القرن الرابع الميلادي) في "رسالته إلى ديودورس" "إن عادتنا لها قوة القانون، لأن القواعد سلمت إلينا من أناس قديسين". لعل هذه العبارة الموجزة هي جوهر التشوه والانحراف الذي أصاب المسيحية. إنها ديانة تكونت عبر أجيال ممن يطلق عليهم القديسون فاسبغوا عاداتهم وأفكارهم ومشاعرهم وفلسفاتهم المختلطة بفلسفة اليونان والمعتقدات الباطنية الشرقية.

 وفي قضية الرهبنة والنظر للمرأة والزواج نستطيع تلمس آثار الديانة البوذية على المسيحية فهل يمكن مقارنة شريعة الله الحقة الذي يعرف دواخل الإنسان بشريعة ملفقة أو على أقل تقدير جاءت في زمن محدود لأناس بعينهم هم بنو إسرائيل الذين تغالوا في المادية فجاءت لإصلاح أحوالهم وليس لتكون مذهبا عالميا، والنتيجة الحتمية عندما طبقت هذه الشريعة أن استشرى الفساد بين من يزعمون القداسة.

 يكفي في هذا الصدد أن نذكر الراهبة الكندية الكاثوليكية ماريا مونك صاحبة كتاب (فضائح بشعة) التي تحكي فيه عن الجرائم البشعة والفحش الموجود في الدير حتى وصل الحال لأطفال يولدون من سفاح ثم يقتلون ويدفنون داخل الدير([1]).

وما فضائح القساوسة الجنسية التي هزت الكنائس الكاثوليكية ببعيدة، وما تستر الفاتيكان وتدميره للأدلة التي تدين القساوسة بالأمر الجديد ووفقا لاعترافات الحبر الأعظم في الفاتيكان فإن من بين الاثنين في المئة ـ وفقا لتقديره ـ المولعين جنسيًّا بالأطفال هناك قساوسة وأساقفة وكرادلة. أما الآخرون -وهم كثيرون- فهم يعرفون لكنّهم يتكتمون على الأمر.

إن عشرات الألوف من الأطفال تعرضوا، على نحو ما، لتحرشات من القساوسة حتى أنهم أسسوا شبكة أطلق عليها "شبكة الناجين من تحرش القساوسة".

والأمر في الكنيسة القبطية ليس بأحسن حالا فالسبب الحقيقي وراء قيام الكنيسة المصرية بمنع قيام فتيات وسيدات الأقباط بارتداء البنطلونات أو وضع المكياج داخل الكنائس، هو تزايد حالات التحرش داخل الكنائس والأديرة والتي وصلت إلى حد الاغتصاب في بعض الحالات، وذكروا أن هناك عدة حالات من تحرش رجال الكنيسة من القساوسة والرهبان بالفتيات والسيدات داخل الكنائس والأديرة أو في الرحلات السياحية التي تقوم بها الكنائس إلى الشواطئ والقرى السياحية، وهو الأمر الذي تزايد بشكل كبير في الآونة الأخيرة.

وقد انتشرت صور فاضحة لعدد من القساوسة والرهبان المصريين وهم في أوضاع مخلة مع بعض الفتيات والسيدات، وهو الأمر الذي أزعج قيادات الكنيسة المصرية واعتبروه تهديدا حقيقيا لسمعة الكنيسة ورجال الدين المسيحي.

هكذا تحول الغلو في السمو والاستعلاء على ضرورات الجسد لسقوط لا أخلاقي مروع بينما نرى إعجاز شريعتنا الإسلامية في حالة التوازن والانسجام بين الواقع البشري بضروراته والسعي الحثيث نحو المثالية والكمال في وحدة واحدة.

 الغلو في المثالية والسعي للقداسة يؤدي لنتيجة عكسية وهي التردي في المطلق اللا أخلاقي ومن ثم فواقعية الإسلام في التعامل مع النفس البشرية والسعي للتوازن بين التشبع بالقيم العليا وإشباع الغرائز البشرية الطبيعية بطرق سوية هو المنهج الاجتماعي المثالي الممكن الذي تحتاجه البشرية.

* جميع النقول المتعلقة بالكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد وآراء القديسين نقلا عن كتاب "شريعة الزوجة الواحدة" للأنبا شنودة، رأس الكنيسة القبطية المصرية السابق.

 



[1] - نقلا عن مقال "أنين من باطن الأرض" لفيصل بن علي الكاملي.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق