سطور من الذاكرة\العدد مائة وواحد وأربعون - ربيع الأول 1436 هـ
الوجه الآخر - 14- عبد الحسين شرف الدين
الأثنين 22 ديسمبر 2014

سلسلة تتناول شخصيات شيعية معاصرة الْتبست حقيقتها على أهل السنة، فتكشف عن المجهول من معتقدها وفكرها، ونظرتها إلى السنة وأهلها.

14- عبد الحسين شرف الدين

إعداد: هيثم الكسواني - كاتب أردني                            

خاص بالراصد

يَصلح عبد الحسين شرف الدين أن يُضرب كمثال على التدليس والتزوير، ففي الوقت الذي كان يتفق فيه مع علماء السنة على إجراء خطوات لتحقيق الوحدة بين المسلمين، والتقريب بين السنة والشيعة كان يؤلف الكتب والمقالات للإساءة إلى الصحابة وأهل السنة، واعتبار أن الحق هو ما عليه الشيعة دون غيرهم.

وتَوّج عبد الحسين تدليسه وتزويره باختلاق كتاب "المراجعات" ونسبته إلى شيخ الأزهر، كطريقة جديدة لإثبات صواب مذهب الشيعة، وبطلان ما عليه أهل السنة، وهو ما يستدعي الحديث عن كتاباته وآرائه، وتحريفاته، وتوضيح "الوجه الآخر" له.

أولاً: نشأته وحياته

ولد عبد الحسين يوسف جواد العاملي، الشهير بعبد الحسين شرف الدين، في مدينة الكاظمية بالعراق، في سنة 1290هـ (1873م)، حيث كان والده قد انتقل من لبنان إلى العراق للدراسة في مدن الشيعة، وهناك تزوج من ابنة هادي الصدر، أحد شيوخ الشيعة آنذاك.

وتضطرب المعلومات بعض الشيء عن نشأته، فمِن قائل إنه ظل في العراق حتى سنة 1905م، أي أنه قضى فيها 32 سنة، ثم عاد إلى لبنان، إلى قائل إنه عاد إلى لبنان، ودرس مرحلة المقدّمات عند والده في لبنان، وعندما بلغ عمره سبعة عشر عاماً سافر إلى العراق لإكمال دراسته في حوزة النجف والحوزات الأخرى المنتشرة في مدن العراق، لكن المعلومات تتفق على عودته إلى بلده لبنان بعد حصوله على مرتبة "الاجتهاد" في سنة 1905م.

وعلى كلّ حال، درس عبد الحسين في العراق على يد عدد من علماء الشيعة، منهم: محمّد طه نجف، وإسماعيل الصدر، وفتح الله الإصفهاني المعروف بشيخ الشريعة، ومحمّد كاظم الخراساني المعروف بالآخوند، ومحمّد كاظم الطباطبائي اليزدي، وحسين النوري الطبرسي، ومحمّد صادق الإصفهاني، وحسن الكربلائي، وحسن الصدر.

وبعد عودته إلى لبنان، أخذ عبد الحسين يعمل لصالح طائفته، ويؤسس لها المشاريع، فأسس المدرسة الجعفرية في مدينة صور في العام 1938م كما ساهم في بناء مدرسة الزهراء، وأسّس نادياً سمّاه) نادي الإمام الصادق) للاحتفالات الدينيّة والمحاضرات الثقافيّة. وأسّس (جمعيّة البرّ والإحسان) كما ساهم في تأسيس (الجمعية الخيرية الجعفرية.( وأسس الكليّة الجعفرية، كما أسس الروضة الجعفرية للأطفال بقسميها البنين والبنات.

وكان عبد الحسين من أوائل العلماء الشيعة الذين التفتوا إلى المهاجرين اللبنانيين في أفريقيا فأرسلوا المبلّغين إلى هناك وكان في مقدمتهم ولداه صدر الدين و جعفر.

وترك عبد الحسين الكثير من المؤلفات، التي يدور معظمها حول الترويج للتشيع وإثبات صوابه وأحقيته بالاتباع، والطعن في الصحابة، إضافة إلى بعض الكتب "الدعائية" حول موضوع الوحدة بين المسلمين، والتقريب بين السنة والشيعة، ومِن هذه المؤلفات: المراجعات، الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء، المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة، سبيل المؤمنين (ثلاثة مجلدات في الأئمة وأحوالهم ومناقبهمالنصوص الجلية في إمامة العترة الزكية، تنزيل الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة ، مختصر الكلام في مؤلفي الشيعة من صدر الإسلام، الأساليب البديعة في رجحان مآتم الشيعة، أبو هريرة، وغيرها.  

توفى عبد الحسين في مدينة صور سنة 1377هـ (1957م)، وعلى عادة الشيعة، نُقل جثمانه إلى النجف، ليدفن بجوار ضريح علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ثانيا: دعوة التقريب

كان عبد الحسين شرف الدين أحد الذين تظاهروا بالرغبة في تحقيق الوحدة الإسلامية وإحداث تقريب بين السنة والشيعة، ولا يخفى أن الشيعة اتخذوا الوحدة والتقريب ستارا لاقتحام المجتمعات السنية، ونشر التشيع بها، مستغلّين غفلة بعض علماء السنة أو حسن نواياهم، إضافة إلى أن عبد الحسين لم يكن يسعى إلى محاربة عوامل الخلاف والابتعاد من خلال تنقيح مذهب الشيعة مما به من انحراف وبدعة ليصبح جمع الأمة على كتاب ربها عز وجل وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم ممكنا، بل كان يصدر الكتب تلو الكتب في الطعن في الصحابة، وتبني عقائد الشيعة المنحرفة، وهو ما سنتناوله بعد قليل.

وللشيخ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله، والذي كان مراقبا لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، تجربة "مرّة" مع عبد الحسين حول التقريب يرويها في كتابه "السُّنة ومكانتها في التشريع الإسلامي"، إذ يقول د. السباعي:

"في عام 1953 زرتُ عبد الحسين شرف الدين في بيته بمدينة صور في جبل عامل، وكان عنده بعض علماء الشيعة، فتحدثنا عن ضرورة جمع الكلمة وإشاعة الوئام بين فريقي الشيعة وأهل السنة، وأن من أكبر العوامل في ذلك أن يزور علماء الفريقين بعضهم بعضاً، وإصدار الكتب والمؤلفات التي تدعو إلى هذا التقارب.

وكان عبد الحسين رحمه الله متحمساً لهذه الفكرة ومؤمناً بها، وتم الاتفاق على عقد مؤتمر لعلماء السنة والشيعة لهذا الغرض، وخرجتُ من عنده وأنا فرِح بما حصلت عليه من نتيجة، ثم زرتُ في بيروت بعض وجوه الشيعة من سياسيين وتجار وأدباء لهذا الغرض، ولكن الظروف حالت بيني وبين العمل لتحقيق هذه الفكرة، ثم ما هي إلا فترة من الزمن حتى فوجئت بأن عبد الحسين أصدر كتاباً في أبي هريرة مليئاً بالسباب والشتائم!!

...

لقد عجبتُ من موقف عبد الحسين في كلامه وفي كتابه معاً، ذلك الموقف الذي لا يدل على رغبة صادقة في التقارب ونسيان الماضي، وأرى الآن نفس الموقف من فريق دعاة التقريب من علماء الشيعة، إذ هم بينما يقيمون لهذه الدعوة الدور، وينشئون المجلات في القاهرة، ويستكتبون فريقاً من علماء الأزهر لهذه الغاية، لم نر أثراً لهم في الدعوة لهذا التقارب بين علماء الشيعة في العراق وإيران وغيرهما، فلا يزال القوم مصرّين على ما في كتبهم من ذلك الطعن الجارح والتصوير المكذوب لِما كان بين الصحابة من خلاف، كأن المقصود من دعوة التقريب هي تقريب أهل السنة إلى مذهب الشيعة، لا تقريب المذهبين كلٍّ منهما إلى الآخر".

ويضع د. السباعي أمامنا خلاصة نظرة عبد الحسين للصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه، المتمثلة "بأن أبا هريرة رضي الله عنه كان منافقاً كافراً وأن الرسول قد أخبر عنه بأنه من أهل النار!".

ثالثا: موقفه من الصحابة

إن معرفة ما يُكنّه عبد الحسين للصحابة من كُره وحقد، واتهامهم بأسوأ الصفات ليس بالأمر الصعب، فكُتبه طافحة بالكلام السيئ القبيح بحقهم، فعلى سبيل المثال، لم يجعل مذمةً ولا نقيصةً إلاّ وضعها في أبي هريرة رضي الله عنه، فقال فيه:

-       "غامض الحسب، مغمور النسب، ..".

-       وإنه نشأ "جاهلياً لا يستضيء بنور بصيرة، ولا يقدح بزناد فهم، صعلوكاً قد أخمله الدهر ويتيماً أزرى به الفقر. يخدم هذا وذاك وتى وتلك مؤجراً نفسه بطعام بطنه حافياً عارياً. راضياً بهذا الهوان، مطمئناً إليه كل الاطمئنان..".

-        "أخلص أبو هريرة لآل أبي العاص وسائر بني أمية على عهد عثمان، واتصل بمروان وتزلف إلى آل أبي معيط، فكان له بسبب ذلك شأن، ولاسيما بعد يوم الدار إذ حوصر عثمان فكان أبو هريرة معه. وبهذا نال نضارة بعد الذبول ونباهة بعد الخمول".

-       "أكب بعدها بنو أمية وأولياؤهم على السماع منه. فلم يألوا جهداً في نشر حديثه؛ والاحتجاج به. وكان ينزل فيه على ما يرغبون".

-        "وقد كثر وضع الحديث في تلك الدولة حسبما اقتضته دعايتها، وأوجبته سياستها في نكاية الهاشميين، وكثرت الكذابة يومئذ على رسول الله كما أنذر به صلى الله عليه وآله، وتطوروا فيما اختلقوه من الحديث حسبما أوحى اليهم وكان أبو هريرة في الرعيل الأول من هؤلاء، فحدث الناس في الفضائل أحاديث منكرة".

أما بقية الصحابة رضي الله عنهم فلا يختلف موقفه منهم عن موقفه من أبي هريرة رضي الله عنه.

رابعاً: المراجعات.. قمة التزوير

"المراجعات" كتاب ألّفه عبد الحسين شرف الدين، وادّعى أنه حصيلة مناقشات ومراسلات جرت بينه وبين شيخ الأزهر السابق سليم البشري (ت: 1916) رحمه الله، وقد أصدر شرف الدين هذا الكتاب بعد وفاة البشري بربع قرن، وأظهره فيه بمظهر الجاهل بمذهبه، والمنبهر بشبهات شرف الدين، والمقرّ له على مذهبه.

وقد بيّن المحققون والباحثون كذب هذه المراجعات، وعدم صحة نسبتها إلى الشيخ البشري، كما رفضت أسرة الشيخ الكتاب وتبرّأت منه. يقول الشيخ الدكتور علي السالوس في كتابه (مع الإثنى عشرية في الأصول واالفروع): "عبد الحسين الذي افترى كتاب المراجعات أراد أن يبين أن علامة أهل السنة وشيخ أزهرهم، والذي جاوز الثمانين من عمره، جاهل بالكتاب والسنة معا، حتى بالكتب التي تدرّس لطلاب الأزهر، ويسلّم بكل ما يقوله هذا الرافضي الشاب الطريد الذي لجأ إلى مصر، فلا ينتهي الكتاب المفترى حتى ينطق ويشهد شيخ الأزهر – وحاشاه ثم حاشاه- بما ينطق به غلاة الروافض! وإذا كان هذا هو حال الإمام الأكبر فعلى الباقي جميعا أن يسلّموا تسليما، وأن يعود الأزهر شيعياً كما بدأ!".

واستغل الشيعة هذا الكتاب لتسويغ مذهبهم وتسويقه في أوساط أهل السنة، وهو من أوائل الكتب التي تُعطى للمتشيعين، والذين يرغب الشيعة بدعوتهم إلى مذهبهم، وللشيعة أيضا، ويكفي للتدليل على ذلك بما ذكره الباحث الشيعي أحمد الكاتب في كتابه (الشيرازي: المرجعية في مواجهة تحديات التطور) من أن المرجع الشيعي الإيراني محمد المهدي الشيرازي (1928 - 2001م) طبع ونشر خلال تسع سنوات قضاها في دولة الكويت أكثر من 100 ألف نسخة من (المراجعات).

خامساً: موقفه من التراث الشيعي

لم يبذل عبد الحسين أدنى جهد لتنقية التشيع مما فيه من انحراف وبدعة، كي يكون التقريب والوحدة ممكنين، بل نجده في كتبه يصرّ على طامّات الشيعة، ومنها تقديسه للكتب الأربعة، التي حوت الغث قبل السمين، وضمّت مختلف أنواع الشرك والانحراف والزندقة، مثل القول بتحريف القرآن الكريم، والغلو في علي والأئمة وتأليههم، وكُفر من لم يعتقد بالإمامة.

 فبعد أن أشار إلى الأصول الأربعمائة، قال (في المراجعة رقم 110): "وأحسن ما جُمع منها الكتب الأربعة التي هي مرجع الإمامية في أصولهم وفروعهم من الصدر الأول إلى هذا الزمان، وهي: الكافي، والتهذيب، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه، وهي متواترة ومضامينها مقطوع بصحتها، والكافي أقدمها وأعظمها وأحسنها وأتقنها، وفيه ستة عشر ألف ومئة وتسعة وتسعون حديثاً، وهي أكثر مما اشتملت عليه الصحاح الستة بأجمعها،..".

موقفه من أهل السنة وعلمائهم

يرى عبد الحسين أن الحق هو ما عليه الشيعة وحدهم على اعتبار أن أئمتهم "معصومون" بخلاف الأئمة الأربعة عند أهل السنة، حيث ينتقصهم عبد الحسين أشد الانتقاص، ومِن ذلك قوله (في المراجعة رقم 110): "فإنا لا نعرف أن أحداً من مقلدي الأئمة الأربعة مثلاً، ألف على عهدهم كتاباً في أحد مذاهبهم، وإنما ألّف الناس على مذاهبهم، فأكثروا بعد انقضاء زمنهم، وذلك حيث تقرر حصر التقليد فيهم، وقصر الإمامة في الفروع عليهم، وكانوا أيام حياتهم كسائر من عاصرهم من الفقهاء والمحدثين، لم يكن لهم امتياز على من كان في طبقتهم، ولذلك لم يكن على عهدهم من يهتم بتدوين أقوالهم، اهتمام الشيعة بتدوين أقوال أئمتها المعصومين ـ على رأيها ـ فإن الشيعة من أول نشأتها، لا تبيح الرجوع في الدين إلى غير أئمتها، ولذلك عكفت هذا العكوف عليهم، وانقطعت في أخذ معالم الدين اليهم، وقد بذلت الوسع والطاقة في تدوين كل ما شافهوها به،...

أما الأئمة الأربعة فليس لهم عند أحد من الناس منزلة أئمة أهل البيت عند شيعتهم، بل لم يكونوا أيام حياتهم، بالمنزلة التي تبوأوها بعد وفاتهم". 

  

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق