الأزهر.. حصان طروادة الإيراني لاختراق القاهرة
الأثنين 22 ديسمبر 2014

 المعتز بالله محمد – كاتب مصري

خاص بالراصد

تثير مشاركة وفد إيراني برئاسة أحمد المبلغي، رئيس جامعة المذاهب الإسلامية الإيرانية، في مؤتمر الأزهر لمواجهة التطرف والإرهاب الذي عقد مطلع شهر ديسمبر بالقاهرة كممثل رسمي عن إيران الكثير من التساؤلات حول أبعاد التقارب المصري الإيراني، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية التي تعصف بالمنطقة، وما يمكن أن يعكسه هذا التقارب على التمدد الشيعي في مصر، إضافة إلى الدور الذي تلعبه مؤسسة الأزهر في هذا الصدد.

عهد السيسي

في الحقيقة لم يكن هذا التقارب وليد الصدفة أو تزايدت وتيرته بعد ظهور وتمدد تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية، والذي تشارك إيران بقواتها في محاربته بالعراق وسوريا، بل يمكن التأريخ له بوصول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للسلطة منتصف 2014، والذي دعا الرئيس الإيراني حسن روحاني لحضور حفل تنصيبه، وبعث الأخير بمساعد وزير خارجيته للشئون العربية والأفريقية أمير حسين عبد اللهيان لحضور الحفل.

صحيح أن الرئيس السابق محمد مرسي زار إيران خلال فترة حكمه التي لم تزد عن العام، إلا أن جماعة الإخوان المسلمين ظل يُنظر إليها من قبل إيران والشيعة بوجه عام على أنها تمثل تهديدا استراتيجيا للمشروع الشيعي في المنطقة.

سياسات جديدة

السيسي -وبعكس مرسي- تبنى حزمة سياسات نظرت إليها إيران بعين الرضا، كإعلان تأييده النظام الشيعي الطائفي في العراق، وهو ما جاء على لسان وزير الخارجية سامح شكري الذي قال إن "مصر أكدت أنها على استعداد لتوفير كل الدعم للحكومة العراقية (لقتال داعش) وهناك  بالفعل مساعدات قدمت" وذلك دون أن يتطرق لعمليات التهجير والقتل على الهوية التي تقوم بها المليشيات الشيعية في العراق، أو التلميح من قريب أو بعيد إلى التدخل العسكري الإيراني في العراق.

وكذلك لعب موقف النظام المصري الجديد من الثورة السورية وبشار الأسد دورا هاما في طمأنة الإيرانيين، فبعكس مرسي الذي قطع العلاقات الدبلوماسية مع نظام الأسد، أعاد السيسي تلك العلاقات بشكل هادئ لا يسمح أيضا بإثارة غضب السعودية التي تعد أكبر الداعمين لنظامه من الناحية الاقتصادية.

ففي 14 سبتمبر 2014 شارك النظام السوري بوفد من أربعة أعضاء لأول مرة منذ قرار تجميد عضوية بلاده بالجامعة العربية، في مؤتمر، حمل اسم  "المؤتمر العربي الثاني للحد من مخاطر الكوارث" والذي انطلق في مدينة شرم الشيخ المصرية.

وعمد النظام الجديد في مصر إلى تقييد حركة المعارضة السورية في القاهرة، وطرد لاجئين سوريين، بل إن الجيش المصري سمح بعد شهرين تقريبا على الانقلاب الذي أطاح بمرسي وجماعته بخروج مظاهرة مؤيدة لنظام الأسد في ميدان التحرير وسط مدينة القاهرة، والذي كان ولا يزال مغلقا أمام المتظاهرين المصريين المناوئين للنظام العسكري.

متغير آخر لعب دورا هاما في التقريب بين طهران والقاهرة وهو تقارب مصر مع روسيا أحد أقوى وأهم حلفاء إيران في العالم، وذلك في ظل الفتور الذي ساد العلاقات المصرية الأمريكية فيما بعد الانقلاب العسكري، حيث وقّعت مصر صفقة ضخمة لشراء أسلحة روسية، كانت المفارقة أنها بأموال سعودية. كذلك تزايدت مجالات التعاون بين البلدين، في مختلف المجالات الصناعية والتكنولوجية والسياحية، إضافة لمجال الطاقة.

الفرصة مواتية

كل هذا كان مقدمة لحدوث تقارب جارف بين مصر وإيران التي اتخذت من مؤسسة الأزهر على ما يبدو حصان طروادة لدخول القاهرة، وهو ما يتجلى في قصائد الغزل التي كتبها مسئولون إيرانيون في الأزهر، والتعويل عليه لترسيخ "التعايش السلمي" بين المذاهب الإسلامية، و"نبذ الفكر المتشدد والتكفيري".

نعود لمؤتمر الأزهر، والذي حظي خلاله أحمد المبلغي رئيس وفد إيران بحفاوة بالغة من قبل شيخ الأزهر أحمد الطيب، إضافة لاهتمام إعلامي مصري كبير، دفع المبلغي لرد الجميل بالقول "إن مؤتمر الأزهر لمواجهة التطرف والإرهاب وضع القاهرة في مركز الاهتمام" وهنا بالطبع يقصد الاهتمام الإيراني.

وما إن عاد المبلغي لبلاده حتى أخبر مسئوليه هناك بأن الأجواء باتت مواتية أكثر من أي وقت مضى للتقارب مع مصر، حيث التقى مؤخرا المرجع الإيرانى آية الله مکارم الشيرازي، وأطلعه على تفاصيل ما جرى في القاهرة، وفي نهاية اللقاء خلص الشيرازي إلى استنتاج عبّر عنه في تصريحات قال فيها "أصبحت الفرصة متوفرة لتقارب العلاقات بين مصر وإيران". مضيفا "لابد أن نغتنم الفرص المتوفرة للتقريب بين الدول الإسلامية رغم محاولات الأعداء ومواقف بعض المجموعات المتطرفة".

الأزهر في قُم

لكن لم تكن مشاركة الوفد الإيراني في مؤتمر الأزهر سوى تتويجا لمراحل سابقة، جرى خلالها ترسيم ملامح مرحلة التوغل الشيعي الإيراني في مصر عبر الأزهر، الذي اعترف المبلغي خلال زيارته للقاهرة بارتباطه بعلاقات صداقة مع شخصيات ذات ثقل بداخله.

ولعل كشف وكالة أنباء الحوزة الشيعية الرسمية في إيران النقاب عن زيارة قام بها وفد من علماء الأزهر، برئاسة الشيخ أحمد محمود كريمة للحوزة الشيعية في قم، في سبتمبر الماضي، يمثل فقط القليل مما يتم الكشف عنه في هذا الصدد.

 كريمة الذي تفقد المؤسسات الإعلامية والدينية في قم، وأثنى على جهود الحوزة وتطور المؤسسات الإعلامية التابعة لها، طالب رئاسة الحوزة أن تقوم بنقل تجاربها ونشاطاتها إلى الدول العربية والإسلامية، وليس فقط داخل حدود إيران.

 وقدم الشيخ الأزهري - بحسب الوكالة الإيرانية - مشروعا للتعاون والعمل المشترك بين الحوزة الشيعية الإيرانية وجامعة الأزهر، وذلك في مجالات كثيرة، إضافة إلى اقتراح إقامة المؤتمرات المشتركة لمواجهة ما سماه بالتطرف الإسلامي.

 وكان كريمة، أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر، قد أكد في تصريحات صحفية أدلى بها في أكتوبر الماضي أن الأزهر يقر بالتنوع المذهبي المعتمد في العالم الإسلامي، بما فيه المذاهب الشيعيّة؛ ولديه علاقات بالمؤسّسات الشيعية الزيدية في اليمن، والشيعية الإمامية الجعفرية سواء كان في لبنان أم في العراق أم في إيران.

وكشف عن لقاءات جمعت بين مفتي الديار المصرية ووكيل الأزهر الشريف بمرجعيات شيعية إيرانية بارزة في لبنان، وسبقها زيارات لطهران من علماء الأزهر وقرّاء القرآن الكريم وأساتذة جامعات، إضافة إلى الوفود الإعلاميّة.

الشيعة والبرلمان

كل هذه التطورات شجعت شيعة مصر على محاولة استغلال فرصة تقارب بلادهم مع إيران لتحقيق مكاسب سياسية، عبر اختراق البرلمان المرتقب. وكشف تقرير صادر عن أحد أجهزة المعلومات في مصر عن تمويل إيران الحملات الانتخابية لعدد من عناصرها المنتمين للمذهب الشيعي في مصر والذي يقدر عدد أتباعه بين 200 إلى 400 ألف شيعي بحسب بعض التقديرات.

التقرير قال إن إيران أغدقت الأموال على هؤلاء المرشحين منذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي لبناء قاعدة شعبية في محيط دوائرهم الانتخابية، تعتمد على تقديم المساعدات العينية للفقراء والمبالغ المالية الشهرية لأسر بأكملها، استعدادا للانتخابات البرلمانية القادمة. وذكر أسماء عدد من هؤلاء المرشحين من بينهم اثنان من رموز الشيعة في مصر هما الدكتور أحمد راسم النفيس، الأستاذ بجامعة المنصورة، وطاهر الهاشمي المتحدث الرسمي باسم الشيعة عن حزب "التحرير" الشيعي.

لكن "الصحوة" الشيعية لم تقف عند هذا الحد في مصر، فموقف الأزهر المشجع لكل ما هو شيعي دفع بعدد من قادة الشيعة إلى السعي للتواصل مع شيخ الأزهر لإحياء "عملية التقارب بين المذاهب" التي قادها الأزهر في الخمسينيات من القرن الماضي، وقال محمد الدريني رئيس تجمع آل البيت إن الشيعة يمثلون أعداء تقليديين لأفكار التكفير وإن ما يجمعهم بالأزهر أكثر مما يفرّقهم.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق