موقف الجماعات الاسلامية السودانية من (داعش).. جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة نموذجا
السبت 22 نوفمبر 2014

 

 محمد خليفة صديق

 

تباينت رؤى الجماعات الإسلامية في السودان من تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بداعش، وكان غالب هذه الجماعات يميل لانتقاد مواقف وطروحات تنظيم الدولة، إلا أن بعض هذه الجماعات أظهر تأييده للتنظيم، بل وبايع بعضهم خليفته أبا بكر البغدادي، وسنقف في هذا المقال على بعض تلك الآراء وبيان ماهية تلك الجماعات، وبعض من تاريخها وفكرها ووجودها في الواقع السوداني.

أما جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة بزعامة الشيخ سليمان عثمان أبو نارو، فهي جماعة إسلامية منشقة عن جماعة (الإخوان المسلمين) بالسودان، وترى أنها ثمرة لتطورات كثيرة مرت بها تلك الجماعة، حيث ظلت جماعة الإخوان بالسودان على منهاجها التقليدي المتعارف عليه حتى عام 1964م، ثم عصفت بها انشقاقات متعددة أبرزها انشقاق الجبهة الإسلامية القومية بزعامة حسن الترابي، وقد برز هذا الانشقاق تنظيميا في عام 1979م بقيام جماعتين: الأولى بقيادة الترابي أطلق عليها (الجبهة الإسلامية القومية)، والأخرى ظلت بنفس اسم الإخوان بقيادة الحبر يوسف نور الدائم.   

ثم وقعت مفاصلة أخرى داخل جماعة الإخوان، حيث خرجت مجموعة بقيادة سليمان أبو نارو وثلاثة من الإخوان من القيادة التاريخية للجماعة، وكان التنظيم العالمي قد أصدر قراراً بفصل أبو نارو من عضوية الجماعة، ومنذ عام 1991م ظهرت جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة، ويرى قادة الجماعة أن بقاءهم على اسم (الإخوان المسلمون) مع التباين المنهجي والمفارقات في المواقف والعلاقات وَحِدّة القطيعة التنظيمية وفجور الخصومة قد أعاق مسيرتهم وأربك علاقاتهم، مما دفعهم لوضع اسم جديد هو جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة.

ملامح منهج الجماعة:

تقول الجماعة في موقعها الرسمي على الإنترنت إنها تستمد مشروعيته من الاجتماع والائتلاف على إقامة الدين كواجب شرعي لقوله تعالى ( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ...) ولقوله صلى الله عليه وسلم : (وأنا آمركم بخمس: الجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد). حيث ترى الجماعة أن اجتماع طائفة من المسلمين – في حال غياب الإمامة العظمى – على أمير للقيام بما استطاعوا من واجبات الدين هو أمر واجب، لأن إنفاذ شرائع الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة والجهاد لا تتم إلاّ بالاجتماع والإمارة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما أن الاجتماع والائتلاف لنشر العلم ودفع الفساد وإقامة الدين أمر ممكن، وإن الناس لو تقاعدوا عن الممكن عَمَّ الفسادُ البلادَ والعبادَ.

وتدعو الجماعة للاجتماع على ما دلّت عليه لفظة الجماعة من الاعتصام بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابُهُ وأهلُ العلم والأتباع بعد الصحابة رضى الله عنهم والأخذ بإجماعهم. وواجب الجماعة حفظ الدين على أصوله الصحيحة، الكتاب والسنة وفهم سلف الأُمة، ودَفْع الإِحداث فيه.

وترى الجماعة أن تأمير الأمير على الجماعة واجب يدل عليه الكتاب والسنة وصحيح النظر، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ...). وقال صلى الله عليه وسلم: (فلْيُؤَمِّروا عليهم أحدهم) ، فكل من كان مطاعاً من عالم أو أمير فإنه من أولي الأمر، فعلى كل واحد من هؤلاء أن يأمر بما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم وينهى عما نهيا عنه، وعلى كل واحد ممن عليه طاعته أن يطيعه في طاعة الله ولا يطيعه في معصية الله، والواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربةً يُتقربُ بها إلى الله، فإن التقرب إليه سبحانه فيها بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من أفضل القربات.

وترى أن منهجها في التلقي والاستدلال يقوم على الكتاب وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة الشاملة لكل ما صدر عنه من قول وفعل وتقرير، والإجماع المعتبر من مجتهدي أهل الحق من المسلمين على حكم شرعي علمياً كان أو عملياً، وكذا القياس الصحيح وبقية القواعد المعتبرة عند جمهور أهل السنة، كالمصالح المرسلة وسد الذرائع وغيرها.

أما منهجها العقدي فتقول إنها تعتقد في الإيمان ما يعتقده أهل السنة والجماعة، من كونه يتركب من قول وفعل واعتقاد، لا يجزئ واحد منها عن الآخر، وأنه يزيد بالطاعات الفروعية الواجبة والمستحبة، وينقص بالمعاصي الفروعية، ويَنْتَقِضُ بزوال شيء من أصله أو إتيان شيء من أصل الكفر، وأن الإيمان على ثلاثة مراتب: أصل الإيمان، وواجبات الإيمان، ومستحبات الإيمان، وتتضمن كل مرتبة بعضاً من شعب الإيمان، وتقول أيضاً: "ونتجنب الطاغوت ونكفر به، وهو كل ما طغى وتجاوز حدَّه من متبوع أو معبود أو مطاع. وطاغوت كل قوم مَنْ يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله تعالى أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة الله تعالى، ومِن أطغى الطواغيت في عصرنا القوانين الوضعية والتشريعات الجاهلية".

وترى جماعة الاعتصام بالتفريق في التكفير بين الإطلاق والتعيين من حيث استيفاء الشروط وثبوت الفعل وانتفاء الموانع، حيث تقول: إن "في الباب أصلين: أحدهما: أن العلم والإيمان والهدى هو في ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وأن خلاف ذلك كُفْرٌ على الإطلاق ... والأصل الثاني: أن التكفير العام هو كالوعيد العام يجب القول بإطلاقه وعمومه، وأما الحكم على المعيّن بأنه كافر أو مشهود له بالنار، فهذا يتوقف على الدليل الخاص، والحكم فيه يقف على ثبوت الشروط وانتفاء الموانع. ويجوز تكفير الطوائف المتلبسة بالكفر والشرك من القبوريِّين والعلمانيِّين وغيرهم، وإنْ كان ذلك لا ينتظم أفرادهم ضرورة، لأن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المُعَيَّنِ إلاّ إذا وُجِدَتِ الشروط كما أسلفنا وانتفت الموانع.

وحول التصوف ترى الجماعة أن مصطلح التصوف لم يرد في الكتاب ولا في السنة، ولم يكن مشهوراً في القرون الثلاثة المفضلة وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك. وقد أُطلق في بادئِ الأمر على الزهد والإعراض عن زخارف الدنيا مع الورع والاشتغال بتهذيب النفس، وقد آل أمره إلى ما نراه في واقعنا من عامة المتصوفة من عباده المقبورين بدعائهم والاستغاثة بهم والنذر لهم والطواف بقبورهم، وإقامة الموالد والحَوْليات لهم مع اختلاط الرجال بالنساء، وترديد الأوراد البدعية، والإنشاد الشركي، وأكل ما ذُبح لغير الله من الذبائح المنذورة للمقبورين، واعتقاد قيام الأولياء من الأقطاب وغيرهم بتدبير الكون في حضراتهم المزعومة، واعتقاد وجود باطن وأسرار للدين غير ظاهرة، وأن بمقدور الشيخ والولي التصرف بالنفع والضُّر وإغاثة وإنجاد مَن استغاثه واستنجد به فيما هو من خصائص الربوبية، واعتقاد بعضهم بأفضلية أوراد الشيخ وأدعيتهم على القرآن الكريم أو السنة المطهرة. وترى الجماعة أن هذا كله لا يشك أحد من أهل الإسلام في أنه شرك وكفر أكبر مُخرِج من ملة الإسلام، وفسق وفجور وبدعة ما أنزل الله بها من سلطان سواءً سُمِّى تصوفاً أو غير ذلك، فالعبرة في الأمور بحقائقها لا بمسمياتها.

وترى الجماعة أن العمل لقيام جماعة المسلمين وخلافتهم التي تقيم الدين في الأرض وتحمي ثغور المسلمين وتنصب الإمام، كل ذلك واجب على المسلمين والعاملين للإسلام في كل مكان. وترى الجماعة أن الديمقراطية هي التطبيق العملي للعلمانية القائمة على تنحية الدين عن حياة الناس وحملهم على الخروج منه وتركه.

من هو أبو نارو:

انتمى الشيخ سليمان أبو نارو لجماعة الإخوان المسلمين في عام ‏‏1958م بعد أربع سنوات من التأسيس الرسمي للجماعة، ومنذ أن كان ‏يافعا كان عضوا نشطا بالجماعة الإخوانية المحلية بمدينة "بورتسودان" شرقي السودان، يقول أحد زملائه: "ظل أبو نارو على هذا المنوال من الفاعلية حتى انتقاله ‏المؤقت للخرطوم أواخر ستينيات القرن الماضي"، وعمل في تلك الفترة في جريدة الميثاق، لسان حال الجماعة، كما نشط في مكتب الطلاب".‏

وعند نشوب الصراع بين محور د. حسن الترابي من جهة، ومحور د. جعفر شيخ إدريس، ود. محمد ‏صالح عمر في الجهة المقابلة في مؤتمر 1969م الشهير انحاز الشاب أبو نارو يوم ذاك لمحور د.جعفر ‏شيخ إدريس، وعبّر أبو نارو عن مفارقته لجماعة الإخوان التي يقودها الترابي بالانضمام للجماعة الإخوانية ‏الجديدة التي أعلنها الدكتور الحبر يوسف نور الدائم في عام 1979 عقب المصالحة الوطنية بين الرئيس نميري ‏والإخوان المسلمين بقيادة الترابي 1977م.‏  

وأصبح أبو نارو أميرا لجماعة الإخوان المسلمين بالإقليم الشرقي، وتقول قيادات إخوانية إن الشيخ سليمان ‏أبو نارو فرض على أتباعه هناك منهجا تربويا رديفا للمنهج التربوي الذي كانت تتبناه الجماعة آنذاك، مما ‏جعل قيادة الجماعة في الخرطوم تتهمه بتبني منهج مغاير في خطوطه العريضة للمنهج المعروف والموروث ‏لدى الإخوان، بعدما رأوا أفكارا وآراء لم تُعهد من قبل عند الإخوان.‏

وفي عام 1991م تمكن الشيخ أبو نارو ومناصروه -الذين أحدثوا التحول المنهجي الأخير- من السيطرة على ‏مقاليد جماعة الإخوان المسلمين من خلال "المؤتمر العام" أعلى مؤسسات الجماعة.‏ وكانت القيادات التاريخية للإخوان وقتها ممثلة في الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد، والبروفيسور الحبر ‏يوسف نور الدائم، ود. عصام البشير لم تجد من خيار -لهذا السبب وأسباب أخرى- سوى رفض تلك النتيجة، ‏وتشكيل جماعة إخوان مسلمين أخرى، بعضوية محدودة جدا، بعد أن ذهب أبو نارو بالجماعة واسمها ‏وعضويتها.‏

وحول اتهام جماعة الإخوان له في بداية التسعينيات بأنه سلفي متخفٍّ في ثياب الإخوان؛ قال أبو نارو في ‏تصريحات لـ "إسلام أون لاين": "أنا لم آتِ للإخوان المسلمين من الشارع؛ فقد كنت أميرا للإخوان ‏المسلمين منذ دراستي الأولى في المدرسة، بالمعنى التنظيمي، أنا كنت أميرا للإخوان المسلمين، لكن إن كانوا ‏يقصدون أن الأخ المسلم هو الذي يتفق مع كل ما جاء به الإمام البنا؛ فأنا لست أخا مسلما بهذا الفهم، لكني ‏من الناحية التنظيمية كنت أخا مسلما منذ الصغر".‏

ولا ينفي الشيخ سليمان أبو نارو أن لتوجهات المجموعة الخاصة التي كانت تتبنى السلفية دورًا في حدوث ‏هذا الانشقاق كما بدا من قوله: "إن التيار السلفي داخل الجماعة بدأ يتمدد ويؤثر، ويكتسب مساحات جديدة، ‏وحاولنا أن نؤكد في تلك الفترة أن الإخوان المسلمين جماعة سلفية، بصريح عبارة الإمام البنا؛ فالبنا قال: ‏‏"نحن صدى الدعوة الأولى"، وسعينا لمعالجة خطأين وقعت فيهما الجماعة: عدم الاهتمام بالعقيدة في ‏استقطاب الأنصار والأعضاء، والخطأ الثاني هو عدم الاهتمام بالدعوة إلى اتباع السنة، بطرقنا المتكرر على ‏هذه النقاط بدأت الجماعة تتضايق من هذا التيار حتى اعتبروا هذا التيار دخيلا على جماعة الإخوان ‏المسلمين، فوقع الانفصال بيننا وبينهم في عام 1991م".‏

لكن أبو نارو يتهم التنظيم العالمي للإخوان المسلمين أنه حارب جماعته الوليدة، وأغلق أمامها كل أبواب ‏الدعم المادي والأدبي في كل أنحاء الدنيا.‏ ويرى بعض الذين غادروا جماعته أخيرا أن موقف التنظيم العالمي من الأزمة هو السبب الذي دفع بأبو نارو ‏نحو السلفية! حتى أصبح مبالغا في تبني المقولات والاختيارات الفقهية والعقدية التي تتبناها الجماعات ‏السلفية الجهادية؛ كالقول بحرمة المشاركة في الانتخابات انتخابا وترشيحا، ووجوب أن يكون الحاكم قرشيا، ‏وأن الحاكم يُختار مدى الحياة، والشورى مُعْلمة وليست ملزمة، وأن المقبول عقديا هو اختيارات محددة نصت ‏عليه الجماعة في مؤتمر علمي أقامته في أكتوبر 2001م، تضم 113 مسألة علمية!‏

وينفي الشيخ أبو نارو أي تأثيرات خارجية في هذا التحول "اللهم إلا المؤثرات العلمية؛ حيث ‏ظهرت عوامل مساعدة لنمو هذا التيار في الجماعة تدعو للالتزام بالسنة مثل مجهودات الألباني العلمية، ‏ومجهودات الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، والمدرسة السنية في السعودية".‏

وترى قيادة الجماعة المتحولة أن الجماعة جاءت "ثمرة لتطورات كثيرة مرت بها جماعة (الإخوان ‏المسلمين) في السودان، بدءا بمرحلة الترابي، ومرورا بمجموعة الإخوان -بقيادة الحبر نور الدائم- الذين ‏رفضوا المنهج الترابي، واستمسكوا بمعهودهم الإخواني؛ حيث لم يكونوا على رؤية واحدة ‏في إدراكهم للمنهج الحق المطلوب".‏

وترى قيادة جماعة الاعتصام أنهم "ما كانوا متفقين من حيث العموم على التزام منهج السلف الصالح ‏المنصوص عليه في ميثاقهم الرسمي"؛ فقد كان بعضهم يرى أن ما عليه الإخوان هو منهج السلف، وكان ‏البعض الآخر يرى وجوب تأصيل المنهج الإخواني وتنقيته بميزان أهل السنة والجماعة، فوقعت المفاصلة -‏‏1991م- مرة أخرى بين التيار العام في الجماعة بقيادة سليمان أبو نارو وثلاثة إخوان -هم: عصام البشير، ‏وصادق عبد الماجد، والحبر نور الدائم- يمثلون القيادة التاريخية للجماعة، وهنا، ولأول مرة تميز دعاة منهج ‏أهل السنة والجماعة في جماعة الإخوان في كيان منفصل يعمل باسم الإخوان حتى بعد أن أصدر التنظيم ‏العالمي قرارا بفصله من عضوية جماعة الإخوان المسلمين.‏

ويرى الشيخ عيسى مكي أحد القيادات التاريخية للإخوان في بيان أصدره قبيل استقالته من جماعة الشيخ سليمان أبو نارو في عام 2003م ‏أن عدم حسم اسم الجماعة ومنهجها "أقعد بالجماعة، وجعلها تتقلص حتى أصبحت اسما ومعنى وحقيقة ‏‏(جماعة أبو نارو)، ولم تعد هي جماعة الإخوان المسلمين الشرعية الوريثة للجماعة الأم التي انطلقت بعد ‏مؤتمر 1954م".‏

بعد المؤتمر العلمي ظهر بوضوح تياران في الجماعة: تيار إخواني، والتيار السلفي الجديد، وانتهى الخلاف ‏بين التيارين إلى انشقاق جماعة الإخوان المسلمين -جناح أبو نارو- إلى: جماعة الإخوان المسلمين- ‏الإصلاح، وجماعة يقودها أبو نارو، والتي غيرت اسمها لاحقا لـ "جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة".‏

وحول ما تبقى من منهج الإخوان المسلمين في جماعة الاعتصام يقول أبو نارو: "ظلت نظرتنا للسياسة هي ‏نفس نظرتنا السابقة باعتبار أن الحاكمية لله، وأن الإسلام لا ينفصل عن السياسة، لكننا لا نمارس الأعمال ‏السياسية التي تخالف الشرع، فنحن مثلا نرفض الديمقراطية، ونرفض إقامة أي علاقة مع الأنظمة السياسية ‏التي لا تحكم بما أنزل الله".‏

موقف الجماعة من (داعش):

أصدرت جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة السودانية في الأسبوع الأول من أكتوبر 2014م بيانا اعلنت فيه مساندتها للخلافة الإسلامية التى أعلنتها داعش، والتى وصفها البيان بـ (الطائفة المجاهدة) التى أقامت شريعة الله ومكّنت لدينه، وأحيت صرح الإمامة، ونصبت منارة الخلافة وأثخنت في أعداء الله ، مشيرة الى أن انتصارات داعش أفرحت عامة المسلمين، مما جعل دول الكفر تجلب بخيلها ورجلها وجمعت جموعها وأعلنت حربها على الإسلام ولم تكني، وقالت لن نسمح بإعادة الخلافة؛ لأنها خطر علينا..

ووصف البيان داعش بأنها من الطائفة المنصورة المقاتلة القائمة على دين الله الظاهرة على الحق المنافحة عنه بالعلم والبيان والسيف والسنان، وقال البيان: "من أبرز سمات تلك الطائفة أنها على الحق؛ على الكتاب والسنة وما كان عليه النبي وأصحابه، وأنها تقاتل عليه أعداء الله تعالى وأنها لا يضرها من خذلها من أهل الإسلام ممن ترجو نصرتهم إلا ما يصيبها من لَأْوَاء" .

وانتقد بيان "تأييد داعش" الحكومات التى ساندت الحملة عليها بالقول: "عوّدتنا هذه الحكومات دائما التخندق مع أعداء الإسلام مهما حورب الإسلام وأهله، وعودتنا خيانة المسلمين وبيعهم في أقرب مزاد وبأبخس الأثمان، وما فتئت تورط المسلمين في الردة عن الدين والانسلاخ عن شريعة رب العالمين بشتى ضروب الكيد والمكر والخديعة".

وواصل البيان قائلا:" فها هي ذي توالي طلعاتها الجوية بمباركات ودعوات علماء السوء والبطالة والجهالة فتحلق طائراتها في الأجواء تاركة أرض الإسراء المحتلة على مرمى حجر منها فتتجه يمنةً نحو الشام لتقصف المسلمين من مجاهدين وأطفال ونساء في طلعات عديدة متواصلة؛ لأن دولة الخلافة أخطر عليهم من اليهود، وأهلها أكفر من اليهود والنصارى وقتالهم أولى".

ورأى البيان أن مناصرة الكافرين على المسلمين هي أعلى درجات الولاء المخرج من الملة الناقض للإيمان الذي حكم رب العالمين بكفر متعاطيه مهما كانت الأسباب، رغبةً أو رهبة، مشيرا الى ما وصفه بإجماع من يعتد بإجماعه من المسلمين أن موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين من أصول الإيمان، وزاد: "مظاهرة الكافرين على المؤمنين ناقض من نواقض الإيمان".

وأعلن البيان تبرؤ جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة من ولاية الكافرين ومظاهرة حلف المشركين، منتقدة من يسوغ للحرب على تنظيم الدولة الإسلامية ضمن الحملة الصليبية العالمية بحجة جواز الاستعانة بالكفار، ورأى البيان أن مَن وصفهم بالتورط في تجويز قتال الدولة الإسلامية وتأييد الحملة عليها، هم صنفان: صنف يكفِّــر تنظيم الدولة الإسلامية ومن معها ومن يؤيدها، ويرى الأمر استعانة مسلمين بالكافرين لقتال المرتدين والملحدين، حيث اعتبر البيان أن من يقول بذلك: (مرجئة) على الحكام الطواغيت، و(خوارج) متسرعون في التكفير على من خالفهم من المجاهدين.

أما الصنف الآخر ممن لا يكفر الدولة الإسلامية والمجاهدين، ولكن يراهم بغاة وخوارج، فيستحل دماءهم بأسباب وهمية وجرائم لا تثبت؛ اخترعتها أجهزة الإعلام المعادية للإسلام والمسلمين، فيرى قتلهم وإبادتهم ولو بأيدي الكفار فعند هؤلاء تكييف المسألة هكذا: "استعانة مسلمين بالكافرين لقتال المسلمين".

وختم البيان الذى حمل توقيع أمير جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة الشيخ سليمان أبو نارو بدعوة الله أن ينصر أولياءه المجاهدين، وأن يمكن لدولة الإسلام ويسدد قادتها ويعلي رايتها ويجعلها خلافة راشدة تعيد منهاج النبوة، سلما للمسلمين حربا على الكافرين والمرتدين.

ومن أبرز من أيّد داعش بالسودان: إمام وخطيب المعراج بالخرطوم أبو الهمام محمد علي عبد الله الجزولي الذي يتولى مواقع قيادية عليا في جبهة الدستور الإسلامي، حيث قاد مظاهرة في بعض شوارع الخرطوم لمناصرة ودعم تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام (داعش).

معارضو داعش:

ورغم أن جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة أعلنت تأييدها لـ (داعش)، وقالت إن قيام إخواننا في الدولة الإسلامية في بلاد العراق والشام بهذا الواجب العظيم وإعلان الإمامة العامة والخلافة الجامعة لأمة الإسلام واضطلاعهم بهذا الفرض الخطير لهو عمل صالح، إلا أن الجماعات الإسلامية المعروفة وقفت بشدة ضد (داعش)، فقد هاجمت جماعة أنصار السنة المحمدية (داعش) ووصفتها بأنها حركة منحرفة لا وجود لها بالسودان، ولا يوجد لها أتباع فيه.

وذات الموقف أظهرته رابطة علماء المسلمين في السودان بزعامة الشيخ الأمين الحاج، وأعلنت رفضها لتنظيم الدولة وطرحه، وقال الشيخ الأمين الحاج إنه: "باستعراض التاريخ الإسلاميِّ يَظهر جليًّا كثيرٌ من إعلانات الخلافة الوهميَّة، سواءً عن طريق الدَّعوات المزعومة بالمهديَّة، أو عن طريق فِرَق الخوارج الضالَّة؛ وهم أكثرُ النَّاس تلهفاً للخلافة، لكنْ بغير هُدًى ولا كتابٍ منيرٍ"، ويواصل المقال: "ويبدو – والعِلم عند الله – أنَّ هذه سِمةٌ لهم، أمَّا أهلُ السُّنَّة والجماعة فلا يُثبتون اسم الخِلافة، أو الإمامة العظمى إلَّا لِمَن ثبتَتْ له الولاية على جُمهورهم، بالاختيار أو التغلُّب، في شتَّى بِقاع المسلمين، وأمَّا مَن بُويع من أهل قُطْرٍ واحد، أو تغلَّب عليه، فقد ثبتَتْ ولايتُه عليهم، دون ولايتِه على مَن لم يبايعْه أو يتغلَّب عليه، وهكذا نشأتْ مسألة تعدُّد الأئمَّة التي سبَق ذكرُها آنفاً، وليستْ هذه المقالة مسوقةً لمناقشتها جوازاً، ومنعاً".

ورأى الشيخ الامين أنه لا يصحُّ لأيِّ جِهة أن تُعلن خِلافتَها على كافَّة المسلمين، وتُنصِّب إمامًا من عندها، ثم تطلُب من جميع المسلمين في كلِّ أنحاء الأرض أن تُبايعَه خليفةً للمسلمين، وهي لم تتمكَّن بعدُ، ولا تستطيع أن تَحميَ القريب منها، فضلاً عن البعيد عنها، فهذا عبثٌ وحماقة، فإقامة الخلافة لا تكون بمجرَّد الادِّعاءِ والإعلان؛ فأيُّ قِيمة لإعلان ليس له حقيقةٌ في الوجود؟!".

وانتقد إمام وخطيب المجمع الإسلامي بالجربف غرب والقيادي بالرابطة الشرعية للعلماء والدعاة وبالسودان الشيخ محمد عبد الكريم موقف تنظيم القاعدة وصمته المطبق إزاء ما يجري من ممارسات تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام (داعش) باستباحة الدماء وهتك الأعراض وإزهاق الأنفس البريئة والافتئات على المجاهدين، وطالب الشيخ محمد عبد الكريم في بيان رسمي حمل توقيعه ونشرته شبكة الهداية الإسلامية - تنظيم القاعدة بتحديد موقفه بجلاء ووضوح مما سماه بـ (مغامرات) تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق، وقال الشيخ محمد عبد الكريم: إن ما يجري حاليا في العراق وسوريا بسبب (داعش) لهو فتنة، معلنا بطلان الدولة وعدم شرعيتها.

كما وأصدر رئيس رابطة علماء المسلمين الشيخ الأمين الحاج محمد أحمد بيانا مماثلا بشأن الاقتتال الدائر والمتصاعد بين الفصائل الإسلامية بالعراق والشام، ووصف ما يحدث على الأرض بين التنظيمات الجهادية من خلاف وصل حد الاقتتال والخوض في الدماء والأعراض لهو (شر كبير وفتنة عظيمة تناقض مقصود الجهاد)، وأدان البيان التجاوزات الشنيعة والعدوان المتواصل وممارسات الدولة الإسلامية من تهاون في سفك الدماء والاستيلاء على الأموال الذي تقوم به بعض الفصائل هناك للأعراض واستباحة للدماء والأموال.

خاتمة:

من الواضح من السرد السابق أن ردود فعل الجماعات والهيئات الإسلامية السودانية تجاه تنظيم الدولة الإسلامية قد تباينت بين مؤيد ومعارض، ولكن يظل الصوت القوي هو للمعارضين لداعش وأطروحاتها، وقد أوضحنا في مقال سابق مدى قبول أطروحات داعش في السودان واحتمالات قيام تنظيم مماثل تحت مسمى (دامس) اختصارا للدولة الاسلامية في مصر والسودان، حيث خلصنا لأن الأمر برمته لا يتعدى فرقعة إعلامية يراد لها تحقيق بعض الاغراض الإستخبارية. كما ظهر الرفض الكبير لفكر داعش وتصرفاتها داخل الجماعات الإسلامية المعتبرة في السودان، مما يؤكد عدم وجود تعاطف معتبر معها، رغم أن ذلك لا ينفي وجود جيوب محدودة وأفراد يتعاطفون مع داعش.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق