الاختلاط في التعليم وصراع الهوية
السبت 22 نوفمبر 2014

 

 فاطمة عبد الرءوف -  كاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

الاختلاط في التعليم أحد المستجدات التي يواجهها مجتمعنا الإسلامي كأحد النواتج المهمة لرياح ما أطلق عليه "الحداثة" والتي استوردنا قشورها الخارجية والظاهرية وحصلنا على نصيبنا كاملا من عيوبها ومساوئها دون أن نجني أي فائدة تذكر من حقيقة تقدم تلك المجتمعات في مجالات التصنيع والتكنولوجيا وحتى في قواعد الإدارة.

ولابد في هذا السياق أن نميز بين أمرين بينهما من الخلاف فارق واضح فثمة تباين ضخم بين التعليم الحديث وما يتضمنه من علوم كان لها دورها الواضح في النهضة العلمية الحديثة وبين آليات هذا التعليم، فدعاة التغريب الذين يتحدثون كثيرا وطويلا عن التخلف الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية والإسلامية بينما يتحدثون بانبهار عن مظاهر المدنية والرقي والتقدم العلمي الفائق في الدول الغربية وهو كلام حقيقي لابد أن نعترف به ولا نبرره وندافع عن أنفسنا بإلقاء تبعة ذلك على الاستعمار والاستغلال  أو نقوم بحيلة نفسية دفاعية بتمجيد ماضينا العريق الزاخر بالعلماء في شتى التخصصات وكلا الأمرين صحيح .

أي أننا بالفعل حملنا مشعل الحضارة العلمية المادية طيلة قرون طويلة بينما كان الآخر الغربي يغط في سبات التخلف كما أننا كنا نحمل في اليد الثانية مشعل القيم الخلقية النبيلة النابعة من ديننا ولم نحاول استغلال الشعوب الأخرى أو التحكم في مقدراتها ناهيك أن نخطط لتكريس حالة التخلف الذي كانت تعيشه، والتاريخ شاهد على ذلك وإن كان هناك  بعض التجاوزات فهي لحالات  فردية وليست وفق مخطط ممنهج كما هو الحال مع الحضارة الغربية الحديثة التي عملت ـ ولا تزال ـ على تكريس حالة التخلف والإفقار على كافة المستويات الممكنة.

على أن هذا كله لا يبرر الوضع بالغ السوء الذي تعيشه بلادنا والذي تبدأ أولى خطوات علاجه بالحصول على تعليم جيد وشامل فآيات المولى عز وجل مبثوثة في عالم الكون (وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ) الذاريات: 20

إن قضية التعليم هي قضية جدية وبالغة الأهمية ولا يمكن أن تحتل المرتبة الثانية إذا أردنا فعلا العودة لذاتنا الحضارية المستلبة، ولايمكننا الحديث عن التعليم وأهميته ونستثني النساء اللاتي كرمهن المولى عز وجل واللاتي هن شقائق الرجال ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ) الإسراء: 70. واللاتي شهدن جميع الأحداث الحيوية مع النبي صلى الله عليه وسلم. ويمكننا أن نلاحظ العلاقة الطردية الوثيقة بين منح المرأة كافة حقوقها التي جاء بها الإسلام دون انتقاص بأي حجة وبين ارتفاع المستوى الحضاري العام للأمة.

جذور القضية

على الرغم من اهتمام الإسلام بقضية تعليم النساء وعلى رأس أولويات ذلك تعليمهن أمور الدين ومن ثم المعنى الحقيقي للحياة حيث كن يحضرن الكثير من الدروس في المسجد وعلى الرغم من ذلك طالبن بدرس خاص ربما ليطرحن الاسئلة بحرية أكبر فلقد كن يحضرن الدروس ويجلسن في مؤخرة المسجد فربما لم يستمعن بشكل واضح أو يلتبس عليهن بعض الأمور أو يرغبن في طرح بعض الاسئلة التي لا يجمل بهن طرحها على مرأى ومسمع الرجال فعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ - رضي الله عنه - قال: (قالتِ النِّساءُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: غَلَبَنا عليك الرجال، فاجعلْ لنا يومًا من نفسك؛ فوعدهنَّ يومًا لقيهنَّ فيه، فوعظهنَّ وأمرهنَّ) متفق عليه.

ولأسباب متعددة ليس هنا مجال تفصيلها أصيب منحنى الحضارة الإسلامية بهبوط في بعض الجزئيات المفصلية فعلى الرغم من ازدهار العلوم فيما تلى العصر النبوي من عصور خاصة في العصر العباسي إلا أن وضع المرأة وتعليمها انحط ولم يرتفع وانحصرت حياتها في زاوية محددة لم يكن التعليم يرفرف فيها ـ معظم النساء وبالطبع فإن لكل قاعدة شواذ ـ وازدادت الأمور سوءا بتراجع المنحنى العام وهبوط قيمة العلم حتى أصبح مشعل العلم في يد حضارة أخرى تكاد تنكر فضلنا على العلم واقتصر التعليم على التعليم الديني بمعناه الضيق وبصورة تقليدية جدا حتى أفقنا على الغزوة الاستعمارية الحديثة فجاء نابليون يحمل أسلحته الحديثة ومطبعته الملهمة، جاء بجيش من المحاربين وجيش من العلماء فبدأنا نتنبه على استحياء ونرسل أبناءنا للبعثات ونطرح الأسئلة الكبرى على ذاتنا الحضارية، ويظهر تياران كبيران في الأمة أحدهما تيار الأصالة بمدارسه المتعددة، والثاني هو تيار التغريب بمدارسه المتعددة أيضا.

 وطرحت قضية المرأة وتعليمها على طاولة البحث كواحدة من أهم القضايا وأكثرها إلحاحا وللأسف الشديد فإن تيار التغريب فاز بقصب السبق إلى الميدان ولمعت أسماء لطفي السيد وطه حسين في دعم قضية تعليم المرأة وطبعا اصطبغ التعليم بصبغتهم فكان لا مناص من الاختلاط وتقليد الغرب أو كما قال طه حسين: (أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا، ولنكون لهم شركاءَ فى الحضارة خَيْرِها وشَرِّها، حُلْوِها ومُرِّها، وما يُحَبّ منها وما يُكْرَه، وما يُحْمَد منها وما يعاب)([1]).

حلول متنوعة

وفي البحث عن طريق للنهضة والصحوة أدركنا قيمة العلم وقيمة تعليم النساء خاصة وكان للمرأة المسلمة الحديثة دور عظيم في عودة الإسلام ليحتل مكانته في الحياة العامة، تلك المكانة التي حاول التيار التغريبي إلغاءها أو تهميشها، ولكن تعليم النساء سار وفقا للنظام التغريبي وفي القلب منه الاختلاط في التعليم خاصة في المرحلة الجامعية، وأصبح لزاما على المعنيين بقضايا المرأة المسلمة أن يبحثوا عن حلول تمنح المسلمة فرصا أضخم للتعليم وتتجنب مساوىء النظام التغريبي خاصة أطروحة الاختلاط التي أصبحت واقعا معاشا في معظم بلدان العالم الإسلامي وهذه مجموعة من الحلول العملية التي قد تساعد خطوة على طريق الحل.

ولعل المشكلة الحقيقية التي تحتاج إلى حل تكمن في مرحلة التعليم الجامعي فمرحلة ما قبل التعليم الجامعي حيث تنتشر المدارس يكون من السهل تخصيص مدارس خاصة للذكور وأخرى تخص الإناث من الابتدائي للثانوي أو على الأقل في المرحلتين الإعدادية والثانوية وفي بعض البيئات الريفية حيث يقل عدد المدارس من الممكن جعل الدراسة على فترتين إحداهما للذكور والأخرى للإناث.

إذن المشكلة الجوهرية هي مرحلة التعليم الجامعي حيث أن عدد الجامعات محدود ولأن الجامعات بحاجة لمعامل وقاعات خاصة باهضة التكاليف وأعضاء هيئة تدريس على مستوى عال من العلم وهي أمور ليس من السهل توافرها وعلى الرغم من ذلك فهناك مجموعة من الحلول العملية التي تم تطبيقها بالفعل في تجارب من الممكن أن تعمم في بلدان العالم الإسلامي.

1-  في حال توافر الإمكانيات يتم إنشاء جامعات خاصة للبنات كجامعة الأزهر فرع البنات بفروعها المنتشرة في أرجاء القطر المصري وكجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن في المملكة العربية السعودية.

2- إنشاء كلية خاصة بالبنات في جامعة مختلطة عادية وتكون هذه الكلية معنية بالدراسة التي تهتم بها أكبر شريحة من الطالبات كالدراسات التربوية، وتعد كلية البنات التابعة لجامعة عين شمس المصرية مثالا لهذه النوعية من الكليات.

3- وهذا الحل وإن لم يكن مثاليا إلا أنه واقعي جدا ومن السهولة بمكان تنفيذه بل يمكن للطلاب أنفسهم تنفيذه دون الحاجة لقرارات فوقية من الإدارة الجامعية خاصة في بعض الجامعات العلمانية وهو يقلل من مساحة الاختلاط للحد الأدنى، يكمن هذا الحل بتخصيص جزء من المدرج للطالبات وجزء آخر للطلبة كما يحدث في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة حيث تكون المقاعد الموجود على يمين المدرج للطلبة بينما تكون المقاعد الموجودة على اليسار للطالبات فيستطعن السماع والمشاركة بمنتهى السهولة وإن كان هذا الحل لا يمنع الاختلاط خارج مدرجات الدراسة إلا أنه سيحمي الطلاب والطالبات الرافضين للاختلاط كما أن سيضيق من مساحة الاختلاط خارجه وهو حل يصلح للكليات النظرية والعملية على السواء.

4- ويبقى ما كان يحدث في المسجد النبوي من حضور النساء الدروس الدينية في الصفوف الخلفية من المسجد أو في الطابق الثاني كما يحدث في المساجد المعاصرة واستخدام التقنية الحديثة لرفع مستوى الصوت ووضوحه حتى يتسنى للنساء حصولهن على حقهن من إرث الأنبياء. 

النساء العلماء

يحلو لكثير من الكتاب أن يسخر من نساء الأمة وأنه لم تظهر من بينهن مدام كوري أو ابن خلدون ومن ثم فلا داع أصلا للبحث عن حل لمشكلة الاختلاط في التعليم الجامعي  لأنه يكفي المرأة الحصول على قدر أولي من التعليم تتعلم فيه القراءة والكتابة ومبادىء الدين حتى تصح صلاتها وصومها وقدر من معارف الصحة ومنهج للتعامل مع الزوج وتربية الأطفال، هذا ما يردده للأسف البعض لحل إشكالية تعليم المرأة ولعلهم يستعيدون تجربة محمد علي في تعليم البنات عن طريق إنشاء مدرسة الولادة لتخريج قابلات ماهرات وماشابهها.

هذه الأفكار التي لا تزال تطرح بين الحين والآخر تعزز من اتهام البعض للإسلاميين بأنهم لا يسعون بجدية لاستعادة المرأة لمكانتها عكس الخطوط العامة لأدبياتهم وهو أمر شديد الخطورة لأنه يعكس حالة التأرجح في الموقف من قيمة المرأة كإنسان لأن العلم هو المعيار الأساسي لقيمة الإنسان (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) البقرة: 31.

قد يكون من الصحيح أن عدد العلماء من النساء قليل ولكن هذا ليس مبررا من الحرمان بل لعله حافز لإزالة المعوقات التي تعترضهن وفي حديث أبي الدرداء: (إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر) رواه أبو داود.

فليس لذكر فضل على الأنثى كي يرث وحده العلم وتبقى الأنثى في منزلة بين الإنسان الذكر العالم وبين عالم البهائم التي لا تعرف من العلم إلا ما يبقيها على قيد الحياة.

وليست المسئوليات الملقاة على عاتقها من بيت وزوج وأولاد بمانع لها عن تحصيل العلم والارتقاء في ذراه كما أن العلاقة بين العلم والعمل وإن كانت علاقة قوية إلا أنها ليست حتمية كما أن هناك الكثير من النساء يرغبن في العمل في طور من أطوار حياتهن وهناك نساء لا تمنعهن الظروف الاجتماعية من احتراف العمل وهذه النقاط كلها جديرة بالانتباه.                                                                  

في عيون الغربيين

من السذاجة تصور أن قضية الاختلاط في التعليم هي قضية مسلّم بها في المجتمع الغربي فبعيدا عن القيم الدينية يعيش المجتمع الغربي حالة من التجريب سواء على المستوى العلمي أو المستوى الإنساني ومن ذلك تجربة الاختلاط الشائعة في التعليم، فبعد سنوات طويلة من التعليم المختلط بدأت أصوات تتعالى بتأثيره السلبي على مستوى الخريجين وحتى لا يتهكم أحدهم بقوله ليت خريجينا بنفس مستوى الخريجين الغربيين فنبادر بالقول إنهم في سياق التنافس مع الذات والوصول لمستوى الأفضل دائما فه يقارنون بين مستوى خريجي التعليم المنفصل والتعليم المختلط. فها هو رئيس كلية بوكسهل الاسترالية للبنات فرع الكويت الدكتور رونلد ويبر يقول: (إن هنالك دول عديدة متطورة توجد فيها كليات خاصة للطالبات فقط، مثلاً في أميركا وفي استراليا وفي بعض الدول الأوروبية، ويلاحظ أن مستوى التعليم في مثل هذه الكليات يكون أعلى وأفضل من غيرها من الكليات المختلطة) وأضاف قائلاً: (إن المتخرجات من كليات البنات يتفوقن في دراستهن كما يتميزن في سوق العمل أيضاً)([2]).

ومنذ فترة صدر كتاب "الغرب يتراجع عن الاختلاط" لمؤلفه بفرلي شو ومنه نقتبس الفقرة الآتية: (إن الفطرة البشرية السليمة تؤكد على ضرورة فصل الرجال عن النساء، خاصة في المؤسسات التعليمية) وفي فقرة أخرى يقول: (إن العرف قد جرى في كثير من بلدان العالم بغض النظر عن معتقداتها على عملية الفصل، وكان هذا هو النظام المعمول به في بريطانيا حتى ستينات القرن الماضي)([3]).

الغرب إذن يراجع مواقفه ويعيد تقييم تجاربه، ألا يعني هذا شيئا ليس من قبيل مجرد التقليد ولكن وفقا للمبدأ الذي يقول إن السعيد من وعظ بغيره والشقي من وعظ به غيره ولننصت لكلمات الرئيس الأمريكي السابق كينيدي وهو يتحدث عن الأضرار المترتبة على عدم تطبيق نظام الفصل بين الجنسين في قوله: (إن الشباب الأمريكي مائع ومترف وغارق في الشهوات، ومن بين كل سبعة شباب يتقدمون للتجنيد يوجد منهم ستة غير صالحين، وذلك لأننا سعينا لإباحة الاختلاط بين الجنسين في الجامعة بصورة مستهترة مما أدى إلى إنهاكهم في الشهوات)([4]).

 لهذه الأسباب خصصت إدارة الرئيس جورج بوش عام 2002م ما يزيد عن 300 مليون دولار لتشجيع التعليم غير المختلط، وإنشاء مدارس خاصة بالبنين وأخرى للبنات، وتطبيقاً لتلك الإستراتيجية بلغ عدد المدارس الحكومية غير المختلطة في عام 2005م (223) مدرسة بمعدل زيادة سنوية قدرها 300%، وبلغ عدد الولايات الأمريكية التي تقدم تعليماً غير مختلط 32 ولاية، فهل يعتبر دعاة التغريب من هذه المراجعات بدلا من إصرارهم الأعمى من اتباع تجارب الغرب.

 



[1] - مستقبل الثقافة في مصر، طه حسين، ص 55.

[2] - حوار مع رئيس كلية بوكسهل الاسترالية للبنات، فرع الكويت، د. رونلد ويبر، نقلا عن مقال: الغرب نظرة جديدة للاختلاط، لخباب الحمد.

[3] - المصدر السابق.

[4] - المصدر السابق.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق