من خلف الفوضى في باكستان
الخميس 23 أكتوبر 2014

 جودري آصف لقمان – كاتب باكستاني

 

يمكن تلخيص الواقع الباكستاني بوجود تعددية سياسية، وتنوع عرقي ضمن هامش الحرية المصطنع، في ظل سيطرة الجيش على النظام الجمهوري وجميع مقدرات البلد، مع علاقات قلقة مع الجيران مثل العداء الباكستاني الهندي، وأطماع الجار الإيراني في باكستان، واضطراب أوضاع أفغانستان بسبب الحراك العسكري الطالباني والأمريكي، كما أن الصلات العسكرية بالسعودية، والصلات الاقتصادية مع الصين جعلت باكستان كما دبي تتوجس من مستقبل باكستان الاقتصادي، وهذا الواقع جعل من باكستان مرتعا للمخابرات العالمية والإقليمية، وجعل كل الجهات الباكستانية تجري وراء مصالحها الخاصة ولكن يدفع الشعب مقدراته ومستقبله ثمنا لذلك!

شهدت فترة حكم آصف علي زرداري (الرئيس السابق) من حزب الشعب، حليف إيران، نمو النفوذ الإيراني إذ استغلت إيران فرصة وجود حليفها السياسي "حزب الشعب" بالحكم فعززت نفوذه في البلد، وعملت على زرع عناصره في مفاصل الدولة وجميع وزاراتها وأسست مراكز تعليمية لصناعة قادة المستقبل، ونجحت في تثبيت عملائها في مراكز الشرطة والجيش، وركزت على الإعلام بشكل خاص فأنشأت قنوات إعلامية ضخمة، بجانب شراء ذمم في كل القطاعات، ولاسيما بين الحركات والأحزاب السياسية والإسلامية ورجالات الإعلام والجيش بغية إخراج الجيش الباكستاني من الخندق السعودي.

وبعد أن انتهت فترة حكم حزب الشعب، هرع الناس إلى صناديق الانتخاب ليختاروا "مسلم ليك" – حزب الرابطة الإسلامية - عسى أن ينجيهم من الويلات والمصائب التي أذاقتهم إياها حكومة حزب الشعب وقائده "زرداري" المتهم بقضايا الاختلاس والسرقات وقيادة جزء من مافيا الإجرام في البلد.

لكن مجيء "نواز شريف" صاحب المشاريع الاقتصادية والتنموية وصاحب العلاقات الودية مع السعودية إلى الحكم لم تسعد الجار الإيراني كما لم تفرح "دبي" التي تعتبر من أهم المراكز الاستثمارية للرئيس السابق "آصف علي زرداري".

من جهة أخرى حاولت أجنحة متعاطفة مع الجنرال مشرف المتهم بقضايا القتل والخيانة للبلد مع الجيش أن تَحول بين نجاح "مسلم ليك" في الانتخابات ولكنه نجح، وإن كان النجاح دون توقعات الحزب.

ساهم اختيار نواز شريف "جنرال رحيل شريف" لقيادة المنظومة العسكرية، في إثارة حفيظة كثير من الجنرالات المتنافسين على المنصب، ورافق هذا حصول الجيش على مساعدات عسكرية من أمريكا لضرب طالبان والقاعدة في شمال البلاد، فكان بحاجة إلى إثارة مشكلة داخلية مصطنعة ليتجه صوبها الإعلام وينشغل الشعب بها ليقوم الجيش بحملة عسكرية هناك !

وهنا اختارت أصابع الإجرام لهذه المسرحية المأساوية "عمران خان" رئيس حزب الإنصاف الذي نشط أخيرا في المجال السياسي واستطاع أن يشكل مع الجماعة الإسلامية حكومة إقليم "بشتونخواه" الشمالية، و"طاهر قادري" من مشايخ الصوفية والذي يقود تيارا مذهبيا يدعى "منهاج القرآن".

التقى الرجلان في لندن وتعاهدا على تحريك الجماهير للقضاء على حكومة نواز شريف المحسوب على السعودية! وهناك أقاويل عن زيارة سرية لإيران قام بها طاهر قادري المقيم في كندا قبل هذا اللقاء! سواء صحت هذه الأخبار أم لم تصح فقد كان التواجد الشيعي بارزا في هذا الحلف، ومازال الشيعة يشكلون اليد اليمنى لطاهر قادري في جميع الأنشطة السياسية التي يقوم بها.

وفي حين رفع "عمران خان" دعاوى تزوير الانتخابات التي أجريت قبل أكثر من عام ونصف، عزف طاهر قادري من مقره في كندا على أوتار معاناة وأوجاع الشعب الفقير فأخذ يتغنى بنصرة الفقراء وأنه سيقود ثورة عارمة تكتسح كل المفسدين وتقلع جذور الفساد، وأخذ يردد شعارات ثورية على غرار الخميني يوم أن كان في باريس "فرنسا".

وكان طاهر قادري بحاجة إلى تقديم بعض البراهين عبر الإعلام عن صدق ثورته، ففي 14 يونيو الماضي أمر أنصاره بالتجمع في لاهور عاصمة إقليم البنجاب حيث يقع أكبر مراكز حزبه، فتجمع عدد كبير من النساء وطلاب العلم والعمال الذين يعملون في المؤسسات الخدمية والتعليمية والخانات الصوفية في حي "مادل تاون" وأخذوا يقومون ببعض أعمال الشغب مما دعا إلى تواجد الشرطة في المنطقة. وبعد ثلاثة أيام أي؛ في 17 يونيو على حين غرة من الجميع حدثت اشتباكات بين الجماهير الغاضبة والشرطة، أسفرت عن مقتل 17 متظاهرا قتلوا بالرصاص الحي الذي لم تكن تملكه الشرطة المتواجدة هناك، والتي استعمل أفرادها الغاز والهراوات لتفريق الناس!

حيث تشير أصابع الاتهام إلى جماعة "قادري" أنفسهم في قتل هؤلاء لتصنع ذريعة للثورة التي ينادي بها قائدهم، وهنا قرر طاهر قادري أن يدخل العاصمة ويقود ثورته من هناك، لكن الحكومة لم تسمح للطائرة الإماراتية التي كانت تقلّه بالهبوط في "إسلام آباد" وغيرت وجهتها لتهبط في "لاهور"، وظل قادري الذي تلبسه الخوف لمدة 5 ساعات لا يخرج من الطائرة لئلا يتم القبض عليه، وأخيرا خرج بضمان أمير ولاية البنجاب من الحزب الحاكم.

وظلت الأجواء هادئة خلال شهر رمضان، وبعد عيد الأضحى بدأ قادري يجمع حوله الأحزاب والجماعات المعارضة للتحالف معه، فسانده "مجلس وحدة المسلمين" الشيعي، و"سني تحريك" من الصوفية البريلويين وبعض الشخصيات السياسية على العلن وبعض أجنحة الجيش خفية، ولم يغب الإيرانيون والإماراتيون عن المشهد لحظة.

تحرك "عمران خان" نحو العاصمة زاعما أنه سيقيم احتفالات الحرية بمناسبة 14 أغسطس (يوم الاستقلال)، ورافقه "قادري" رافعا شعارات الثورة، وقد سمحت الحكومة لهما بدخول العاصمة على أن تكون مسيراتهم سلمية وفي إطار القانون وعلى ألا تتجاوز حي "آب باره" حيث البرلمان، أحضر "قادري" معه رافعتين لحمل الأثقال إلى الحد المتفق عليه، ظلت الجماهير المرافقة له لمدة 4 أيام في "آب باره" تطالب الحكومة بالرحيل، ثم خالفت العهد واتجهت نحو البرلمان وأبنية الوزارات وتحصنت هناك.

لوحظ أن الجماهير التي استجابت لهم تكونت من مجموعة من الموظفين والطلاب من المؤسسات الخدماتية ومراكز الصوفية التي يقودها "قادري"، وعدد قليل من المخدوعين يرافقون عمران خان والذين كان عددهم يتناقص يوميا، ومجموعة كبيرة من العاطلين عن العمل تم توظيفهم مقابل رواتب لمجرد التواجد الدائم في المكان، و2000 من المليشيات الشيعية المدربة على استعمال السلاح وقد ظهرت حقيقتهم في أعمال الشغب والهجوم على البرلمان والتلفزيون بشكل واضح، حيث قامت مجموعة كبيرة من البنات الشيعيات بإقامة حفلات الرقص والمجون والمتعة ليجمعن حولهن العاطلين والتائهين من الشباب.

بعد هذه الاحتجاجات المخالفة للقانون طلبت الحكومة من الجيش بناء على قانون 250 لأمن الدولة أن يتولى حماية البرلمان والوزارات ومبنى التلفزيون ومقر رئاسة الجمهورية، لكن الجيش المتواطئ معهم لم يحرك ساكنا، فدخلت جماهير قادري وعمران خان ومن رافقهم من الشيعة وهم يهتفون "يا حسين" ويحملون الرايات السوداء المعروفة وبيارق الأصابع الخماسية – التي تعبر عن أصحاب الكساء– مبنى التلفزيون وكسروا بوابة البرلمان، وهجموا على مقر رئاسة الجمهورية مما أسفر عن 250 جريح بين صفوف الشرطة.

لما ظهرت حقيقة المحتجين والجماهير المتجمعة حول البرلمان انسحبت جميع الشخصيات الوطنية التي لها وزن سياسي وجماهيري بعد أن خدعتها الشعارات الزائفة.

فيما يبدو أدركت بعض قيادات الجيش الباكستاني حقيقة سيناريو هذه المسرحية وأن الغاية هي الإطاحة بنواز شريف، وأن أطرافا أخرى أهمها إيران والإمارات العربية ركبت الموجة، بل وسيطرت على خشبة المسرح وأخذت في تغيير بوصلتها ومجرياتها نحو أهدافها الخاصة، فسحب الجيش تعاطفه المباشر مع الأحداث، وأخذ يترقب لعل الأيام القادمة تهدئ من حدة الموقف فيتم التوصل إلى حل سياسي كالعادة.

إذ تُتهم "دبي" بدعم الفصائل البلوشية الداعية للانفصال لتحول بين باكستان وإقامة ميناء تجاري في منطقة "جوادر" البلوشية التي سوف تؤثر سلبا على تجارة دبي، حيث بدأ "نواز شريف" بعقد صفقات في هذا الاتجاه مع الصين مما أثار حفيظة الإمارات.

كما أن "إيران" الطائفية تسعى لتقوية ميليشياتها وعملائها وأجندتها في باكستان والسيطرة على الجيش الباكستاني وإخراجه تماما من الخندق السعودي، حتى لا يناصر السعودية عندما تبدأ جحافل الحوثيين وحزب الله وشيعة المملكة بالتحرك صوب الحرمين.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق