تطورات الأحداث وصورة إيران لدى المصريين
الخميس 23 أكتوبر 2014

 أسامة الهتيمي – كاتب مصري

خاص بالراصد

ليس من شك في أن الشارع المصري شهد وعلى مدار سنوات طويلة حالة من الاستقطاب الفكري الحاد بين وجهتي نظر متباينتين تجاه الدولة الإيرانية الشيعية كانت إحداهما وعلى طول الخط منحازة لما يسمى بالتقارب مع إيران حتى لو كان ذلك على حساب غضّ الطرف عن الكثير من الإشكاليات العقدية التي يثيرها الشيعة إذ التجاوز عن ذلك في سياق تحقق شكل من أشكال التوحد الإسلامي في مواجهة الإمبريالية الأمريكية والغربية هو مما يعود بالنفع على الأمة الإسلامية بأكملها والتي تتعرض لمحاولات دؤوبة لهدم كيانها وتضييع هويتها.

فيما لم تستطع ذاكرة أصحاب الرؤية الثانية الرافضة لهذا التقارب السني الشيعي أن تتناسى تاريخ الشيعة البغيض على مر العصور وهم الذين كانوا دائما يعملون لغير صالح هذه الأمة بل كانوا ووفق الحوادث والوقائع معول هدم حقيقي لقوتها ووحدتها، فما من دولة شيعية إلا وكانت سيوفُ مقاتليها موجهة للأقاليم والولايات الإسلامية السنية دون أن يفكر قادتها ولو للحظة واحدة في أن يشاركوا في التوسعات الإسلامية خارج حدود الدولة الإسلامية التي بذل المسلمون الكثير من التضحيات والدماء حتى تصبح جزءا من كنف الأمة الإسلامية.

وبطبيعة الحال ليس سهلا كما أنه ليس من المنطقي إقامة حاجز يميز بين أصحاب الرؤيتين من حيث الدوافع وراء تبني وجهة دون وجهة إذ اختلطت الدوافع لدى هؤلاء وهؤلاء ما بين سياسية ودينية إلا أن ما يشغلنا بالأساس هو النتيجة النهائية التي على أساسها تشكلت رؤية خاصة إزاء تلك القضية والتي ظلت منذ أربعينيات القرن الميلادي الماضي واحدة من القضايا الجدلية التي نشأت بادئ الأمر بين النخبة الثقافية والفكرية ثم اتسعت شيئا فشيئا لتنشغل بها الكثير من القوى والتيارات السياسية والفكرية بل وتصبح واحدة من أهم القضايا التي على أساسها تحدث حالة الاستقطاب الثقافي والسياسي.

الرؤية الغالبة

منذ البداية حسم التيار السلفي باتجاهاته وتنظيماته المتعددة الموقف من التقارب مع الشيعة حيث كانت انحيازاته العقدية واضحة وحاسمة بما لا يسمح له بقبول ما لا يمكن قبوله على مستوى العقيدة انطلاقا من أن ذلك المنهج مما يفتح الباب على مصراعيه للفتنة وإثارة البلبلة التي ربما تكون مقصودة في ذاتها لتحقيق مآرب وأهداف تكشفت ملامحها عدة مرات في التاريخ البعيد والقريب وهي الرؤية التي توافقت معها بعض الاتجاهات غير الإسلامية وإن اختلفت منطلقاتها حيث تكشف لدى هذه الاتجاهات أن الدولة الإيرانية التي تقود الشيعة لا يعدو المذهب الشيعي لديها إلا ستارا تتخفى خلفه من أجل استعادة مجد الإمبراطورية الفارسية ولو على حساب الحقوق العربية والإسلامية وهو ما يبرر إصرار إيران على أن تسمي الخليج العربي بالخليج الفارسي وتواصل احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث فضلا عن إدعاءات بتبعية مملكة البحرين لها وغير ذلك من الأحداث التي بات معلوما لدى القاصي والداني أن محركها لا يستهدف مطلقا استقرار هذه الأمة أو تحقيق نهضتها حيث الاستغراق في صراعات لاستنزاف الطاقة وإنهاك القوى.

لكن في المقابل وكما أشرنا هناك من يرى أن الدولة الإيرانية بما قدمته من دعم كانت سندا لبعض فصائل المقاومة الأمر الذي كان شوكة في حلوق مخططات فرض الهيمنة التي يقودها الحلف الأمريكي الصهيوني في المنطقة، في الوقت الذي تخلفت فيه القوى العربية والإسلامية السنية عن هذا الدور ومن ثم فإن مجرد افتراض غياب هذا الدور الإيراني الشيعي كفيل بأن يجعل الصورة مختلفة تماما – ووفق نظرهم – عما هي عليه الآن حيث الأرض ممهدة للحلف الأمريكي الصهيوني للتحرك عابثا في المنطقة دون سقف محدد.

وعلى الرغم من كل الأدبيات الجدلية والفاعليات المتباينة التي قدمها كل طرف في محاولة لإقناع الطرف الآخر إلا أن ذلك لم يكن مقنعا لأيهما بتبني وجهة النظر الأخرى خاصة وأن إيران نفسها لم تكن بعيدة عن الساحة حيث كانت وما زالت على خط الدعم المادي والمعنوي لأصحاب الرؤية القريبة منها حتى كان ما كان من إقالة الرئيس الدكتور محمد مرسي وإزاحته عن حكم البلاد ومن ثم انكشاف الموقف الإيراني الذي وبعد سويعات قليلة من إعلان طهران عن رفضها لتدخل الجيش المصري في الحياة السياسية سارعت وأعلنت موافقتها وقبولها لما حدث في مصر بل واعتبارها أن ما حدث في الثلاثين من يونيو 2013م هو ثورة شعبية وليس انقلابا عسكريا الأمر الذي كان سببا ودافعا قويا إلى أن يعيد قطاع كبير من التيار المحسوب على الرأي القائل بالتقارب مع إيران النظر من  جديد في تقييمه للدولة الإيرانية وحقيقة أهدافها والانحياز للرؤية الرافضة لهذا التقارب.

والواضح أن منطلقات تغيير الرؤية كانت في بداياتها سياسية لكنها بعد فترة سعت إلى ترسيخ وتأصيل هذه الرؤية الجديدة على المستوى الديني والعقدي ومن ثم فقد حدث بشكل أو بآخر توافق بين الكثير من أبناء الحركات الإسلامية الذين كانوا وحتى وقت قريب ضمن حالة الاستقطاب الفكري فيما يخص الموقف من إيران فبدت صورة جديدة تقاربت فيها رؤيتهما من إيران وافترقت بهما المواقف السياسية الداخلية.

كما شمل هذا التغيير الفكري تيارات وقوى غير إسلامية تكشف لها أن إيران بالفعل دولة براجماتية تتعاطى مع القضايا العربية والإسلامية وفق مصالحها القومية وبعيدا عما ترفعه من شعارات قيمية أو مبدئية ليست سوى وسائل خداع واستخفاف بالعقول فبدا لها أن إيران لاعب أساسي وفاعل في إحداث حالة التوتر سواء كان ذلك في الداخل المصري أو في المنطقة برمّتها وهو الأمر الذي ينعكس سلبا على الأوضاع في كل بلد عربي على حدة.

في هذا السياق وفي ظل المتوقع من السقطات السياسية الإيرانية التي تسقط قناع طهران يوما بعد يوم ستتسع حتما دائرة الرافضين والناقمين على السلوك الإيراني، الأمر الذي يخصم من رصيدها الشعبي والنخبوي الذي بذلت في صنعه طيلة العقود الماضية جهدا كبيرا لا شك أنه كلفها الكثير لتخسر بذلك الجهد والهدف.

ولعل التطورات الراهنة التي تشهدها المنطقة في الوقت الحالي تعكس إلى أي مدى سقطت الدولة الإيرانية في مستنقع التعري الذي لا يمكن لها مطلقا أن تخرج منه على تلك الهيئة التي ما فتأت تحاول أن تظهر عليها ومن ذلك:

التبجح الذي تبديه إيران في دعم رجالها ودعاة التشيع في مصر حيث إعلان التشيع عبر الفضائيات الشيعية وبصيغ تحقّر من شأن صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم بل وتلعن الصديق أبا بكر والفاروق عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم جميعا دون إبداء أي تحسب لإثارة مشاعر أهل السنة.

ويبرز في هذا الصدد مقطع فيديو مقتطع من حلقة تلفزيوينة بإحدى القنوات الفضائية الشيعية يظهر فيه ذلك المدعو ياسر الحبيب وهو يتواصل هاتفيا مع أختين شابتين من مصر وقد أعلنا أنهما اهتديا إلى المذهب الشيعي ليقوم هو بدوره بتلقينهما الشهادة الجديدة التي على أساسها تصبحان مسلمتين متشيعتين بما يعني صراحة أنهما لم تكونا على الإسلام الصحيح الأمر الذي يحمل رسالة مفادها أن الأغلبية المسلمة في مصر ليست على الدين الصحيح إن لم تتبن المذهب الشيعي.

والمستمع لكلمات التلقين التي طلب المدعو الحبيب من الفتاتين ترديدهما تحملان كمّاً كبيرا من الحقد الدفين لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم فمما جاء فيها: أشهد أن أمير المؤمنين عليا ولي الله .. أشهد أن فاطمة الزهراء وأبناءها المعصومين حجج الله .. أبرأ إلى الله من أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وحفصة وسائر أعداء أهل بيت رسول الله .. أشهد أن أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة وحفصة في النار".. ثم يهنئ المدعو الحبيب الفتاتين بعد ترديد الشهادة الجديدة ويبارك لهما ولأبيهما الذي أحسن تربيتهما.

وتعود أهمية هذا المقطع الخاصة بالمدعو ياسر الحبيب إلى كونه شهادة قاطعة على حقيقة الموقف الشيعي من خلفاء النبي صلى الله عليه وسلم وزوجاته أمهات المؤمنين بما يرد على دعاوى ومزاعم الشيعة بأن ذلك ليس من أصل مذهبهم وأنهم لا يقولون في أبي بكر وعمر وعثمان وأمهات المؤمنين إلا ما يقول أهل السنة الأمر الذي يحرج أيما إحراج هؤلاء المخدوعين من أهل السنة.

وعلى المستوى السياسي كان للأحداث المتصاعدة في اليمن أثر كبير في تغيير الصورة الذهنية عن إيران حيث الدعم المالي واللوجستي الذي تقدمه للشيعة الحوثيين هناك من أجل فرض سيطرتهم على كامل التراب اليمني في إطار محاولات طهران لتشديد الخناق على المملكة العربية السعودية وممارسة أشد الضغوط عليها غير أن هذه الخطوة ستشكل في جوهرها تهديدا حقيقيا للأمن القومي المصري على الرغم من بعد المسافات والحدود الجغرافية بين مصر واليمن، فسيطرة الحوثيين على اليمن تعني سيطرة إيران على اليمن بما يتبع ذلك من إمكانية السيطرة على مضيق باب المندب الذي هو مدخل لقناة السويس.

ومع خطورة الوضع يحاول البعض التخفيف من حدته متعللين بأن مضيق باب المندب مضيق دولي تحكمه قوانين وأمور دوليه قوية كونه منفذًا مائيًا حيويا ومؤثرا وبالتالي يصعب تقبل المجتمع الدولي شيئا من هذا، وهو مبرر يتهافت امام الموقف الإيراني مثلا من برنامجها النووي وتحديها للمجتمع الدولي أو أمام إصرارها على التدخل في العراق أو التحرك بقواتها لمساعدة بشار الأسد في سوريا أو حتى تقديم الدعم المادي إلى قوات الحوثيين ومساعدتهم على هز استقرار وأمن الدولة اليمنية.

ويتناسى هؤلاء أنه حتى ولو بافتراض أن الحوثيين ومن ثم إيران لم تقصد عامدة بشكل مباشر تعطيل مرور السفن من مضيق باب المندب فإن حالة الانفلات الامني والتوتر في اليمن وبالمضيق كفيلة بأن تقلل من مرور السفن وهو ما سيؤثر بشكل سلبي على حركة التجارة في قناة السويس وبالتالي التأثير على إيراداتها أو تعطل التوسعات الجديدة في القناه التي تحتاج إلى ضخ استثمارات ضخمة في السنوات المقبلة.

ويأتي من بين عوامل تشكل رؤية سلبية حول إيران في المرحلة المقبلة أن النظام السياسي الجديد بقيادة عبد الفتاح السيسي يتجه في جميع سياساته بما يتوافق مع التحالف الخليجي وليس التحالف الإيراني حتى وإن بدا الآن وجود توافق إيراني – خليجي – أمريكي فيما يخص الحرب المعلنة على ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في كل من سوريا والعراق فهي حرب يدرك الجميع أنها مؤقتة لكن يبقى في النهاية أن الإستراتيجيات الخليجية والإيرانية متناقضة إلى حد كبير.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق