القاعدة والجهل بفقه الصراع الإسلامي – الشيعي
الخميس 23 أكتوبر 2014

 

 سعيد السويدي – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

تنطلق السياسة الإيرانية من مرتكزات عقائدية قائمة على تعظيم الأئمة الإثني عشر وتحويل مراقدهم إلى مقدسات ومعابد تهوي إليها أفئدة العوام، وتهدف من تعميق حب هذه الأضرحة وتوثيق صلة الناس بها، أن يلتف الناس حول ساسة إيران -رغم فسادهم وسوء إدارتهم- ويصبح التحام الجمهور الشيعي مع قيادته من لوازم تعظيم الأئمة وحماية مذهبهم.

فتعظيم ورعاية وحماية القبور المقدسة عند الشيعة من أهم وسائل إيران للتوسع والتمدد من خلال استنفار همم عوام الشيعة للدفاع عنها، ولم تتمكن إيران من السيطرة على بغداد ودمشق ولم تترسخ هيمنتها الظاهرة فيها إلا بذريعة الدفاع عن المراقد.

فبحجة تفجير مرقد العسكريين في سامراء (2/2006) قام الشيعة بطرد السنة من بغداد وتحويلها إلى مدينة شيعية و"عاصمة موالية لآل البيت"، كما أن التذرع بحماية مرقد زينب في ريف دمشق ملأ العاصمة السورية وبعض ضواحيها بآلاف المقاتلين الشيعة من لبنان والعراق وإيران وأفغانستان.

أما تنظيم القاعدة فسياسته خلاف ذلك تماماً، فهو أولاً يتهم المسلمين في عقيدتهم لأن صحة العقيدة عنده مرهون بالثورة على النظام السياسي، فتستعدي الناس فتنفرهم عن دينهم وتوحيدهم أولاً، وتبعدهم عن مناصرته.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنهم لا يفقهون التوحيد كما يفقهه السلفيون، فالتوحيد عندهم فقط صدام ومفاصلة مع قوى الكفر، والتوحيد عند السلفيين مع ذلك دعوة وتصحيح مفاهيم ورد شبهات، وهذا الخلاف يتجسد في التفريق فيما يعرف بشرك القبور وشرك القصور (كناية عن الأنظمة).

إن شرك القبور الذي يحذر منه السلفيون والذي يصفه المقدسي بأنه (توحيد ناقص مجزأ)([1]) هو سر تفوق الإيرانيين وسياستهم، ولذلك لما أغفل تنظيم القاعدة هذا الأصل العظيم، لم يستطع أن يقاوم الإيرانيين بعقلية "شرك القصور والدساتير الوضعية".

وسياسة إيران المتعمدة على شرك القبور لا تواجه تهديداً حقيقياً من جعجعة الإسلاميين السنة الذين يكثرون من الكلام عن شرك القصور وعمالة الأنظمة العربية وفسادها بل هي تلتقي معهم في عداء الأنظمة (الموالية للغرب)، وإنما يكمن التهديد الحقيقي لإيران والشيعة في العقيدة الوهابية كما يسمونها لأنها وحدها دون غيرها تولي اهتماماً خاصة بالتوحيد والخطر السياسي للاعتقاد القبوري عند الشيعة.

ونسرد فيما يأتي كلام لبعض مفكري ومنظري القاعدة عن شرك القصور وشرك القبور، لتتضح أمام القارئ الصورة الذهنية التي تحكم القاعدة وتعيقها عن فهم إيران ومعتقدها وأسباب قوتها وكيفية مقاومتها.

يقول أبو قتادة الفلسطيني: (هل وقعت أمة الإسلام في الشرك والكفر؟ وفورا سيقفز للذهن التهم التقليدية نحو أهل التوحيد: خوارج، جماعات الغلو، المارقين وغيرها إلى آخر هذه القائمة السوداء.

أما أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يصيبها ما أصاب الأمم السابقة من الشرك والكفر فنعم وألف نعم، والقائلون ببراءة الأمة المنتسبة للإسلام من الشرك هم جاهلون بحقيقة التوحيد، لا يعرفون منه إلا لفظه)، ثم فرق بين أنواع الشرك فقال: (الشرك الأول: وهو شرك عبادة الأوثان، والشرك الثاني: شرك الدساتير والقوانين الوثنية ... وقد لحقت طوائف من أمتنا بهذا الشرك والكفر، ودخلت فيه إلى أعناقها، وهذا شرك الناس هذه الأيام وأغلبه... وهذا النوع من الشرك قد كثر هذه الأيام وتعاظم أكثر من غيره من صور الشرك الأخرى، وهو بلا شك صورة جديدة بهذه الكثرة لم تعهدها أمتنا من قبل على هذه الشّاكلة من الكثرة والوضوح، ولأن كثيراً من النّاس قد مات لديهم الإبداع في اكتشاف صور الشرك وتجدده في حياة النّاس، فإنهم ما زالوا يحاربون الشرك بصوره التي حاربها الأوائل من عبادة قبور وغيرها، وأما ما أحدث الناس من شرك جديد وهو شرك الطاعة والتّحاكم لغير الله فهم لا يقيمون له وزناً، ولا يرفعون له رأساً. 

وإذا كان هناك من الجماعات الإسلامية ممن لم تكتشف شرك القبور، بل دخل بعض أفرادها فيه، فإنّ هناك طوائف من الجماعات الإسلامية لم تكتشف شرك القصور بل دخل بعض أفرادها فيه)([2]).

أما أبو محمد المقدسي فهذه أبرز فكرته التي ظل يدندن حولها، خاصة في كتابه (ملة إبراهيم) وقد نقلنا منه سابقاً.

لكن هناك رؤية جديدة لم تنتشر كثيراً وهي رؤية مصطفى حامد أبو الوليد المصري أحد رموز الجهاد الأفغاني وله كتب كثيرة، فقد كتب تحت عنوان (مِن شرك القبور إلى شرك الشركات متعددة الجنسيات): (يتباهى إخواننا السلفيون بعقيدة يتعالون بها على باقي "الفرق" الإسلامية، خاصة فيما يتعلق بالتوحيد وفهمهم الخاص لها، ويضعون ذلك الفهم في مقابلة الشرك الذي لا يكاد ينجو منه مسلم في نظرهم، مع التركيز بشكل مبالغ فيه على ما أسموه "شرك القبور"، وذلك عنادا مع الصوفية والشيعة. ورغم أن هؤلاء لديهم في معظم الأحوال نصوص يدفعون بها عن أنفسهم، وبما أن كل طرف لديه من النصوص الصحيحة عن طريقة، فكان من المفروض أن يكون ذلك كافيا لوقف الجدال، أو المهاترات، ويبقى كل طرف على قناعاته العلمية، مع إبداء الاحترام أو على الأقل التناسي لما يعتقد الآخر ويمارس.

فإلى جانب إصرارهم العجيب على حصر مفهوم "الشرك" في "شرك القبور" تحديدا، تحولت دعوة "التوحيد" بين أيديهم إلى وسيلة عملية لتفريق الأمة وتمزيقها وبث الصراعات في جنباتها، ذلك في الوقت التي اتحدت فيه باقي الأمم لترمينا عن قوس واحدة في اتحاد نادر الحدوث في التاريخ البشرى، فلم يكد يشذ عنه دين أو ملة أو تكتل سياسي، حتى شمل أغلبية مسلمة معتدلة من الحكام وأصحاب الثروات وعلماء الدين.

هناك عقائد إسلامية عظيمة تأخذ مصاديق جديدة مع كل عصر طبقا للتطور المستمر في حياة الناس، ذلك التطور يعطى مصاديق جديدة حتى للإيمان والكفر، أو التوحيد والشرك. فلا يعقل أن يظل "التوحيد" ذلك المبدأ الأعظم في الإسلام منصرفا إلى مكافحة "شرك القبور"، ذلك الشرك الموهوم في أكثر الأحوال، فلدى الصوفية والشيعة ما يستحق الإنصات إليه. أما ممارسات العوام فالكثير منها يعود إلى (شرك الجهل والفقر والحاجة والقهر السياسي وهي "موبقات" يجب أن تنقشع عن المجتمعات)، الأمر الذي سيستلزم القضاء على الفقر والاستبداد واحتكار السلطة والثروة .. وقبل كل شيء التحرر من السطوة الخارجية المباشرة (الاحتلال) أو غير المباشر (تحالفات السلام والصداقة والتعاون المشترك).

المشكلة الحقيقية التي تهدد التوحيد ليست في المقابر بل في القصور التي تحولت إلى سماوات للآلهة تقضي وتحكم في كل شيء. تعطي وتمنع، تحيي وتميت، تعز وتذل. هنا الشرك الحقيقي الذي لا شبهة فيه بجهل أو بنص غير ثابت. ومع ذلك يرقد أكثر العلماء على أعتاب حكام الجور في انتظار "الجراية" والرضا الحكومي.

فلماذا يظل مفهومنا للتوحيد والشرك سجينا في القبور تاركا الأرض لهؤلاء الشياطين؟

 فهل يمكن أن نسأل أنفسنا: لمصلحة من هذا الإصرار على صرف أنظار المسلمين عن الاتجاه الصحيح لفهم عقائدهم وفقا لمعطيات العصر؟

إلى متى نبقى بين القبور نبحث عن معنى التوحيد والشرك تاركين الأرض والبحر والفضاء لشركات الجبابرة متعددي الجنسيات وتاركين الحاضر والمستقبل بأيدي أشد الناس عداوة للناس ولرب الناس ولجميع الأنبياء والرسل؟؟

كيف نفهم التوحيد والشرك وقد باع الجبابرة عندنا مفاتيح الثروة لتلك الشركات وتلك البنوك. وفتحوا لها الأسواق. ويمهدون باقي ثرواتنا من أرض زراعية وماء شرب لبيعها لهم في القريب العاجل. وتبقى شعوبنا بلا أوطان ومجرد باحثين عن وظائف لدى تلك الشركات، التي سترى في معظمنا مجرد عمالة زائدة يجب طردهم خارج ممتلكاتها، واستيراد عمالة ماهرة من بلاد أخرى أكثر تطورا لها ديانات غير إرهابية أو حتى بلا ديانات أصلا.

أم أن التوحيد يستدعي فهما آخر .. وعملا آخر لتحقيقه على أرض واقعنا الحالي؟ وأن هناك أصناما جديدة ينبغي تحطيمها)([3]).

وهذا الطرح المختلف واللغة الجديدة لفكرة قديمة تظهر أن صاحبها لم يقرأ كتب السلفيين، ولذلك جاء نقده لدعاة التوحيد أشد من نقد المقدسي وأبي قتادة على أن الجميع مشتركون في ذات الغاية والمقصد.

وأبو الوليد المصري الذي يرى عدم الصدام مع إيران والاستفادة منها قدر المستطاع في صالح الجهاد، وربما هذا عائد لعدم اطلاعه على كتب السلفيين وأدبياتهم فالحاجز العقائدي والنفسي ضد إيران غير موجود لديه، لكن من العجب أن يلتقي معه في ذات النظرة – إلى حد ما- عطية الله الليبي الذي يفترض أنه تشرب عداوة الشيعة من كتب السلفيين ويملك وعياً عقائدياً يمنعه عن التورط مع إيران ولو تحت ستار المصلحة الجهادية!!

يقول عطية الله: (النصارى الصليبيون (أمريكا والغرب) عدوّ، والرافضة ومجوس إيران عدوّ، ونحن المسلمين والحركة الجهادية التي هي طليعة أمة الإسلام اليوم، تعرف بحمد الله تعالى وتفقه كيف تتصدى لأعدائها وتجاهدهم على بصيرة وعن وعي وعلم وفقه وحكمة، ومن ذلك المعرفة بمَن تقدّم ومَن تؤخّر، ومَن تحارب ومن توادع، والمعرفة بخطر كل عدوّ وحجمه، وسائر ما يتعلق بهذا الشأن.

وأحكام الجهاد قتالا وصلحاً وهدنة، وأحكام العلاقات مع الأعداء على اختلاف طبقاتهم سلماً وحرباً، وكل ما يتعلق بأفعال المكلفين من أحكام، متضمَّنٌ في الشريعة الإسلامية، وهي أعم من أن تؤخذ من هذا الحديث الفرد أو غيره من آحاد الأحاديث([4])، هي شريعة متكاملة، والحمد لله.

ومما ينبغي التفطن له أن ذينكَ العدوّيْنِ بينهما خلافٌ وصراعٌ، وكلاهما في حال خوفٍ وفي أوضاع صعبة، وكلاهما يسعى لكسب أعداء أعدائه ما استطاع أو تحييدهم، والوضع معقد أشد التعقيد، والمنطقة على حافة انفجار محتمل في أية لحظة، والفتن عظيمة، والأعداء ليسوا هيّنين بل هم متمرسون بالمكر والخديعة، كفانا الله شرهم، والأمريكان في العراق الآن من أخطر فتنتهم أنهم ساعون في كسب طوائف وجماعات من أهل السنة إلى صفهم بذريعة مواجهة عدوّ مشترك هو إيران والرافضة، وتحت طائلة التخويف من الرافضة وإيران يسعون حثيثا إلى تحييد بعض الطوائف السنية واكتسابها وربما حتى التحالف معها، وهذا موردُ فتنة كبير.!

وهم يجنّدون في ذلك من الأولياء ومن فنون المكر والدهاء والإغراء ما لا يعلمه إلا الله.

ولهذا تلاحظ عند بعض الناس تضخيما كبيرا للخطر الرافضي، وإي والله إنه لخطرٌ عظيم، لكني أشعر أن هناك مبالغة بالفعل عند بعض الناس في تصوير هذا الخطر وتصوير أولويته.

في نظري –والله أعلم بالصواب- أن على الحركة الإسلامية الجهادية أن تثبت وتحافظ على استقلالها ونقائها، ولا تُستفَـزّ لا تُستَـجر إلى الكون مع أحد الطرفين أصلا مهما استطاعت، ولاسيما مع العدو الأكبر والأقوى وهو العدو الأمريكي الصليبي وأولياؤه وحلفاؤه)([5]).

فالتهويل من الخطر الأمريكي مقابل التهوين من الخطر الإيراني مرده تقديم خطر ما يسمى شرك القصور على شرك القبور، بل حتى خطر إيران عند القاعدة خطر عارض طارئ سببه التحالف مع أمريكا والاستقواء بها، أي أنها في نهاية المطاف مرتبطة بالخطر الأمريكي! وهذا الإلحاق والربط بين المشروعين "الأمريكي والإيراني" يذهب بشكل تلقائي لصالح التهوين من خطر إيران، لأن العقل الإسلامي العربي المعاصر قد تركب على اعتبار مركزية أمريكا في صناعة الشر وتوليد الفساد في هذا العالم! لذلك فكل ما يقترن بها ويتحالف معها يصغر شره أمام تعاظم النظرة إلى شدة مكرها وتمحور الشر حولها!

 

 



[1] - ملة ابراهيم (ص 16).

[2] - (بين منهجين –سلسلة مقالات) المقال السابع، وقد طبعت مقالاته البالغ عددها (98) في كتاب.

[3] - من كتابه: السائرون نياماً.

[4] - يقصد حديث (تصالحون الروم صلحاً آمنا)، وقد كان السؤال عن مخالفة واقع القاعدة للحديث بالوقوف إلى جانب إيران ضد الروم، نص السؤال (حديث: تصالحون الروم صلحاً أمناً)، بعضُ الناس أيضا يقولون إن هذا قد يكون المقصود به أن المسلمين يصالحون أمريكا والغرب وهم الروم، ويقاتلون معاً عدواً واحداً هو الرافضة ومجوس إيران؟).

[5] - لقاء الشيخ عطية الله مع مركز اليقين الإعلامي (يونيو 2007).

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق