الطائفية ومطبات استدعائها في السياق المغاربي
الخميس 23 أكتوبر 2014

 

 بوزيدي يحيى – كاتب جزائري

 

 

خاص بالراصد

  أضحى مصطلح "الطائفية" من بين المفردات الأكثر تداولاً في الساحة السياسية والإعلامية، وحتى الأكاديمية والفكرية العربية، وقد ارتبط في العقد الأخير، وخاصة بعد احتلال العراق، بالإشكال السني الشيعي، وتفاقم أكثر بعد الثورة السورية التي جلّت حقائق لطالما جرت عمليات ممنهجة لطمسها حول التنظيمات الشيعية الطائفية، التى كانت تتحرك في إطار هذه الأجندة منذ الثورة في إيران سنة 1979 التي بدأت معها الإرهاصات الأولى لجرف الشيعة باتجاه مشروع سياسي خارج حدود الدولة الوطنية القطرية.

وقد فشلت محاولات بعض الأطراف العربية السنية لتطويقها من خلال التفاعل مع دعوات التقريب بين المذاهب، حيث عقدت في هذا الإطار الكثير من الندوات، والمؤتمرات. ولكن بالموازاة مع ذلك استمرت الظاهرة في منحى تصاعدي حتي أصبح الهلال الشيعي الإيراني بدرا طائفيا كاملا الآن.

 وما يجري حاليا لا يعدو أن يكون حلقة متجددة من سوابق تاريخية، فالطائفية ظاهرة تعد "سمة مشرقية" ليست وليدة اليوم، وإنما هي قديمة قدم التعدد والتباين "الطائفي" هناك، والذي عرف جولات من الصراع الدموي والتعايش أيضا، لكن ذلك لم يمنع من انتقال الظاهرة إلى المغرب الإسلامي كما حصل مع الدولة الفاطمية، غير أن هذه المحطة التاريخية مع سلبياتها، لم تؤثر على الانسجام شبه الكلي دينيا ومذهبيا الذي تعرف به مجتمعات الدول المغاربية السنية المالكية في غالبها الأعم.

ولكن في المرحلة الأخيرة باتت الأوساط النخبوية المغاربية توظف مصطلح "الطائفية" في العديد من السياقات، ومن بينها توصيف بعض الظواهر في هذه المجتمعات بل وحتى وسم فئات محددة بها، خاصة لما يتعلق الأمر بالمسألة الشيعية السنية. فإلى أي مدى يصلح توظيف مصطلح الطائفية "المشرقي" في البيئة المغاربية؟

الجدل المشرقي حول مشكلة الطائفية:

  أول ما يقف عليه الباحث أن مصطلح "الطائفية" كغيره من المصطلحات يشهد تباينا في التعريفات ربما لا يقل جدلا عن مصطلح الإرهاب، بل إن المفردتين متلازمتان حاليا حيث يمكن اعتبار القيم أو الأفكار "الطائفية" مقدمات موضوعية للسلوكيات "الإرهابية"، ولكن كلا المفردتين يجري توظيفهما بطريقة انتقائية لا تخطئها العين([1]).

  والمسألة الطائفية في المشرق لها سياقها التاريخي وإشكالياتها وجدلها، ولعل أهم جزئياته خاصة حول ثنائية السنة والشيعة، رفض السنة وسْمهم بالطائفة لأسباب عديدة أهمها أنهم هم الأكثرية، وهم الأمة بينما الشيعة هم الأقلية وبالتالي تنطبق عليهم صفة الطائفة([2]).

وحتى إذا تجاوزنا البعد الاجتماعي إلى الطائفية السياسية من الزاوية (السنية/ الشيعية) كظاهرة مرتبطة بالدولة الوطنية فإن الوقائع تثبت كيف أن الشيعة تدثروا بغطاء الطائفية لتبرير سياساتهم، من حزب الله إلى الحوثيين في اليمن مرورا بالمليشيات العراقية التي تقاتل في سوريا.

والأمر نفسه ينطبق على النظام السوري، الذي كان الاستقطاب الطائفي جزءًا من استراتيجيته لتقسيم الرأي العام وحرف الأنظار عن المنحى السياسي للصراع وتخفيف الضغط عليه، واستنفار المتطرفين الإسلاميين الذين يتذرع بهم منذ زمن طويل لتبرير سياساته القمعية. ومن ثمّ، جاءت أحداث العنف الطائفي كرد فعلٍ على هذه الاستراتيجية بأدواتها المختلفة (الشبيحة والمتطرفون الإسلاميون( ([3]).

فقد اتهم النظام الثورة منذ أسبوعها الأول بالفتنة الطائفية، وأخذ إعلامه الرسمي وغير الرسمي يبثّ خطابا طائفيا في محاولةٍ حثيثةٍ لدفع المحتجين للرد بصورة طائفية. كما ارتفعت وتائر المشكلة الطائفية مع إفراط النظام وميليشياته باستخدام القوة، وإضفاء طابع طائفي مقصود على عنفه في محطات عديدة([4]).

الطائفية في عيون المغاربة:

 يشير المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري إلى موقف يعكس إلى حد كبير جدا جهل المغاربة التام بالطائفية عندما يسرد موقفا حصل له في سوريا سنة 1958 عندما كان طالبا هناك لسنة واحدة، باندهاشه لِمّا حل بدمشق لأول مرة من تحية الناس لبعضهم البعض بكلمة "مرحبا"، ومصدر الاندهاش اعتياده في المغرب استعمال هذه الكلمة في مقام الترحيب فقط، أما مقام التحية فالعبارة المستعملة هي: "السلام عليكم".

ولم يفهم السر في اختلاف عبارة التحية في المشرق عنها في المغرب إلا عندما مرّ وقت كافٍ ليكتشف أن في الشام طوائف غير مسلمة، وأنه بالتالي كان لابد من كلمة محايدة تتبادل بها التحية. أما في المغرب حيث السكان كلهم مسلمون فالعبارة الإسلامية في التحية بقيت سائدة لا تثير أي إشكال([5]).

  وما حصل مع الجابري يحصل مع جلّ المغاربة في احتكاكاتهم بالمشارقة، فهم ينظرون إلى المشرقي سواء كان خليجيا أو عراقيا أو مصريا أو شاميا بأنه مسلم، ولا ينتبهون حتى إذا كان مسيحيا أو قبطيا، فما بالك أن يكون شيعيا أو سنيا. والجهل بهذه الخلفية كان من بين الأسباب التي ساهمت في انتشار التشيع في المغرب الإسلامي من قبل الأساتذة الذين استقدموا إلى الجزائر بعيد الاستقلال بشكل خاص حيث كان منهم شيعة استغلوا عفوية المغاربة وجهلهم بهذه الخلفيات في نشر معتقداتهم.

وأيضا تشيع الكثيرون في أوساط الجاليات المغاربية في الدول الغربية تأثرا بالشيعة من المشرق، وإلى الآن يتعاملون مع مختلف وسائل الإعلام من فضائيات ومواقع دينية بنفس العفوية، لذلك يستغلها الشيعة في نشر معتقداتهم في الأوساط المغاربية.

الاستنساخ الإعلامي:

  لا يقتصر إشكال الجهل بالطائفية عند هذا المستوى وإنما يمتد حتى إلى الأوساط الإعلامية التي تتعامل مع "المشكلة الطائفية" بكل حمولتها المشرقية دون أي قراءات موضوعية مستقلة، ويعتبر المجال الإعلامي من بين أبرز الشواهد على ذلك، إذ المتلقي المغاربي للأخبار والتحليلات السياسية لا زال يعتمد على الفضائيات المشرقية بمختلف اتجاهاتها، خاصة مع تمركز أهم التطورات الدولية في تلك المنطقة، التي تعطيها القضية الفلسطينية والأهمية الدينية للأقصى بعدا إضافيا، وتجعلها محط اهتمام المغاربي بحكم الانتماء للدائرة العربية والإسلامية.

وحتى الفضائيات المغاربية وكل وسائل الإعلام الأخرى لا تتعامل مع الأحداث بمفردات خاصة بها، وإنما تعيد تكرار نفس المصطلحات رغم التحيزات الحاصلة فيها، وأبرز الأمثلة على ذلك ما يجري في سوريا، حيث يتم الحديث عن جماعات متطرفة في المجال السني ونعت سلوكها بالطائفي، ونزع هذه الصفة عن التنظيمات الشيعية الموالية لإيران، ورغم تصريح حزب الله بمشاركته في الحرب لا زالت تنسب المعارك وتحصرها بين الجيش النظامي والمعارضة في أفضل الأحوال.

وحتى الآن هناك من لا يستسيغ نعت الحزب بالطائفي رغم كل القرائن الذاتية والسلوكيات خلال العقد الأخير على الأقل، وتحديدا منذ الثورة السورية.

  وهناك من يعتبر أن الخطاب الإعلامي المشرقي يَنقل إلى المجتمعات المغاربية خطابه الطائفي ويزرع فيها التطرف والانقسام، غير أن ما ينبه له هؤلاء ويحذرون منه نجدهم يقعون فيه بشكل أو آخر، ذلك أنهم ينقلون الخطاب الطائفي بل ويستعملون مفرداته وتحديدا "الطائفية" دون الوقوف عند معانيها. فما يجري في السياق المغاربي من طرف بعض النخب هو نعت كل من ينتقد الشيعة بالطائفي، ونجد هؤلاء يتحدثون كثيرا عن الخصوصيات المغاربية والتهديد القادم من المشرق من قبل المذاهب الأخرى([6]).

فهذا الموقف السلبي منها رغم عدم خروجها عن دائرة أهل السنة ونعتها "بالخطورة" يطرح سؤالاً حول طبيعة الخشية والخطورة من ماذا؟ ولماذا مصطلح الخطورة؟، أليس هذا سلوكا طائفيا بعينه؟ ما الذي يميز هؤلاء عن غيرهم إذا؟

الإسقاطات الاجتماعية في المجال المغاربي:

  لم تتوقف المحاكاة المرتجلة عند هذا الحد، إذ لم تقتصر هذه التوصيفات على القضايا المشرقية فقط، وإنما درج الباحثون المغاربة على توصيف بعض الظواهر المغاربية بالطائفية، خاصة الاتجاه السلفي الذي يتصدر مواجهة خطر التشيع، ما يسهل نعته بهذه الصفة لدرجة وضعهم في سلة واحدة مع المتشيعين. وهنا نقف عند الملاحظات التالية:

1- الذي يميز جلّ الطوائف ولا نجده ينطبق على الحالة السلفية هو إضافة إلى المنظومة الأيديولوجية اجتماع البعد العرقي أو العشائري أو القبلي وشغل حيز جغرافي محدد، وقد يغيب أحد العنصرين ولكن لا ينعدم كلاهما، والآراء والمواقف الدينية التي يتميز بها هؤلاء ليست متناقضة تماما مع ما هو موجود في المجتمعات المغاربية، بدليل استنادهم على أقوال المالكية في محاججاتهم الفقهية.

2- المنطلق في التصنيف يجعل كل الحركات الإصلاحية السابقة والحالية وحتى اللاحقة مجرد تمظهرات طائفية نتيجة عوامل خارجية بدرجة أولى أو داخلية، فالطائفية يمكن أن تقال أيضا بأثر رجعي على جهود جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلى رأسها الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي انتهج هو الآخر مسارا إصلاحيا مخالفا لما هو سائد من تدين رسمي وشعبي في تلك المرحلة، ويمكن تعميم ذلك على كل الحركات الإصلاحية المغاربية.

3- ألا يمكن أن نعتبر الدفاع عن الهوية المغربية ممثلة في المرجعية الوطنية المالكية تعصبا وطائفية؟، لماذا يحق لنا الدفاع عن هويتنا ومذهبنا ونتهم من يفعل ذلك في المشرق بالطائفية؟ ثم إذا نظرنا للأحداث في المشرق العربي فمن هو الطرف المهاجم والطرف المدافع؟ حتى الحوثيين في اليمن الذين كانوا في السنوات الماضية يدّعون المظلومية ويبررون حروبهم بالدفاع عن مناطقهم في صعدة، ها هم اليوم يسيطرون على صنعاء ويتحالفون مع من يفترض أنه كان يضطهدهم.

الخلاصة:

   لا يمكن إنكار ظاهرة الطائفية من الأساس، ولكن عندما تصبح سلعة رائجة في البازار السياسي، فإنه من الحري بنا عدم استعمالها في المجال الاجتماعي والسياسي المغاربي، خاصة وأن هذا المفهوم يُحدث الكثير من الارتباكات عند المتلقي الذي تتجاذبه مختلف التيارات عبر وسائل الإعلام المفتوحة على مصراعيها دون ضابط محدد. وإذا كانت التنشئة الاجتماعية للمشرقي فضلا عن الحياة السياسية وتمايز المحاور السياسية والإعلامية تجعل من هذه المسألة محسومة النتائج بالنسبة له حيث الاصطفاف في النهاية خلف الانتماء الأصلي، أما في الحالة المغاربية حيث استطاع الخطاب الشيعي النفاذ من خلال الترويج لنفسه على أرضية أطروحة المظلومية وتحت غطاء محاربة الصهيونية، وبمعية الكثير من رموز الحركة الإسلامية المغاربية التي تصدرت وتتصدر المشهد الديني والسياسي، مما أربك المغاربة ليس بنقل الطائفية كمفهوم بعلاته المشرقية فحسب، وإنما ساهمت في الانتصار لأطروحة مضادة، بل أكثر من ذلك استثمرت فيها لتحقيق انتصارات وهمية على أطياف منافسة لها في الحقل الديني المغاربي، وكل ذلك على حساب الهوية الإسلامية السنية المالكية.

  بناءً على كل هذا فإن توظيف مصطلح الطائفية على المستوى الاجتماعي حتى وإن كان مبررا "أكاديميا" إلى حد ما إلا أن استدعاءه من بيئة مشرقية معروفة به تاريخيا ومنذ قرون عديدة لدرجة أصبح يحمل الكثير من الحمولة السلبية تتطلب عدم توظيفه في البيئة المغاربية التي لم تشهد أو تعش حالة طائفية مماثلة.

والنخب السياسية والإعلامية عليها مسؤولية تاريخية في التأسيس لخطاب قد تستثمر فيه أطراف خارجية أو داخلية، وليس معنى هذا عدم الانتصار للمعتقدات السنية أو قطع الصلة مع المشرق التي يعد مجرد الحديث عنها ضربا من الخيال، وإنما بغربلة المفاهيم ومعالجة القضايا بموضوعية تسمح بها المسافة الجغرافية بين المشرق والمغرب التي تمكن من قراءة جيدة لمختلف المشكلات.

 



([1]) هناك من يفرق بين الطائفة والطائفية، فالأولى هي تكوين اجتماعي ديني يقوم على نمط محدد للممارسة الدينية. أما الثانية فهي نزعة تعصبية تجعل الفرد يقدم ولاءه الكلي أو الجزئي للقيم والتصورات الطائفية. انظر: رياض زكي قاسم وآخرون، الهوية وقضاياها في الوعي العربي المعاصر، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2013، ص 159- 160.

([2]) يعترض الباحث كاظم حبيب على صفة "الأقلية" في الطائفة، ويعتبر ذلك خطأ، لكنه هو الآخر يقع في خطأ التعميم أو ضرب أمثلة استثنائية، فما ذهب إليه يصلح لربط المفهوم بالدولة وليس الأمة، حيث قد يكون السنة أقلية أو الشيعة أقلية في دولة ما، ولكن على مستوى الأمة فلا شك أن الشيعة هم الأقلية، وبالتالي هم الطائفة. لتفاصيل أكثر، انظر: كاظم شبيب، المسألة الطائفية: تعدد الهويات في الدولة الواحدة، بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 2011، ص 39

([3]) وحدة الدراسات السورية في المركز العربي، أبعاد العنف الطائفي في الساحل السوري، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يناير 2014، ص 70.

([4]) المرجع نفسه، ص 10.

([5]) حسن حنفي ومحمد عابد الجابري، حوار المشرق والمغرب نحو إعادة بناء الفكر القومي العربي، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1990، ص 17.

([6]) نلاحظ هذا في الخطاب الرسمي الذي يحذر من المخاطر التي تهدد المجتمعات المغاربية، ومن ذلك ما يتردد في الإعلام الجزائري على سبيل المثال لا الحصر لا تخرج كتابات الدكتور بومدين بوزيد الذي يشغل منصب مدير الثقافة بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية بالجزائر وتصريحاته عبر وسائل الإعلام عن هذا الإطار، وأيضا كتابات الباحث المغربي عبد الحكيم أبو اللوز الذي يصف التدين السلفي بالطائفي، انظر مثلا هذا الحوار معه: باحث في الحركات الدينية: السلفيون فرضوا سيطرتهم على الساحة بفعل تنظيمهم الطائفي، جريدة الوطن الآن، على الرابط: http://cutt.us/xHik8

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق