فكرة الحرس الوطني السُنّي في العراق
الخميس 23 أكتوبر 2014

 

 علي عبد الهادي – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

يدور في الأوساط العراقية حديثٌ حول مشروع أمريكي لتشكيل حرس وطني سني للمحافظات السنية، ويتمّ الآن جس نبض الشارع السني تجاه هذا المشروع.

وتدور فكرة المشروع على إيجاد قوى محلية شعبية تتبع للحكومة ولكنها ليست من قوات الجيش ولا الشرطة في أربع محافظات سنية هي: نينوى والأنبار وصلاح الدين وديالى، كنوع من الحل للقضية السنية في العراق، لكن لا تزال البنية القانونية والإدارية للمشروع هشة وغير واضحة الملامح.

هذه المحاولة تأتي في أعقاب معاناة السنة في العراق من السياسات الطائفية ضدهم بعد احتلال العراق وخاصة خلال ولاية نوري المالكى، الذي أقصى السنة من الأجهزة الأمنية، وقام بشراء ذمم الكثير من قياداتهم صاروا يُعرفون بـ (سنة المالكي).

لم يُطرح مشروع الحرس الوطني بشكل رسمي في مجلس النواب وإنما طرحه بعض السنة في وسائل الإعلام، وفي هذا المقال سنلقي بعض الضوء على هذا المشروع بما له وعليه:

هذا المشروع هو جزء من مشروع أمريكي لإعادة تأهيل الأجهزة الأمنية العراقية بعد هزيمتها أمام تنظيم داعش، وووضوح مدى هشاشة وفساد الجهات الأمنية العراقية، وقد عبّر جون كيري وزير خارجية أمريكا عن المشروع بقوله: إننا بحاجة لزجّ ميلشيات سنية للجيش، ولكن بحيث تكون قوات احتياطية تحت إمرة مجالس المحافظات السنية، وهي صيغة لا مركزية للجيش، وعلى الحكومة العراقية (الشيعية) أن تلتزم برواتب هذا الحرس وصلاحياته، وكذا أن تعطي في ذات الوقت صلاحيات سياسية أكثر للمحافظات السنية.

فوائد هذا العمل من وجهة النظر الأمريكية هو تخفيف الإحتقان الطائفي في العراق؛ لذلك تؤكد أمريكا أن هذا العمل يحتاج إلى طمأنه العراقيين أن الجيش القادم لن يتدخل في الشأن السياسي العراقي.

تاريخ تجربة الجيوش المؤقتة في العراق:

في مطلع تأسيس الدولة العراقية عمل الإنكليز على تشكيل جيش من الأقليات سمي قوات (Levies / الليفي) من مسيحيي العراقي من الطائفة الآثورية في الشمال، ومن قوات الشبانة في الجنوب الذين استخدهم الإنكليز لحمايتهم، وكان هذا قبل تأسيس الدولة العراقية.

وبعد ثورة 1958م وتحول العراق من الملكية إلى الجمهورية، ظهرت قوات سميت (قوات الدفاع الشعبي) غالبيتها تشكلت من الشيوعيين.

ثم بعد انقلاب 1963 شكل حزب البعث قوات الحرس القومي.

وفي زمن صدام حسين شكل الجيش الشعبي.

هذه تجارب كلها كانت سيئة السمعة والصيت عند المواطن العراقي، وهي وجدت أصالة لحماية الحاكم وسلطته ونظامه عندما ينعدم الولاء له في قوات الجيش والشرطة، فيسعى لنوع من التوازن بإيجاد جيوش شعبية رديفة تتبع له.

تجربة قوات الصحوات ما بعد الاحتلال الأمريكي 2003:

أسست الأحزاب الشيعية ميلشيات طائفية منها ما تأسس منذ الثمانينيات من القرن الماضي في إيران كقوات بدر التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى، ومنها ما تأسس في العراق عقب الاحتلال الأمريكي كجيش المهدي ومليشيات التيار الصدري، ومنها ما ظهر مؤخرا كعصائب أهل الحق، وكتائب أبي الفضل العباس، وهذه نشأت لتنفيذ أجندة إيران بالعراق أو أجندة الأحزاب الشيعية، واستطاع المالكي في سني حكمه الأخيرة ومن خلال التمويل أن يستعملها لخدمة كتلته ولتجديد رئاسته للحكومة ولمحاربة خصومه من الشيعة والسنة.  

في المقابل، وفي سنة 2006، وبعد جرائم هذه الميلشيات الشيعية بحق السنة بعد تفجير القبتين في سامراء، تولد رد فعل عند أهل السنة خلاصته: أن أهل السنة أصبحوا بين نارين وبين احتلالين (أمريكي وإيراني) وأن هناك جهة سنية مقاتلة (القاعدة) تَستهدف أهل السنة مع ذلك لبناء دولتها الخاصة دون مراعاة مصالح سنة العراق، وأن مشروع القاعدة هو مشروع في أحسن أحواله مشروع عالمي لا يخدم سنة العراق؛ لأنه يمارس التكفير والإقصاء ومحاربة العشائر والحركات السنية المجاهدة والمقاومة، وفي ذات الوقت يفجر في المناطق الشيعية ولا يسيطر عليها مما تسبب في تهجير مئات الآلاف من السنة.

هذا الواقع استدعى قيام عدة جهات سنية بالاتفاق مع الأمريكان بتشكيل قوات سميت (بالصحوات) وهو تعبير عن إعادة نظر في تحديد مصالح سنة العراق الحقيقية من القتال والمقاومة، كان من أشهرها صحوة عبد الستار أبو ريشة التي استطاعت القضاء على القاعدة في محافظة الأنبار خلال أشهر، لكنها اشترطت عدم دخول الحكومة (الجيش أو الشرطة) في هذه المناطق كي ينجح عملها، وقدر عدد عناصر الصحوات بين 60 - 80  ألفا وقيل أصبحوا أكثر من 100 ألف شخص من أبناء العشائر السنية.

لكن المالكي أدرك خطورة هذه القوات عليه مستقبلاً، فتنصل من الوعود والاتفاقات بدمج الصحوات مع الجيش والشرطة، وعمل على شراء ذمم أكثر قياداتها حتى نخرها الفساد المالي،  وعمل المالكي على تمكين القاعدة من قتل وتصفية الآلاف من عناصر الصحوات بغض الطرف عن تحركاتهم وتسهيل فرارهم من السجون، مما أفشل الصحوات. 

تجربة الصحوات الثانية:

بعد أن تكونت داعش في سوريا سنة 2013، وبعد أن هاجم المالكي ساحات الاعتصام في الأنبار قبل سنة تقريبا معتقلا النائب الدكتور أحمد العلواني، شاناً للحرب على أهل الأنبار بحجة محاربة داعش، وفشل الجيش الحكومي بتحقيق شيء على الأرض تم اللجوء إلى بقايا الصحوات من أمثال أحمد أبو ريشة، وعشائر البو نمر، والجغايفة وغيرهم من عشائر الأنبار الذين أصبحوا عملاء للحكومة العراقية؛ لذلك لم يلقوا أي قبول داخل الوسط السني، وفشلت المحاولة.

تجربة الحرس الوطني اليوم:

لا تعدو تجربة الحرس الوطني أن تكون صحوة جديدة، لمواجهة داعش لكنها هذه المرة بثمن مختلف، وذلك أن أفرادها سيكونون من يمثل مناطقهم ويحميها، وهذا نوع من الإغراء الحكومي للسنة بدلا من الفيدرالية، إذ أن السنة شعروا بالإقصاء والتهميش والحرب الطائفية طوال فترة حكم المالكي.

وتقوم فكرة المشروع على تشكيل مجموعات مسلّحة تنتظم خارج الجيش والشرطة الرسميين، للعمل كاحتياطي محلي تحت سيطرة حكّام المحافظات، ولكن التفاصيل لا تزال غير واضحة بل غامضة، أما هيكليتها العسكرية فهي تتأسس على هيكلية عسكرية لا مركزيةً، لكن نجاحها يتطلّب التزامات من حكومة حيدر العبادي بأن تسمح بنقل سلطات سياسية حقيقية إلى المجتمعات المحلية، في المحافظات السنية.

هناك قبول بالمشروع من بعض العشائر السنية؛ بسبب سوء سلوك داعش وعدم الرغبة بالعودة لحكم القاعدة، والطمع بالمكاسب السياسية والمالية من الدولة.

من عوامل نجاح هذه الفكرة أن الدول المجاورة للعراق كالأردن ودول الخليج تشجعها وتعتبرها القوة السنية التي ستوازي إيران، والتي ستحارب داعش التي تشكل قلقا للمنطقة، وهي كذلك بالنسبة لبعض دول الخليج قوة عشائرية غير إسلامية.

لكن هذا الاحتضان العربي للمشروع سيكون مبررا لقلق إيران وشيعة الحكم منه، نظراً إلى أنه يُتوقّع أن يتراوح عدد أفراد الحرس الوطني بين 120 و200 ألف، الأمر الذي سوف يجعل هذه القوة تشكّل تهديداً محتملاً للجيش النظامي والشرطة العراقيين، اللذين بلغ عدد عناصرهما التقريبي 750 ألفا (كجيش فقط) في بداية العام 2014. وقد انخفض هذا العدد كثيرا بعد 10/6/2014 أي بعد أحداث نينوى، بسبب كثرة الهروب والانشقاقات داخل الجيش منذ ذلك الحين وبسبب خسائر المعارك، وأنها قوة على كثرتها مشلولة بسبب المحسوبية والفساد والطائفية.

تحاول إيران أن تبقي الملف الأمني في العراق بيدها، لأنها تخشى من ظهور أي قوة سنية، ولذلك هي تسعى لتسخير المشروع ليصبح أداة لقتال داعش، فيضعف الطرفان ثم تقلص الصلاحيات العسكرية لها وتحولها إلى قوة منزوعة الدسم.

للوصول لذلك تتبع إيران سياسة التلاعب بالعشائر السنية فتمنح هذه أكثر وتقدم هذه وتؤخر تاك وتشعل المنافسات حول العقود والمال للإفساد بين العشائر السنية.

مصير الفكرة:

عمليا الفكرة طبقت قبل وجودها، فالصحوات موجودة بالتحديد في الأنبار وصلاح الدين، وداعش لم تترك لهؤلاء فرصة للتفاوض فقد شنت عليهم حملة لا هوادة فيها وقتلت منهم الكثير وأصبحت قضيتهم قضية مصير لذلك دافعوا ووقفوا ضد داعش بصلابة، وقوة، وشعرت الحكومة بحاجتها لأولئك، في مناطق الأنبار وصلاح الدين لكنها فشلت في محافظة كركوك والحويجة.

واليوم وبعد سقوط 80 % من الأنبار بيد داعش، وتهديد بغداد، يقوم الجيش العراق مصحوبا بالميلشيات، مع الصحوات بمواجهة قوية في محورين ويحقق تقدما ملحوظا. مما يعني أن هؤلاء سيمثلون السنة في محافظاتهم، أي أن مستقبل الحرس الوطني والصحوات هو حكم المناطق السنية الأربع ويبقى الصراع حول كركوك وديالى.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق