قراءة للمنطقة بعد الحلف الأمريكي الجديد
الخميس 25 سبتمبر 2014

 

 صباح العجاج – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

حشدت أمريكا ٤٠ دولة في مواجهة تنظيم داعش مدعومين بـ ٥٠٠ مليار دولار، والمدة المفترضة  ٣ سنوات، هذا هو مشروع أمريكا هذه الأيام.

لكن داعش ليست بهذا الحجم فالأخبار تقول إن جيش البغدادي من حيث المقاتلين الناشطين قريب من 10 آلاف شخص منتشرين في العراق، أما في سورية فيبلغ عدد من يباشر القتال هناك 13 ألف مقاتل منتشرين فيها، ولهم مؤيدون أكثر من ذلك.

وهؤلاء ليسوا بحاجة لمثل هذا التحالف الكبير، فأمريكا في سنة 1990 حشدت ضد العراق بعد غزوه للكويت ٣٢ دولة بتكلفة ١٠٠ مليار دولار، ولمدة شهرين، رغم أن الجيش العراق والحشد المساند له تجاوز ثلاثة ملايين جندي، مع ترسانة متكاملة وفي جبهة قتال واحدة هي (الكويت)، وهُزم الجيش العراقي في أقل من شهرين. والسؤال لماذا كل هذا التحشيد؟

منْ يقرأ الأمور عن كثب لابد له من القناعة التامة بأنه لن يُقضى على داعش في هذه الحرب تماما كما يتمنى المتمنون، فداعش أداة (وُظِّفت بذكاء) لأغراض كبيرة واستراتيجية، وأحد مهماتها هو رسم خارطة جديدة للمنطقة، سواء كانت الخارطة الجغرافية أو مواقع القوى العالمية؛ أي الصراع الأمريكي الغربي مع روسيا والصين.

لن تقاتل أمريكا مباشرة في هذه الحرب؛ لذلك وسَمَتها بالطويلة لأنها ستكون حربا بالنيابة في كل شيء، فقط ستكون مهمة أمريكا توجيه استخباراتي أمني، وسيطرة من الجو، وفي نهاية المطاف لن تقضي أمريكا أبدا على داعش، كما أنها لم تقضِ على القاعدة من قبل، فوجودها ذريعة لعشرات الأعمال القذرة.

سينحسر وجود داعش في العراق وسوريا، لكنها ستظهر في أماكن أخرى، وربما سيكون مكانها الجديد في ليبيا؛ لأنها مخزن الأسلحة الكبير الذي تركه القذافي، وسيدعم وجودها، ومبرره السياسات المعادية للإخوان والثوار الإسلاميين الذين حوربوا في مصر وليبيا واليمن وسوريا حيث الجو الطائفي أصبح معدا هو الآخر لظهور المنقذ لتمهيد تقسيم اليمن وليبيا، إذ أن أمريكا تريد أن تشعر الدول العربية الصديقة بالخطر الماحق لداعش وأنها أصبحت ندا لها في المنطقة.

كيف ستكون حرب داعش في العراق؟

ظهرت داعش وبرزت بعد أن مهد لها بتحطيم الجيوش القوية في كل من العراق وسوريا، وأصبحت داعش تشكل خطرا داخل تلك الدول، ولابد لتلك الدول من أن تستعين بأمريكا للتخلص من هذا الخطر الجديد؛ لذلك سيكون سلاح الجو الأمريكي هو المنقذ للعراق وسيكون على العرب السنة في البر بواسطة التشكيلات التي استعدت أمريكا لتشكيلها، وقوات البشمركة الكردية هزيمة داعش على الأرض؛ يعني سنيا ستعيد أمريكا تجربة الصحوات بآليات جديدة بعد أن تطمئن العرب السنة ببعض المكاسب، ولتنفيذ هذا الأمر عينت أمريكا الجنرال جون ألن مسؤول القوات الاميركية في الأنبار (٢٠٠٦-٢٠٠٨) منسقا وممثلا لوزير خارجيتها جون كيري في التحالف الدولي.

لكن على السنة في العراق ألاّ يعتمدوا على وعود الأمريكان التي ثبت كذبها، بل يجب أن يحققوا سيطرة حقيقية على الأرض، ومن ثم يشاركون أمريكا في مخططها حتى لا يُعاد سيناريو 2007 مع الصحوات بتركهم في العراء.

في سوريا المعركة لها بعد آخر:

إذ حرص النظام السوري وروسيا والصين فضلا عن إيران على وجود داعش؛ لذا ستكون مواجهة داعش مواجهة لهم؛ لذلك سارعت روسيا وإيران على الاعتراض على ضرب داعش بحجّة أنه تدخل في شؤون سوريا الداخلية؛ وأن أمريكا تريد الهيمنة على سوريا بحجّة داعش وضربها.

ربما ستزيد الضربات الأمريكية من تعاطف بعض الإسلاميين مع داعش؛ لذلك سيكون الحلفاء  المفضلون لأمريكا الجيش الحر وبعض الكتائب الإسلامية، الذين يؤمنون أن القضاء على داعش مقدمة لسحق بشار الأسد وبعض الكرد، لذا تعد منذ أكثر من سنة قوات سورية دربتهم في الأردن لهذه المهمة، على غرار السيناريو الأمريكي في أفغانستان، باستخدام أمريكا حلفاء من نفس البلد للقضاء على عدوّها، مع ضربات ودعم مسلح جوي، لذلك ستنتهي هذه المرحلة في سوريا مهما طال الوقت عند القضاء على بشار، لكن أمريكا ستواجه عددا من المشاكل، هي:

كيف تضمن أمن إسرائيل؟ وما هو البديل غير الإسلامي عن بشار؟ وكيف لا تعم الفوضى سوريا بعد ذهاب بشار، كما حصل في العراق؟

موقف إيران:

منذ اجتياح داعش والعشائر للموصل في 10/6/ 2014، وإيران في حالة قلق وترقب، فهي تعلم أن أمريكا كانت وراء تحركات داعش والثوار من العشائر، حيث تكبدت إيران وحلفاؤها خسارة مناطق كبيرة، واضطرت للتنازل عن نوري المالكي، وحدث تغيير ليس بالهيّن في قواعد اللعبة السياسية العراقية الجديدة، فقد أمر رئيس الوزراء الجديد حيدر العبادي بإيقاف قصف المدنيين، وهو وإن تحول من قصف جوي إلى قصف بالمدفعية إلاّ أنه يشكل خطوة جيدة، كما أنه أعطى رسميا للسنة 35% من الحكومة.

خوف إيران من التحالف الأمريكي واضح لذا تمنعت في البداية من دخول التحالف، وحين استبعدت من المشاركة في مؤتمر جدة لمكافحة الإرهاب؛ صرح نائب الرئيس السابق محمد علي أبطحي([1]): "عقد السعودية مؤتمرا ضد داعش كأن تعقد إيران مؤتمرا ضد حزب الله".

لكن تبقى العقلية السياسية الإيرانية مستعدة لكل التغيرات؛ وهي ترى اليوم واضحا أن ثلث العراق بيد داعش، وثلث سوريا بيد داعش وقسما آخر بيد الثوار، لذا هي تسعى اليوم إلى أن تدخل التحالف وتوظف شيئا منه إلى صالحها.

في العراق سيكون هناك تمثيل واسع للسنة كان المالكي يعالجه بشراء ذمم السنة، لكن العبادي جديد وليس بيده أوراق يساوم بها السنة، فمن المتوقع أن تكون سياسة إيران تجاه السنة العرب كما يلي:

إرضاء الأمريكان بالموافقة على العبادي بديلا للمالكي، وقبول مرشح السنة لوزارة الدفاع لأنهم اليوم بحاجة للسنة لضرب داعش في العراق، لأنهم (إيران والشيعة) فشلوا في التصدي لهم وتكبدوا خسائر جسيمة، مع الضغط على العبادي ومَن حوله لتحويل الملف الأمني إلى وزارة الداخلية، أما الجيش الذي سيتحطم في المعارك مع داعش فسيحول بعد انتهاء المهمة لحماية الحدود والمعسكرات، والجيش الشيعي العقائدي سيتسلم قوات الشرطة الاتحادية ومكافحة الإرهاب وأفواج الطوارئ! وهي تجربة إيران مع جيش الشاه عندما أنشأت الحرس الثوري! وهو نفس ما فعلته في لبنان، فحزب الله اليوم أقوى من الجيش اللبناني، وهو ما نفذوه اليوم في اليمن فالجيش انهار أمام الحوثيين! فنظرية إيران أنه لا ينبغي أن يكون للسنة في العراق وزير أو مسؤول  أمني حقيقي.

تعويض إيران لخسائرها:

في الحرب الباردة بين السعودية وإيران، إيران تحارب بالقوة الميدانية والمعارضة المسلحة، والسعودية تحارب بالقوة المالية، هدف إيران دفع أمريكا للتفاهم معها إقليميا، والسعودية تتحرك لدفع أمريكا لمواجهة إيران ولعلّ في هذا تفسير للأحداث الأخيرة في اليمن!

تفوق الحوثيين في اليمن يصب في صالح إيران ويجعل السعودية تقدم مزيدا من التنازلات سواء في سياستها الداخلية تجاه الشيعة في المنطقة الشرقية أو في البحرين لأن شهية الشيعة بالبحرين فُتحت بعد انتصار الحوثيين.

ردة فعل داعش في سوريا والعراق:

صحيح أن داعش توظَّف وتُستخدم من قبل عدة جهات سورية وإيرانية وروسية وأخيرا أمريكا، لكن لها أجندتها الخاصة، فداعش تستشعر اليوم بالخطر تجاه وجودها؛ لذلك بدأ سلوك داعش داخل العراق يتغير، فمِن الظهور العلني إلى الظهور غير المعلن (لبس الثام في بعض المناطق) وتغيير مناطق تواجدهم المعروفة، وبعد امتناع داعش عن دخول بغداد بعد سقوط الموصل برغم أن الطريق كانت ممهدة أمامها لدخول بغداد، فإنها اليوم تقوم بضربات بداخل بغداد وفي حزامها كما حدث في هجوم مدينة الكاظمية، لكسب شعبية سنية وإظهار قوتها.

 



[1] - هو صاحب التصريح الشهير: "لولا إيران لما سقطت كابول وبغداد".

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق