مشكلات المرأة المسلمة .. مقاربة واقعية - المرأة المطلقة .. جدلية المشكلة والحل
الخميس 25 سبتمبر 2014

 

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

مشكلة الطلاق واحدة من أهم المشكلات الواقعية التي تعانيها المرأة المسلمة وبينما تضغط المؤسسات النسوية لفك عرى الرابطة الزوجية كحل أساسي للضغوط والمشكلات التي تواجه الحياة الزوجية وتحقر من فكرة الصبر والتضحية وتجعلها قرينا بالضعف والفقر الذي تعيشه بعض القطاعات النسائية ولا تأبه هذه المؤسسات للمشكلات بالغة الصعوبة التي قد تعانيها المرأة المطلقة.

ففي سياق الصراع المحموم مع الرجل لا تنشغل النسويات بحقيقة ما تعانيه المرأة، ونحن إذا نظرنا بصدق لواقع المرأة المسلمة ومشكلاتها الحقيقية التي تعانيها بعيدا عن نظرة النخبة النسوية في تضخيم بعض المشكلات أو اختلاقها سنجد أن مشكلة الطلاق واحدة من أهم وأقسى المشكلات التي تعانيها المرأة، فمع التعقيدات العديدة التي صبغت حياتنا الاجتماعية ومظاهر الفرح المصطنع التي جعلت الزواج قضية ومشكلة (شبكة وهدايا وحفل عرس ومسكن فاخر وأثاث وأجهزة باهظة) أصبحت حركة الزواج بطيئة وصعبة بل وملغومة أيضا قد تنفجر في أي لحظة لتترك وراءها بيتا مهدما وامرأة مطلقة تجد صعوبة كبيرة في التكيف مع حياتها ويبدو بدء حياة جديدة حلما صعبا تكتنفه المشكلات.

الأمر بالغ الخطورة فمعدلات الطلاق في تزايد مستمر، ففي مصر وحدها أكثر من مليونين ونصف مليون مطلقة يواجهن مصاعب جمة لخوض تجربة الزواج الثاني في ظل نظام اجتماعي معقد. وفي بلد إسلامي كبير كالمملكة العربية السعودية ووفقا لبيانات صادرة عن وزارة العدل فإن حالات الطلاق في السعودية ارتفعت إلى أكثر من 35 ألف حالة خلال عام 2012، لتبلغ 82 حالة في اليوم بينما هناك أربع حالات خلع يومياً على مستوى المملكة.

الفراق والشيطان

إذا كان هدف إبليس الأساسي هو تدمير حياة الإنسان في الدنيا والآخرة عن طريق فتنته بحيث يعيش حياة نكدة قلقة في الدنيا أما في الآخرة فالعذاب الأبدي هو الغاية النهائية لإبليس وجنوده ولاشك أنه بين الاثنين ترابطا عضويا فالحياة النكدة القلقة في الدنيا هي البوابة الكبرى للسخط وعدم الرضا اللذين يمهدان الطريق للكفر بنعم الخالق العظيم.

ومن أقوى الفتن التي يتعرض لها الإنسان في الدنيا ويلعب فيها إبليس وجنوده دورا محوريا الفراق بين المرء وزوجه فعن جابر قَال : قَال رسول الله صلى اللَّه عليه وسلم : "إنَّ إِبليس يضَعُ عرشه على الماء، ثمَ يبعث سراياه، فأَدنَاهم منه منزلة أَعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا. فيقول: ما صنعت شيئًا. قال: ثمَ يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتَى فرقت بينه وبين امرأته. قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت" رواه مسلم.

وليس علينا أن نتعجب لاحتفاء إبليس الشديد بذلك فالشيطان الذي نجح في غرس بذور الشقاق والفراق ومن ثم تحطيم رابطة الميثاق الغليظ وما يستتبع ذلك من ضغوط نفسية لدى الطرفين قد تقربه من الكثير من المحرمات فضلا عن مشكلة أبناء الطلاق الذين سيكونون هدفا لإبليس وجنوده لما يعايشونه من ضغوط وألم نفسي وإهمال وافتقار للرعاية التي تتم في وسط صحي آمن.

علينا إذن أن نقرر أنه وإن كان الطلاق في الأصل أمرا مباحا إلأ أنه وبالتأكيد ليس بالأمر السار المرحب به فهو ضرورة من ضرورات الحياة والضرورة تقدر بقدرها، إنه الدواء بالغ المرارة الذي قد يتم اللجوء إليه عند الضرورة، ونظرة للعالَم المسيحي الذي تعالى على هذه الضرورة نتبين من خلالها كم الفواحش والمصائب التي قد تترتب على غلق هذا الباب بصورة كلية.

مساحة من التعارف

إذا كان علينا أن نقترح حلا يقلل من قسوة انتشار الطلاق في المجتمع فإن علينا أن نميز  بين نوعين مغايرين من الطلاق أحدهما يحدث في السنوات الأولى من الزواج خاصة في السنة الأولى منه وينتج غالبا عن عدم التناسب الكافي بين الزوجين وعدم القدرة على التكيف والتعايش بينهما.

 بينما يحدث النوع الثاني من الطلاق بعد عدد طويل من السنوات وغالبا ما تكون المشكلات والضغوط المتراكمة وراء هذا الطلاق.

النوع الأول يندرج تحت فكرة أن البدايات الخاطئة ستؤدي غالبا لنهايات خاطئة فنحن لا يمكننا أن نتحدث عن أسباب الطلاق ولا نذكر سوء الاختيار كسبب رئيسي لوقوع الطلاق، ووفق الفلسفة الإسلامية يقع التدين على رأس قمة هرم أسباب الاختيار ويليه السلوك أو الأخلاق وفق الحديث النبوي الشريف عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض". رواه الترمذي وحسنه الألباني.

 فإذا كان السلوك والخلق جزءا من الدين إلا أنه تم الحديث عنه وحده لإبراز أهميته فقد يكون رجل صاحب صلاة وصيام ولكنه ليس لطيف المعشر كما سيأتي في قصة فاطمة بنت قيس حيث لم يعِب الرسول على خطابها دينهما وإنما تحدث عن أمور مرتبطة بالسلوك والواقع الحياتي، فأحدهما لا مال عنده، والآخر لا يضع العصا عن عاتقه بمعنى أن شخصيته تتسم بالعنف.

 بعض الفقهاء تحدث عن الكفاءة، أي تقارب الوسط الاجتماعي، وهو إن لم يكن شرطا لصحة الزواج ولكن النظرة الواقعية تجعله مطلوباً ومرغوباً فيه لجلب المنافع ودفع الضرر، ولذلك عندما تزوجت أم المؤمنين زينب بنت جحش زيدا كانت النهاية فشل هذا الزواج.

وهناك توجيهات إسلامية واضحة تدعو لقدر كاف من التعارف قبل إتمام الزواج فلابد أولا من النظر وهو الحد الأدنى في هذا الأمر "فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" رواه الترمذي.

وقد تدعو الحاجة للحوار المباشر كما حدث بين أم سليم وأبي طلحة عندما تقدم للزواج منها وأخذ يعرض عليها مهرا غاليا لكنها رفضت وقالت: إنه لا ينبغي أن اتزوج مشركا. أما تعلم يا أبا طلحة أن آلهتكم ينحتها آل فلان، وأنكم لو أشعلتم فيها نارا لاحترقت.

وعندما احتدم الحوار بينهما قالت له: والله ما مثلك يا أبا طلحة يُرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذاك مهري ولا أسألك غيره.

هذا الحوار نموذج للتعارف النفسي والفكري لذلك فلا غرابة أن كان زواج أم سليم نموذجا للنجاح في الحياة الزوجية.

أو يدور حوار عبر وسيط كما حدث مع أم المؤمنين أم سلمة، فعن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه: إن أم سلمة لما انقضت عدتها خطبها أبو بكر فردّته، ثم خطبها عمر فردّته، فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: مرحباً، أخبِر رسول الله أني غيرى (شديدة الغيرة)، وأني مُصبية (ذات أولاد صغار)، وليس أحد من أوليائي شاهد. فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما قولك: إني مصبية، فإن الله سيكفيك صبيانك، وأما قولك: إني غيرى فسأدعو الله أن يذهب غيرتك، وأما الأولياء فليس أحد منهم إلا سيرضى بي .. " رواه أحمد.

لاشك أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف ظروف أم سلمة وعلى الرغم من ذلك فإنها رضي الله عنها ترسل له عبر الوسيط بنقاط بالغة الحساسية في مستقبل علاقتها الزوجية فهي لديها مسئوليات نحو صبية صغار وربما يؤثر ذلك على اهتمامها بالزوج كما أنها وهذه رسالة مهمة جدا امرأة شديدة الغيرة فهي بطاقة تعريف نفسية فهذه أمور لا يجوز إخفاؤها ثم نصدم بها الطرف الثاني.

وقد يكون الحل استشارة شخصية ثقة عارفة بالطباع وتمتلك مهارة في فهم النفسيات، فعن فاطمة بنت قيس، قالَت: لما حللت أَتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فذكرت له أن معاوية بن أَبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أَما أَبو جهم فلا يضع عصاه من عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، ولكن انكحي أُسامة بن زيد". قالت: فكرهته، ثمَ قَال: "انكحي أسامة، فنكحته، فجعل الله فيه خيرا، واغتبطت به".

بين الضغوط والصبر

 بينما يحدث النوع الثاني من الطلاق بعد عدد طويل من السنوات وغالبا ما تكون المشكلات والضغوط المتراكمة وراء هذا الطلاق وهذه مسألة يحتاج علاجها للصبر والتضحية والتحلي بروح إيمانية وأخلاقية عالية، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: "تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء، غير ناضح وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن ولم أكن أحسن أخبز وكان يخبز جارات لي من الأنصار وكنّ نسوة صدق وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ فجئت يوما والنوى على رأسي فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار، فدعاني ثم قال: إخ إخ ليحملني خلفه فاستحييت أن أسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أني قد استحييت فمضى فجئت الزبير، فقلت: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك، فقال: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه، قالت حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم تكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني"، رواه البخاري.

إنها الضغوط الحياتية القاسية التي جعلت وجود خادم بمثابة العتق من رق المسئوليات فأسماء تواجه الظروف الاقتصادية الطاحنة وطبيعة الزبير شديد الغيرة بل وبعض العنف الزوجي، فعن عكرمة أن أسماء بنت أبي بكر كانت تحت الزبير بن العوام، وكان شديدا عليها، فأتت أباها فشكت ذلك إليه، فقال: "يا بنية اصبري فإن المرأة إذا كان لها زوج صالح ثم مات عنها فلم تزوج بعده جمع بينهما في الجنة ". الطبقات الكبرى لابن سعد.

ما بعد الطلاق

ربما كانت مشكلة المرأة المطلقة في الماضي أكثر يسرا وبساطة حيث كانت المرأة المطلقة وبمجرد انتهاء عدتها يتقدم لها أكثر من خاطب كما رأينا في قصة فاطمة بنت قيس حيث كانت حركة الزواج تتسم بالمرونة والانسيابية، أما في مجتمعاتنا المعاصرة فأصبح الزواج لأول مرة يمثل صعوبة كبيرة وأصبح الزواج الثاني ليس بالأمر الميسور وبالتالي ففرص المرأة في للحصول على زوج ثانٍ أقل.  

كما تنخفض أيضا المحددات التي يتم على أساسها القبول فكونها امرأة سبق لها الزواج يجعلها تتنازل عن بعض طموحاتها الشخصية في الزوج القادم .. البعض يتعامل مع المرأة المطلقة كأنما هي امرأة ناقصة بينما تحدث القرآن عن الثيبات والأبكار بمنطق التسوية حيث معيار التميز هو التقوى {عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً } (التحريم : 5).

وليس كون المرأة مطلقة أنها ارتكبت خطأ ما أو أن لديها خللا شخصيا وإلا فماذا تفعل زوجة المدمن والمقامر والعابث؟!

بعض النساء المطلقات يفضلن عدم الزواج إذا كان من يتقدم للزواج منها أقل من طموحها في الزوج الثاني وهو ليس بالخيار السهل فعلى المرأة في هذا الحال أن يكون لها دخل مادي كاف خاص بها وحتى في هذا الحال فإنها تعيش حياة تفتقد أحد عناصر الاستقرار والطمأنينة لأنها تفتقد الحياة الزوجية.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق