فرق ومذاهب\العدد مائة وثمانية وثلاثون - ذو الحجة - 1435 هـ
عصائب أهل الحق .. جنود سليماني ودمى المرجعية
الأربعاء 24 سبتمبر 2014

 

 معتز بالله محمد – كاتب مصري

 

خاص بالراصد

عادت مليشيا عصائب أهل الحق الشيعية لتطفو مجددا على السطح في ظل اشتراكها مع قوات البيشمركة وقوات الجيش العراقي في المعارك الطاحنة ضد تنظيم داعش بالعراق، بغطاء جوي أمريكي.

لكن الدور الذي لعبته العصائب منذ تأسيسها عام 2004 تجاوز بكثير التصدي لتنظيم متشدد، فالمتتبع لتاريخ العصائب يجد أنها لعبت دورا بارزا في الحرب الطائفية التي شهدها العراق ابتداء من عام 2006، وتحديدا منذ التفجير المدبَّر لمرقد الإمامين الهادي والعسكري بسامراء، فكانت أحد أهم المليشيات الطائفية التي تقتل على الهوية أو ما اصطلح على تسميتها بفرق الموت، والتي لا تزال ترتكب جرائمها في بلاد الرشيد ضد السنة بدعم من الحكومات الشيعية المتعاقبة.

والعصائب هي ابنة إيران غير الشرعية، فقد تلقى عناصرها التدريبات على اغتيال أهل السنة، وتفجير المنازل، والقتل على الهوية على يد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني برئاسة الجنرال قاسم سليماني، فيما مولت طهران عمليات العصائب كباقي المليشيات الشيعية التي ترعرعت في كنف الملالي منذ بداية الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003.

بدايات الانشقاق

وتعود النشأة الأولى للعصائب إلى عام 2004 عندما وقّع جيش المهدي (الجناح العسكري للتيار الصدري) بزعامة مقتدى الصدر اتفاقا لوقف إطلاق النار مع المحتل الأمريكي والحكومة العراقية، فأعلن قيس الخزعلي ومعه عبد الهادي الدراجي وأكرم الكعبي، وجميعهم من قادة جيش المهدي الانشقاق عن الصدر مع مجموعة تقدر بالمئات من المقاتلين، الذين قرروا الاستمرار في القتال.

ورغم المصالحة التي تمت بين جماعة الخزعلي ومقتدى الصدر في منتصف 2005 إلا أنه في يوليو 2006 تم الإعلان عن تأسيس مليشيا "عصائب أهل الحق" بشكل رسمي، والتي بدأت في الاستقلال التام في نوفمبر 2008 عن جيش المهدي، بعد قرار الصدر بحل الأخير، واستبداله بمليشيا "لواء اليوم الموعود" التي رفض الخزعلي الانضمام إليها.

تزعم مليشيا العصائب أنها نفذت أكثر من ستة آلاف عملية ضد الاحتلال الأمريكي، فيما تتهمها الكثير من جماعات المقاومة السنية بسرقة عملياتها ونسبها لنفسها على الإنترنت. ورغم ذلك فقد نفذت العصائب عددا من العمليات كقتل وخطف عسكريين أمريكان وغربيين، ما أدى لاعتقال عدد من قادتها كقيس الخزعلي نفسه وشقيقه ليث، وعلي موسى دقدو،ق وهو أحد أعضاء حزب الله اللبناني والذي كان يعمل مستشارا للخزعلي ومنسقا بين العصائب وحزب الله. في هذه الفترة تولى أكرم الكعبي قيادة المليشيا.

أدوار وعرائس

تميزت تلك الفترة بهروب عدد كبير من أعضاء الجماعة إلى إيران لتلقي التدريبات على تكتيكات وأساليب قتالية جديدة، وهنا تبرز المفارقة، ففي حين كان رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي يدين حتى النخاع بالولاء لطهران، فإن الأخيرة هي التي تلقفت الفارين من تحت قبضة قواته الأمنية حين تصارعا على النفوذ في العراق، الأمر الذي يؤكد أن نظام الملالي في قُم وضع لكل طرف من شيعة العراق دورا مرسوما، وظل يحركهم كالعرائس، لتكتمل الصورة في النهاية كما أراد لها أن تكون، وهو ما سيتضح من التقارب الكبير بين المالكي والعصائب فيما بعد.

عملية "مور"

التكامل بين إيران والمالكي والعصائب بدا واضحا في العملية التي نفذتها العصائب في 29 مايو 2007 عندما اختطفت خبير تكنولوجيا المعلومات البريطاني بيتر مور وحراسه الأربعة، من داخل مبنى وزارة المالية العراقية، حيث قام 40 من عناصر المليشيا بتنفيذ العملية وهم يرتدون الملابس العسكرية الحكومية وتقلهم السيارات الرسمية.

صحيفة" الجارديان" البريطانية كشفت أن عملية اختطاف الخبير وحراسه الذين قتلوا بعد ذلك، جاءت لمنع الكشف عن عمليات فساد مالي كبيرة كان الخبير البريطاني بصدد كشفها عبر إدخال برامج حاسوبية تشرف على التعاملات المالية وتكشف حجم التلاعب والسرقات والاختلاسات.

أطلقت القوات الأمريكية والعراقية سراح أكثر من 100 من مقاتلي الجماعة من ضمنهم شقيق الخزعلي، ثم ما لبثت أن أطلقت سراح قيس الخزعلي نفسه في يناير 2010 مقابل إطلاق سراح الخبير البريطاني.

وفي يوليو 2014 اعتذر الخزعلي في حديث لتلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عن عملية اختطاف الخبير وقتل حراسه الأربعة وقال إن العملية «كان يجب ألا تحدث». وأنحى الخزعلي باللائمة على بريطانيا في مقتل الرهائن.

بنهاية عام 2010 أُعلن عن انضمام قادة معروفين لفرق الموت الطائفية للعصائب من بينهم المدعو أبو درع الذي كان يقوم بتعذيب أهل السنة في العراق بنفسه وقتلهم بالمثقاب الكهربي، وكذلك أبو مصطفى الشيباني، وذلك بعد عودتهم من إيران، فيما أصبح آية الله العظمى كاظم الحائري زعيما روحيا للجماعة.

عسكريا تتوزع المليشيا على أربعة ألوية، أولها لواء الإمام علي وهو المسئول عن المحافظات الشيعية التسع في الجنوب، ولواء الإمام الكاظم في غرب بغداد، والذي يشمل السيطرة على بعض المناطق السنية، والإمام الهادي وهو اللواء المسئول عن شرق العاصمة، ولواء الإمام العسكري في المناطق الشيعية وسط العراق، إضافة لبعض مناطق الشيعة في محافظتي نينوى وكركوك.

 تنسيق وطائفية

بدأت العصائب في تصعيد جرائمها الطائفية ضد أهل السنة بعد الإعلان عن انسحاب الاحتلال الأمريكي من العراق نهاية عام 2011، واتضاح مستوى التنسيق مع حكومة المالكي، ففي بغداد تم تهجير السنة واحتلال منازلهم وتصفية رموزهم، حتى المساجد تم الاستيلاء على عدد منها وتحويلها إلى مساجد شيعية ومنع السنة من دخولها، مثلما حدث في مسجد بحي الأمين الثاني بمنطقة بغداد الجديدة في أغسطس 2012 على سبيل المثال لا الحصر.

نفوذ مليشيا الخزعلي بدا واضحا في الشارع العراقي، مقابل غضّ الحكومة الطرف عن جرائمها، ففي أغسطس وسبتمبر 2012 قامت العصائب بحملة وزعت فيها أكثر من عشرين ألف ملصق لعلي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية في أرجاء العراق، وخرج مسئول كبير بحكومة المالكي يقول إن عمال البلدية يخشون إزالة الملصقات خوفا من عقاب عناصر المليشيا.

صراع الديكة

لم تصفُ العلاقة على الإطلاق بين مقتدى الصدر والخزعلي، منذ انشقاق الثاني، فدائما ما نظر الأول للثاني على أنه خرج من تحت عباءته وتحدّاه ليصبح فيما بعد منافسا له ولشعبيته بين المجتمع الشيعي.

وفي يونيو 2013 قال الصدر في بيان له إن العصائب مجرد "مجموعة قتلة لا دينَ لهم ولا ورع"، واصفا إياهم بـ "أهل الباطل"، ومع إعلان العصائب الانخراط في العملية السياسية- وهو ما سنتعرض له لاحقا- قال الصدر- الذي سبق واشترط في السابق عودتهم نادمين إلى التيار الصدري كشرط وحيد لإمكانية الصلح معهم- "إنهم عشاق كراسي" مضيفا "أموالهم بدد، ووجودهم عدد سيزول، وهذا ما سيظهر خلال أيام الانتخابات". وتابع الصدر "تعسا لمن شق الصف وأضعف الوحدة".

الصراع بين الطرفين وصل حد الاشتباك بالأسلحة بين مؤيدي كل منهما في حي الكاظمية ببغداد، ومحاولة العصائب اغتيال حازم الأعرجي، مدير مكتب الصدر، ما حدا بالأخير للخروج والإعلان أن رجال الخزعلي - أو أهل الباطل كما يصفهم - "تعدوا الخطوط" مؤكدا أن "القتل والقتال ليس من صلاحيتهم لا في العراق ولا سوريا حتى وإن كانت الحكومة تدعمه". ولم يفلح لقاء نظمه كاظم الحائري وجمع بين الصدر والخزعلي بتاريخ 6-6-2013  في رأب الصدع بين الخصمين.

بحلول عام 2014 كانت العصائب قد أعلنت تخليها عن السلاح وخوض غمار السياسة، وتم دمج عدد غير قليل من العصائب في أجهزة الأمن العراقية، لتصبح تلك الأجهزة طائفية بامتياز. وشكلت العصائب كتلة سياسية تسمى "صادقون"، لكن الانتخابات التشريعية التي أجريت نهاية أبريل من نفس العام أثبتت هشاشة شعبية العصائب بين الشيعة حيث لم يحصل مرشحوها سوى على مقعد واحد فقط من أصل 328 مقعدا في البرلمان العراقي.

مع "داعش"

وخلال الحملة الانتخابية تبنى تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام "داعش" هجوما مزدوجا على تجمع انتخابي لائتلاف "صادقون"  في بغداد ما أدى إلى قتل 28 شخصا وجرح 100 آخرين. وقال التنظيم إنه نفذ التفجير "ردّا على ما تقوم به الميليشيات الصفوية في العراق والشام من قتل وتعذيب وتهجير لأهل السنة وذبح للأطفال والنساء". في حين صرح الخزعلي أن جماعته مستعدة لمواجهة أي تحرك من "داعش"، مضيفا أن جماعته التي وصفها بـ "حامية هذا البلد" مستعدة وجاهزة للمواجهة.

في سوريا

ولعبت العصائب دورا كبيرا في دعم نظام بشار الأسد في سوريا، منذ أواخر عام 2012 ويرى مراقبون أنه لولا المقاتلون الشيعة القادمون من العراق ولبنان لكان الأسد سقط خلال هذا العام، فقد ساعدوا في قلب دفة الأمور لصالح النظام بعد صدور قرار إستراتيجي من الجماعات الشيعية للدفاع عن الأسد مهما كلف الثمن.

وبدأ تدفق مقاتلي العصائب على سوريا ضمن صفوف ما سمي بلواء أبي الفضل العباس ثم قاموا بتشكيل كتائب حيدر الكرار التي يقودها أكرم الكعبي، وذلك بحجة حماية مرقد السيدة زينب رضي الله عنها، وفيما يقول الخزعلي إن معارك سوريا ساهمت في منح مقاتلي العصائب خبرات عسكرية متراكمة، ألقت صحيفة "الجارديان" البريطانية في مارس 2014 بالضوء على خسائر المليشيا في سوريا وقالت إنها منشغلة بتجهيز أماكن لدفن قتلاها، حيث اشترت ما يزيد على 2،500 متر مربع من مساحات الدفن في النجف وإقامة الأضرحة لمن سقطوا في سوريا.

وبحسب تقرير الصحيفة فإن العصائب تتلقى من 1.5 إلى 2 مليون دولار في الشهر من إيران، وأن مقاتليها  يعتبرون أنفسهم "جنود المرجعية" (أعلى سلطة دينية شيعية)"، كما إن "قوتهم لا تخضع للمساءلة". ونقل التقرير عن أحد العمال قوله: "إنهم (عصائب أهل الحق) موجودون في كل مكان".

عودة وجرائم

عاد الآلاف من مقاتلي العصائب من سوريا بعد سيطرة تنظيم "داعش" على الموصل وعدد من المدن العراقية. وخرج الخزعلي في إحدى المقابلات التلفزيونية ليقول إن "إرسال رجالنا للقتال في سوريا كان قراراً صحيحاً، حيث أن الخبرة التي اكتسبها مقاتلو الجماعة خلال حربهم ضد المجاميع المسلحة في سوريا كانت السبب في منع تنظيمي القاعدة وداعش من السيطرة على العاصمة العراقية بغداد".

الحقيقة أن معارك العصائب ضد "داعش" الذي تحول اسمها فيما بعد إلى "الدولة الإسلامية"، كانت مبررا للمليشيا الشيعية لارتكاب مجازر مروعة ضد أهل السنة، كان من بينهما مجزرة جامع مصعب بن عمير، في إحدى قرى ناحية السعدية في ديالي، حيث استهدفت مليشيا العصائب المصلين وقتلت 70 مصليا سنيا، ويتوقع أن تتضاعف جرائم المليشيا هذه خلال الفترة القادمة، بعد منح أمريكا غطاء دوليا للحرب على السنة تحت مسمى "الحرب على داعش".

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق