المشـهد العـراقي بين المالكي والعِبادي
الأربعاء 27 أغسطس 2014

عبد الهادي علي – كاتب عراقي

 خاص بالراصد

جمع نوري المالكي رئيس وزراء العراق أكبر كمٍّ من الأصوات في الانتخابات العراقية الأخيرة، وكان يحلم بولاية ثالثة، ليحقق ما خطط له من الإمساك بزمام العراق ويصبح القائد الأوحد المسيطر على كل شيء، والمالكي رغم طائفيته إلا أنّه تعدى وتجبر حتى على طائفته الشيعية، ثم استعدى الكرد، ليوجد كمّا كبيرا من العداوات ضده، ثم زاد به الحمق والنّهم للولاية الثالثة فبدأ يتلاعب مع أمريكا، ودعم حكومة بشار الأسد بوصية من إيران، رغم تحذير الأمريكان له، واستعجل بالحصول على السلاح؛ لذا هرول راكضا إلى روسيا دون موافقة أمريكية ناسيا أن أمريكا هي من وضعته على رئاسة الوزراء سنة 2010.

 لذا قررت أمريكا عزله وأبلغه بذلك وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، فعاند أمريكا بعد أن رفضه الكرد والسنة العرب، والسيستاني وأتباعه، والأحزاب الشيعية الأخرى الكبرى كالتيار الصدري والمجلس الأعلى (عمار الحكيم)، ونافقه مجموعة من العرب السنة من النواب والمنتفعين؛ كالصحوات وغيرهم، والحزب الإسلامي تحت ذريعة أنه خير من غيره، وهؤلاء أطلق عليهم فيما بعد لقب (سنة المالكي)، وثبت أن كل هؤلاء لا يدركون خبايا السياسة ولم يقرؤوا حقيقة المشهد وأن المالكي راحل لا محالة.

أمّا إيران فكانت تريد أن تتخذ من عناد المالكي ورقة تساوم بها أمريكا، لكنها ضغطت على أمريكا بخصوص تشكيل الحكومة فجرى اتفاق سني شيعي كردي، على رئيس مجلس النواب سليم الجبوري من الحزب الإسلامي، ثم تمّ الاتفاق على فؤاد معصوم الكردي كرئيس للجمهورية، وبقي منصب رئيس الوزراء موضع خلاف، رغم الإعلان الرسمي خارجيا وداخليا أن المالكي لا يمكن أن يكون رئيسا للوزراء بعد الهزيمة النكراء لجيشه من قبل داعش في 10/6/2014، وفقده السيطرة على ثلث مساحة العراق.  

بدائل المالكي الذين اقترحتهم إيران لم تقبل بهم أمريكا؛ لأن ولاءهم هو لإيران فضلا عن الجذور والأصول الإيرانية لبعضهم؛ وكان على أمريكا أن تختار شخصية بديلة لتضرب بها المالكي، وكانت إيران ترسل برسائل إلى الائتلاف الوطني الشيعي أنها لا تملك بديلا للمالكي إلا المالكي، لكن أمريكا حركت ما تملكه من أوراق بعد أن جلبت مجموعة من الخبراء من CIA  تدرس الوضع عن قرب، بحجة متابعة الوضع العراقي العسكري وتقييمه بعد هزيمة جيش المالكي، ونجحت هذه المجموعة في أن تكتشف شخصية من حزب الدعوة، عاش وتربى في الغرب ويحمل الجنسية البريطانية، وهو غريم للمالكي في حزبه ألا وهو الدكتور حيدر العِبادي.

حاولت إيران أن ترسل رسالة لأمريكا أنها مصرة على المالكي، في اليوم التالي عملت أمريكا بطريقة فردية سريعة: قابلت سليم الجبوري رئيس مجلس النواب ورئيس الجمهورية فؤاد معصوم على حدة، في ذات الوقت قابلت بعض قيادات التحالف الوطني مثل: علي الأديب، عمار الحكيم، مقتدى الصدر، إبراهيم الجعفري، الشهرستاني، وصولاغ، وغيرهم، وأخبرت الجميع في آن واحد: أن خيار أمريكا هو الدكتور حيدر العِبادي وأنه قرار لا رجعة فيه، وأجبرتهم على الموافقة، فوافق الجميع مكرهين، ورشح فؤاد معصوم رسميا حيدر العبادي.

فتم تكليفه من قبل رئيس الجمهورية فؤاد معصوم لتشكيل الحكومة وحظي بأغلبية شيعية، وكانت هذه صدمة لإيران، لأن أمريكا لم تستشرها هذه المرة كما فعلت في انتخابات 2010، بل فرضت هي ما تريده.

أرادت إيران يومها الضغط، لكنها أُخبرت من قبل حلفائها أن أمريكا جادة وضاغطة هذه المرة ولن تساوم، فاستسلمت إيران للقرار الأمريكي، وبعد يوم اعترفت بحيدر العبادي رسميًا، علما أنها رفضت العبادي بسبب إقامته الطويلة في أوربا وعدم إقامته في إيران فهي تخشى من أن ولاءه لن يكون لإيران بالشكل المطلوب.

فرضت أمريكا قرارها على إيران بسبب موقف إيران الضعيف داخل العراق وسوريا، فأمريكا أغرقت إيران وحلفاءها في عدة حروب داخلية في سوريا والعراق لا دخل للجيش الأمريكي بها، لكنّها أبقت الريموت كنترول (السيطرة) بيدها، فإيران تفقد الأراضي التي عملت سنين طويلة للسيطرة عليها وتتمدد جغرافيا من إيران عبر العراق وسوريا لتصل إلى شاطئ المتوسط،  لتصنع بها إمبراطوريتها التي تحلم بها.

لكن الثورة السورية أنهكت إيران وكانت رأس الخيط في نقض عرى هذا الحلم، كما أن الثورة السورية أنهكت طفل إيران المدلل (حزب الله) في سوريا، واليوم فتح فتق في العراق أصبح من الصعب رتقه، وصار موقف إيران ضعيفًا، وأصبحت تخشى من أن يمتد الفشل لداخل إيران نفسها.

بعد تكليف حيدر العِبادي، رفع المالكي عقيرته وأوعد وزمجر وهدد، وفي اليوم الأول كانت الانفجارات تهز المناطق الشيعية في بغداد، وهذا يؤكد بوضوح للجميع أن أكثر التفجيرات السابقة في بغداد في المناطق السنية والشيعية هي صناعة مالكية (الأجهزة الأمنية) أو إيرانية بعلم المالكي وأجهزته؛ إما بالتفجير مباشرة، وإما بالتساهل مع القاعدة وداعش.

لكن إيران فهمت الرسالة بعد ثلاثة أيام وأبلغت المالكي بضرورة التنحي، فتنحى صاغرا فقد رُفع عنه الغطاء الأمريكي والإيراني ليعلم أن اللعبة انتهت أو كما يقال (GAME OVER  ) وانتهى دوره، وأنه لم يكن سوى بيدق أمريكي وإيراني، وأنه اليوم ينتظر كيف يتخلص من المحاكمات التي يمكن أن تفتح عليه نتيجة للجرائم والفساد الذي ارتكبه هو وأبناؤه ومَن حوله خلال فترة السنوات الثماني المنصرمة، فقد العراق فيها أكثر من 750 مليار دولار.

حيدر العبادي رئيسا للوزراء:

 حيدر العبادي حاصل على درجة الدكتوراه في الهندسة من بريطانيا، وهو من أهالي بغداد، منطقة الكرادة، وينتمي لعائلة متعصبة شيعيا، وقد أعدم له شقيقان بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي والآخر لحزب الدعوة الشيعي، والده طبيب معروف، انتمى لحزب الدعوة قبل أكثر من 40 سنة، لكن انتماءه لحزب الدعوة فكري وليس عسكريا على غرار نوري المالكي الذي كان أحد المسئولين الأمنيين فيه، ومارس التفجير والقتل بيده، لذلك فهو مجرم عريق.

أكثر حياة د.العِبادي كانت في الغرب للدراسة والعمل، والعبادى برغم انتمائه لحزب الدعوة، فرع دولة القانون إلا أنه عُرف بكثرة اعتراضه على سياسة المالكي في الفترة السابقة، لكنه شخصية ضعيفة برغم ثقافته، وبعض المحللين يقول إن أحد أسباب اختياره، هو وسليم الجبوري وفؤاد معصوم أنهم ضمن مواصفة واحدة وهي الضعف في الشخصية والتبعية للآخرين؛ ليسهل إدارة دفة الحكم في العراق من قبل الأمريكان بالدرجة الأولى.

العِبادي وتحديات تشكيل الحكومة:

يعمل العبادي على تشكيل الحكومة واحتمال الفشل وارد فأمامه شهر لتشكيلها وحجم التحديات كبير جدا، تحديات من داخل الوسط الشيعي، وتحديات من أوساط السنة خارجياً وداخلياً، وتحديات كردية.

وإزاء تكليف العبادي يتوزع العرب السنة على ثلاثة أنواع:

* سنة المالكي الذين يريدون تحصيل مكاسب من جديد بطرح مشروع صحوات جديدة في الأنبار تسمى الكتائب، ليكونوا سُنّة العِبادي.

* وهناك سنة الثوار أو سنة المعارضة وهؤلاء يشترطون للتعاون مع العِبادي أن يقدّم خطوات جادة وهي إيقاف القصف للمدنيين بالبراميل، وإخراج المعتقلين لا سيما النساء السنيات (5000 سجينة)، وتكوين جيش وطني وشرطة في المحافظات السنية من أبناء المحافظة، وإلغاء القوانين الظالمة ضدهم.

* وهناك نوع ثالث من سنة المعارضة يشترط للتعاون تفعيل مطالب المحافظات الثلاث (نينوى، وديالى، وصلاح الدين) والتي قدمت إلى المالكي مشروع قيام إقليم فيها، وحث محافظة الأنبار لتكون أربع محافظات في الإقليم السني.

بينما التحالف الوطني الشيعي يريد نصف الحكومة له من الآن، أما الأكراد فيريدون قبل التفاوض تسديد سبع مليارات دولار لهم هي حصتهم المحجوزة من الميزانية من قبل المالكي، حيث امتنع المالكي منذ شهر شباط سنة 2014 عن دفع مستحقات الأكراد، كبادرة حسن نية للتعامل مع حكومة العبادي.

لكن إذا أرادت أمريكا إنجاحه فستنجحه رغما عن الجميع وهذا هو الراجح.

أمريكا وحيدر العبادي:

حاليا العِبادي هو مرشح أمريكا بامتياز، وقد طلبت أمريكا من كل دول العالم دعمه، ثم طلبت من الأمم المتحدة دعمه، والجميع فعل ذلك؛ وفي هذا دلالة على أن العراق دخل حقبة جديدة من عودة السيطرة الأمريكية شبه الأحادية على زمام أموره.

وإذا ما قدّر للعبادي أن ينجح في تشكيل الحكومة فسيكون في خدمة الأمريكان في هذه المرحلة؛ لأنه -رغم تعصبه الشيعي- إلا أنّ ضعف شخصيته، وتعلمه في بريطانيا، وحصوله مبكرا على الجنسية البريطانية تؤهله ليكون ميله غربيا لا سيما وأن المرحلة اليوم هي مرحلة أمريكية، لكن يبقى أصله وانتماؤه المبكر لحزب الدعوة يعطيه جانب التعصب الشيعي، وأزمة الشيعة بوجود المالكي أعطتهم درسا في حكم العراق، وأن حماقة المالكي أفقدتهم جزءا من العراق، ولكي تتجنب إيران ميل العِبادي لأمريكا أوجدت مجموعة من التحالف الوطني الشيعي التابع إيران كمستشارين وكمراقبين يراقبونه كي لا يميل كليا ًلأمريكا، وستشدد إيران قبضتها المتواجدة والمقتربة من العِبادي، وفي حالة عدم الاستجابة ستحاول خلق مشاكل لإفشاله أو إفشال التجربة الأمريكية؛ وهذا ما فعلته سابقا مع المالكي عندما فكر من الخروج من دائرتها.

لكن إيران قد تغير سياستها حسب مصالحها مع أمريكا سلبا أو إيجابا، وحسب المتغيرات على الساحة في المنطقة.

ثمة حدث مهم وقع قبيل تغيير المالكي بيوم أو يومين، حيث قام الأمريكان بإخراج وزير الدفاع السابق الفريق سلطان هاشم وأربعة من الضباط الكبار من سجون الحكومة بعد أن قررت الحكومة العراقية إعدامهم، ليذهبوا بهم للسفارة الأمريكية في بغداد ومكثوا فيها أياما ثم تمّ نقلهم إلى قطر، وهذا ما أرعب الكيانات الشيعية وفسروه بأن أمريكا تريد عودة جزء من النظام أو الجيش السابق.

كما تتردد الأخبار أن كثيرا من السنة يريدون تشكيل قوات محلية من بعض أعضاء الجيش السابق كي يكونوا قوة عسكرية بدل داعش.

وستكشف الأيام القادمة عن نجاح العبادي من عدمه في تشكيل الحكومة العراقية وهل يستطيع كسب الشارع السني، وما هو دوره في إدارة المعركة في المحافظات السنية المنتفضة، وقدرته على إدارة الصراع مع داعش.

علما إنه في الأيام القليلة الماضية لوحظ توقف تحرك الميليشيات الشيعية وعمليات الخطف والقتل على الهوية لسنة بغداد بواسطة عناصر من الجيش، لكن بقيت الميليشيات نشطة تقاتل خارج بغداد.

الأيام القليلة القادمة ستكشف إن كان العبادي سينجح بتشكيل الحكومة أم لا!

 

  

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق